; الإسلام منهج التعارف والتقارب | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام منهج التعارف والتقارب

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2012

مشاهدات 64

نشر في العدد 2011

نشر في الصفحة 52

السبت 14-يوليو-2012

الإسلام منهج يقوم على تأليف القلوب والتعارف وجمع الكلمة، ووحدة الصف والتفضيل بين الناس على قاعدة الأكرم والأتقى, روى الترمذي وغيره بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: «يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبية الجاهلية، وتعاظمها بآبائها, فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله, وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم».. قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13). 

يا أيها الناس.. خطاب يناشد المختلفين أجناسًا وألوانًا، والمتفرقين شعوبا وقبائل... ليعلمهم بحقيقة أنهم من أصل واحد، ولا مجال للاختلاف والتفرق، ولا للتخاصم والتنافر.

يا أيها الناس.. نداء من الله الخالق.. للذكر والأنثى.. ليطلعهم على الغاية من جعلهم شعوبا وقبائل.. إنها ليست التناحر والخصام... إنما التعارف والوئام.. وأن اختلاف الألسنة والألوان واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فهو اختلاف التعدد والتنوع.. لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات.. وليس للون، والجنس، واللغة، والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله... إنما هنالك ميزان واحد للمفاضلة ومعرفة فضل الناس: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَا أتقاكم ﴾. 

والله سبحانه وتعالى يزن هؤلاء عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين: ﴿ إِن أكرمكم عند الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ (الحجرات: 13) . 

وهكذا تسقط جميع الفوارق، وتسقط جميع التمايزات، ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان.

 وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض، وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس، ويظهر سبب ضخم واضح للألفة والتعاون ألوهية الله للجميع... وخلقهم من أصل واحد، كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته؛ لواء التقوى الذي رفعه الإسلام، لينقذ البشرية من عقابيل العصبية للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للبيت.

ويروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه «قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فَعَن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».

 وقد رأينا الصورة النموذجية للمجتمع المتآخي المتحاب في العهد الإسلامي الأول الذي ضمته مدينة الرسول، رغم ما هنالك من تباين كان يمكن أن يقف عقبة في سبيل هذا الإخاء المثالي.. فالمجتمع يتألف من المهاجرين وهم قوم وافدون على أهل البلاد أغلبهم من العرب المستعربة، أعني «العدنانيين»، ومن الأنصار، وهم أهل البلد، من العرب العرباء، أعني «القحطانيين»، وحتى هؤلاء الأنصار يتألفون من بطنين كبيرين، طالما قامت بينهما حروب ودماء تخلفت عنها ثآرات وأحقاد، وهما الأوس والخزرج، ومع هذا نجد بين هؤلاء وأولئك الحبشي: كبلال، والفارسي: كسلمان، والرومي: كصهيب، وهناك فوق ذلك البدوي الخشن: كأبي ذر, والمتحضّر الذي ربي في أحضان النعيم: كمصعب بن عمير رضي الله عنهم أجمعين.

ومع ذلك كله قام في ظل الإيمان ذلك الإخاء الفريد، الذي لم تكتحل عين الدنيا برؤية مثله.. فرأينا المجتمع الذي يحب الفرد فيه لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، ويرى إيمانه لا يكتمل بغير هذا، بل رأينا من يؤثر أخاه على نفسه، ويجود بالطعام وهو أشد ما يكون حاجة، ويتنازل عن الماء وهو أشد ما يكون عطشاً !

 إن التاريخ لم يشهد رجالاً عقدوا عزمهم ونواياهم على غاية تناهت في السمو والرفعة ثم نذروا لها حياتهم، على نسق تنامى في الجسارة والبذل والفداء، والتضحية والعطاء كما شهد في أولئك المهاجرين الصادقين.

 لقد جاؤوا في أوانهم المرتقب، ويومهم الموعود حين كانت الحياة تهيب بمن يضع عن البشرية أغلالها، ويحرّر وجودها ومصيرها.. وحين كانت تهيب بمن يستشرف للحضارة الإنسانية معالم جديدة ورشيدة، جاؤوا صابرين ناسكين جاؤوا مهاجرين مخلصين، جاؤوا روادًا شيدوا عالمًا جديدًا فريدًا.. يهتز نضرة.. ويتألق عظمة... ويتفوق اقتدارًا.

وتأتي صورة ثانية وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار.. هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلاماً طائرة ورؤى مجنحة، ومثلاً عليا قد صاغها خيال محلق ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدار والإِيمَان مِن قَبْلِهِمْ ﴾ (الحشر: 9).

أي دار الهجرة.. مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين.. كما تبؤوا الإيمان.. وكأنه منزل لهم ودار.. وهو تعبير ذو ظلال.. وهو أقرب ما يصور الأنصار من الإيمان.. فقد كان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم, وتسكن إليه أرواحهم, ويثوبون إليه ويطمئنون له, كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار ﴿يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ (الحشر: 9). 

وهنا نرى أسمى ما عرفت من عظمة ورشد... ونشهد كتائب الحق وهي تطوي بأيمانها كل صور الجاهلية وأرجاسها وأدناسها، زاحمة عالم الحق بمشاعر النورا ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الحشر 9)، ونستكمل صور الأخوة لدى الأنصار وإعلائهم لقيمة الإيثار في العدد المقبل وحتى ذلك الحين نسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يوحد بين صفوفنا .

الرابط المختصر :