العنوان البنوك الإسلامية تجربة رائدة
الكاتب نبيه عبد ربه
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1982
مشاهدات 66
نشر في العدد 585
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 31-أغسطس-1982
تجتاح العالم الإسلامي منذ سنوات صحوة إسلامية واعية، هدفها وضع حد للضياع الذي يكتنف حياة المسلمين، وإيجاد نهاية للتيه الذي لا يعرفون له آخر. فقد عاش المسلمون خلال القرن الماضي في دوامة الأنظمة الوضعية المستوردة، بعد أن حيل بينهم وبين نظامهم الإسلامي الرشيد، فجربوا جميع المبادئ الوضعية رأسمالية كانت أم اشتراكية، فلم نزدهم إلا شقاء وفقرًا وبعدًا عن الله تعالى، فأخذوا يشعرون بضرورة العودة إلى الإسلام كمنهج كامل للحياة ودستور جامع لخير الدنيا والآخرة.. إلا أن طريق العودة هذا لم يكن مفروشًا بالورود والرياحين، ولكنه كان مليئًا بالأشواك والعقبات من كل جنس ولون، فكانت هذه العقبات بمثابة التحدي العقائدي والحضاري للمسلمين. مما أوجد عندهم ردة فعل عنيفة دفعتهم إلى البحث والتفكير لإيجاد الحلول البديلة للقضايا الآنية المستجدة اقتصادية كانت أم سياسية أم اجتماعية.
فظهرت في بداية الأمر بعض الحلول اتسمت بالترقيع أو التطويع إلا أن تعاظم الشعور بضرورة العودة إلى الإسلام كنظام كامل شامل أوجدت حلولًا أخرى اتسمت بالتكامل والرفض الكامل للأنظمة المستوردة، وعدم إقرار سياسة الترقيع بين الإسلام وبين هذه الأنظمة وأخذت تبحث لإيجاد الوسائل والأنظمة الإسلامية البديلة للأنظمة الوضعية.
والنظام الاقتصادي الإسلامي واحد من الأنظمة التي عمل أعداء الإسلام على إبعاده عن مسرح الحياة على اعتبار أنه لا يصلح لمواكبة ركب الحضارة الحديثة، وقد انطلت هذه الفرية على المسلمين فترة من الزمن إلا أن فشل الأنظمة المادية الوضعية في تحقيق السعادة والاستقرار للإنسان بشكل عام وللمسلم بشكل خاص، جعل المسلمون يبحثون عن نظام اقتصادي بديل يحقق لهم الحياة المستقرة الآمنة وأخذ المخلصون من المسلمين يعملون على إيجاد المؤسسات الإسلامية والكوادر الفنية التي تعمل على تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي عمليًا وتثبت للعالم قدرة هذا النظام على حل مشاكل الإنسانية، لهذا فقد شهدت السبعينات تجربة إنشاء المؤسسات والمصارف الإسلامية على المستوى المحلي، وبالرغم أن هذه التجربة لا زالت حديثة العهد، إلا أن جميع الدلائل تشير إلى أنها نجحت منذ البداية نجاحًا ملموسًا وصمدت أمام جميع التحديات واجتازت معظم العقبات، فكانت كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ماهية البنوك الإسلامية:
يمكن تعريف المصرف أو البنك بشكل عام من خلال الصفات التي يتصف بها والأعمال التي يزاولها أنه مؤسسة أو شركة مالية تعني بتوظيف الأموال واستثمارها بغية الربح وتنحصر وظيفة البنك الأساسية في تلقي الأموال في صورة ودائع أو حسابات جارية ثم القيام باستثمارها، ويأتي ربح البنك أساسًا من الفرق بين العائد الذي يدفعه البنك مقابل الحصول على الأموال وبين العائد الذي يقبضه مقابل استثمار هذه الأموال وما عدا ذلك من الأعمال التي تقوم بها البنوك إنما هي خدمات لتعزيز صلتها بالعملاء وتشجيعهم على استمرار اللجوء إليها والتردد عليها.
أما البنك الإسلامي فهو مؤسسة مالية مصرفية لتجميع الأموال وتوظيفها في نطاق الشريعة الإسلامية بما يخدم بناء المجتمع الإسلامي المتكافل وتحقيق عدالة التوزيع بين أفراده ووضع المال في الطرق التي يقرها الإسلام فالبنك الإسلامي وعاء طاهر يمتزج فيه فكر اقتصادي استثماري سليم ومال يبحث عن الربح الحلال لتخرج منه قنوات تجسد الأسس الجوهرية للاقتصاد الإسلامي، وتنقل مبادئه من النظرية إلى التطبيق، ومن التصور إلى الواقع الملموس، فهو يجذب رؤوس الأموال العاطلة المجمدة، ليوجهها نحو تحقيق الربح الحلال للفرد والمجتمع.
الفرق بين البنوك الإسلامية والربوية:
الفروق بين البنوك الإسلامية والربوية أساسية من حيث الهدف والوسيلة والنتيجة:
أما من حيث الهدف: فالبنوك الإسلامية تقوم على أساس التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، وهذا التصور يقتضي الاعتقاد بأن الله- سبحانه وتعالى- خلق الأرض واستخلف الإنسان فيها وضمن له رزقه، وأن صلاحية المستخلف لا تتعدى الشروط التي يضعها له الذي استخلفه وهو الله- عز وجل- فيطيع الإنسان ربه، فيما أمر وينتهي عما نهى عنه وزجر.
