; أخلاق النصر عند جيل الصحابة: المبادرة بالنزول على حكم الله ورسوله وإن خالف هوى النفس | مجلة المجتمع

العنوان أخلاق النصر عند جيل الصحابة: المبادرة بالنزول على حكم الله ورسوله وإن خالف هوى النفس

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1992

مشاهدات 79

نشر في العدد 1017

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 22-سبتمبر-1992

أخلاق النصر: التسليم لحكم الله ورسوله فوق هوى النفس

مرجعية الطاعة والامتثال في القرآن الكريم

لقد تجلى صدق الصحابة الذي كان من أسبابه إمداد الله لهم بالنصر، في المبادرة بالنزول على حكم الله ورسوله، وإن خالف هوى النفس، انطلاقًا من قوله سبحانه:

 

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (النور: 51-52).

 

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

 

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63).

 

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: 92).

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُون) (الأنفال: 20).

 

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (التغابن: 12). (للاطلاع على مرجعية طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، انظر: مرجعية السنة النبوية في التشريع).

 

نماذج من تجرُّد الصحابة وقبولهم الحكم الشرعي

زواج زينب بنت جحش (رضي الله عنها):

فـهذه زينب بنت جحش - رضي الله عنها - ينطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها على مولاه زيد بن حارثة. وحين يفاتحها في ذلك تأبى وتقول: «لست بناكحته». فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بلى فانكحيه». قالت: «يا رسول الله، أتأمر نفسي؟» فبينما هما يتحدثان إذا بالمولى سبحانه وتعالى ينزل هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36). فتقول: «قد رضيته لي يا رسول الله مَنكِحًا؟» فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم». فتقول: «إذن لا أعصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قد أنكحته نفسي» (1).

 

زواج جليبيب (رضي الله عنه):

وهذا جليبيب يخطب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من الأنصار إلى أبيها. ويقول أبوها: «حتى أستأمر أمها». فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فنعم إذًا». وينطلق الرجل إلى امرأته ويذكر ذلك لها، فتقول: «لاها، الله إذًا! ما وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا جليبيبًا، وقد منعناها من فلان وفلان». فيقول راوي الحديث - والجارية تسمع في سترها - وينطلق الرجل يريد أن يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فتقول الجارية: «أتريدون أن تردوا على رسول الله أمره؟ إن كان قد رضيه لكم فانكحوه». فكأنها جَلَّتْ عن أبويها، وقالا: «صدقت». فذهب أبوها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إن كنت قد رضيته فقد رضيناه». فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإني قد رضيته». ويزوجها أبوها. ثم يفزع أهل المدينة، ويركب جليبيب، فيجدونه قد قُتل وحوله ناس من المشركين قد قتلهم. يقول أنس بن مالك - راوي الحديث -: «فلقد رأيتها، وإنها لمن أنفق بيت في المدينة» (2).

 

تحريم الخمر والمسارعة إلى الانتهاء:

وهؤلاء نفر من الصحابة كانوا يشربون الخمر، ولا يطيقون صبرًا عنها، بيد أنه لما نزل القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (المائدة: 90-91). لما نزل القرآن بذلك، تركوها وأقلعوا عنها قائلين: «قد انتهينا يا رب».

 

الزنا وموانع النكاح (مرثد وعناق):

وهذا مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلًا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له. وإنه كان واعد رجلًا من أسارى مكة يحمله. قال: «فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة. قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط... فلما انتهت إلي عرفتني، وقالت: مرثد؟ قلت: مرثد. فقالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبت عندنا الليلة». قال: قلت: «يا عناق، حرم الله الزنا». فقالت: «يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم». قال: «فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة - يعني الجبل - فانتهيت إلى كهف أو غار، فدخلت، فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظل بولهم على رأسي، وأعماهم الله عني. قال: ثم رجعوا، ورجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا حتى انتهيت إلى الإذخر - مكان خارج مكة - فككت عنه كَبْلَه - وهو قيد ضخم - فجعلت أحمله، ويعينني حتى قدمت المدينة. فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، أأنكح عناقًا؟» فأمسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد علي شيئًا حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 3). فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الزاني لا ينكح إلا زانية، أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، فلا تنكحها» (3).

 

حكم الرضاع (عقبة بن الحارث):

وهذا عقبة بن الحارث يتزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فتأتيه امرأة فتقول: «إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج». فيقول لها عقبة: «ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني». ثم يركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة... فيسأله، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كيف وقد قيل؟...». فيفارقها عقبة وتنكح زوجًا غيره (4).

 

العفو عند المقدرة (أبو بكر الصديق):

ولما سقط مسطح بن أثاثة مع من سقط في حادثة الإفك واتهام أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - بالزنا، شق ذلك على أبي بكر وأهله، وقال: «هذا أمر لم تُتَّهم به في الجاهلية، أفبعد إذ أعزنا الله بالإسلام نُتَّهم به؟» وحلف ألا ينفع مسطحًا بنافعة أبدًا. فأنزل الله - عز وجل -: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: 22). وسمعها أبوبكر فقال: «بلى والله يا ربنا، إنا لنحب أن يغفر لنا»، وعاد له بما كان يصنع (5).

 

إلى غير ذلك من النماذج التي تدل دلالة واضحة على صدق القوم في تجردهم من كل شيء حتى من حظوظ أنفسهم، وقبول أمر الله ورسوله بالسمع والطاعة، والرضا والقبول ظاهرًا وباطنًا، الأمر الذي كان سببًا في عون الله، ونصره وتأييده لهم.

 

شروط الظفر بالنصر في العصر الحديث

ونستطيع نحن المسلمين اليوم، وفي كل يوم أن نظفر بما ظفر به هؤلاء، بشرط أن يكون حكم الله ورسوله أحب إلى نفوسنا من كل شيء، حتى من حظوظ نفوسنا. ويعيننا على ذلك:

 

العلم بعلم الله: أن نضع في حسابنا أن الله الذي تعبدنا بحكمه أعلم بكل شيء، حتى بخلجات وخطرات نفوسنا، وعليه فإذا تعبدنا بشيء فلن يكون فيه إلا الخير كل الخير. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (البقرة: 220)، و﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).

 

التأسي بالأنبياء: وأن نديم النظر في سير الأنبياء والمرسلين، وكيف كان حكم الله أحب إلى نفوسهم من كل شيء حتى من أنفسهم. فهذا نوح عليه السلام ينزل على حكم الله في شأن ولده حين يقول له ربه: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود: 46)، فيطيع على الفور قائلًا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (هود: 47).

 

مخالفة الهوى والشيطان: وأن نعيد النظر كذلك في سير الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأن نتهم نفوسنا دائمًا، ونخالفها ونخالف شياطين الإنس والجن في كل ما يشيرون، وما يأمرون، فإنهم كما قال الله - عز وجل -: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: 112).

 

الصحبة الصالحة والاستعانة بالله: وأيضًا نستعين بالله - عز وجل - على هذه النفوس، وعلى الأعراف والعادات والتقاليد، وهو سبحانه حين يعلم منا الصدق والإخلاص لا يبخل علينا بالعون والتأييد، والنصر والتمكن. والنظر في خبر الغابرين الذين ركبوا رؤوسهم، واعترضوا على حكم الله ورسوله. والانخلاع، والانسلاخ من صحبة المتمردين على حكم الله ورسوله، المؤلهين لأهوائهم وعقولهم، ثم الارتماء في أحضان الصالحين من عباد الله المعروفين بحسن استجابتهم لله ولرسوله.

 




 


الهوامش

1 الحديث أورده ابن كثير في تفسير القرآن العظيم 489/3 ناقلًا مقال العوفي عن ابن عباس والسيوطي في الدر المنثور 200/201 من حديث ابن عباس وعزاه إلى ابن جرير وابن مردويه وآخرين.

 

2 الحديث أخرجه أحمد في المسند 136/3 من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.

 

3 الحديث أخرجه ابن ماجه في: السنن: كتاب الحدود: باب السابق يعترف 2/863 رقم 2588 من حديث عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه مرفوعًا بهذا اللفظ.

 

4 الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب العلم: باب الرحلة في المسألة النازلة 1/45-46 رقم 88 وكتاب الشهادات باب إذا شهد شاهد 2/934 رقم 2497 من حديث عقبة بن الحارث مرفوعًا بهذا اللفظ.

 

5 الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب التفسير: سورة النور: باب قوله إن الذين يحبون إلى آخره. رقم 4479 من حديث عائشة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 33

99

الثلاثاء 27-أكتوبر-1970

أسامة بن زيد  الحب بن الحب

نشر في العدد 35

135

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

أفكار مستوردة - الديمقراطية