أما النظام الربوي فيقوم على أساس التصور المادي للحياة من كل حسب طاقته ولكل حسب إنتاجه، وأنه لا دخل للأخلاق في المعاملات المالية، فالغش فن والرشوة عرف تجاري، والسرقة ذكاء ومهارة وهكذا.
كما يقوم النظام الربوي على أساس أن الإنسان سيد الأرض، وأنه حر في وسائل الحصول على المال وفي طرق استثماره وتنميته والتمتع به غير ملزم بأية أنظمة سماوية وغير مقيد بمصلحة الآخرين حتى الذين يعيش معهم في مجتمع واحد فالغاية عندهم تبرر الواسطة.
أما من ناحية الوسيلة: فالفرق بين البنوك الإسلامية والربوية ينحصر في الفائدة أو العائد «الربا» فالبنوك الربوية تجمع الأموال وتمول المشروعات مقابل فائدة محددة سواء ربحت هذه المشاريع أم خسرت بينما البنوك الإسلامية تجمع الأموال وتستثمرها مقابل حصة من الربح غير معروفة المقدار تعتمد على مقدار ربح المشروع أو خسارته وتساهم في الخسارة كما تساهم في الربح.
كما أن الفائدة في النظام الربوي يتعين سدادها في مواعيد محددة سواء ربح المشروع أم خسر. نجد في النظام الإسلامي أن الربح أو الفائدة لا يمكن تحديده بصورة قطعية إلا بعد الانتهاء من أعمال المشروع كلية.
أما من حيث النتيجة: فإن النظام الربوي ينشئ نظامًا اجتماعيًا يقوم على أساس الاستغلال والاحتكار والتضخم، فتشقى به الإنسانية أفرادًا وجماعات، وتعود الفائدة في هذا النظام على حفنة من المرابين يرصون صفوفهم لاستغلال جهود الكادحين من العمال والفقراء والمواطنين، ويقضي هذا النظام إلى تركيز السلطة الحقيقية بأيدي زمرة من الظالمين المستغلين، بينما نجد النظام الاقتصادي الإسلامي يوزع الثروة بين أكبر عدد ممكن من الناس ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ﴾ ويقيم العلاقة بين الفقراء والأغنياء على أساس الأخوة والرحمة والتعاون، ثم هو قبل ذلك يقيم السلطة الحقيقية لشريعة الله تعالى وليس لأي فئة من البشر مهما عظم شأنها أو ارتفعت منزلتها.
مدى نجاح البنوك الإسلامية:
رغم أن عمر البنوك الإسلامية لا يزال قصيرًا، ورغم أن التجربة التي مرت بها جديدة إلا أنه يمكن القول أن هذه البنوك قد نجحت نجاحًا ملحوظًا كمًا ونوعًا:
فمن ناحية النجاح الكمي: ازداد عدد البنوك الإسلامية خلال العشر سنوات الأخيرة حتى بلغ أربعة عشر بنكًا منها ثلاثة بنوك في مرحلة التأسيس، ومنها عشرة بنوك محلية «عربية وإسلامية» وأربعة بنوك دولية. وهي كما يلي: البنك الإسلامي للتنمية «ومركزه جدة»، وبنك دبي الإسلامي «دبي».
وبنك البحرين الإسلامي «البحرين» وبيت التمويل الكويتي الإسلامي «الكويت». بنك فيصل الإسلامي «القاهرة». وبنك فيصل الإسلامي السوداني «الخرطوم»، والبنك الإسلامي الأردني «عمان». والمصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية «القاهرة». وبنك مصر «فرع المعاملات الإسلامية» «القاهرة»، والمصرف الإسلامي الدولي «لوكسمبرج».
وقد قررت شركة الاستثمار الإسلامية في الشارقة افتتاح بنك إسلامي في سويسرا، وصرح أمين عام اتحاد البنوك الإسلامية أن هناك مخططًا لإنشاء بنكين إسلاميين في كل من ماليزيا وجنيف، وهناك «مصرف قطمة الإسلامي» الذي سيرى النور قريبًا إن شاء الله، وقد ذكر بنك فيصل الإسلامي في القاهرة في تقريره السنوي لعام «1400» أنه سيفتح الفروع التالية في كل من أسيوط والإسكندرية والأزهر وفي عام 1402هـ سيفتح فروعًا في طنطا والسويس ومصر الجديدة.
أما البنك الإسلامي الأردني فقد افتتح له فرعًا جديدًا في مدينة «الزرقاء» الأردنية. أما بنك التمويل الكويتي الإسلامي فقد افتتح له ستة فروع، كما قررت السلطات الباكستانية تحويل الاقتصاد الباكستاني إلى اقتصاد إسلامي وإنشاء بنوك لا ربوية مما دفع عددًا من البنوك الرئيسية في باكستان إلى إعلان تخليها عن النظام المصرفي الغربي، واعتمادها النظام المصرفي الإسلامي في كل معاملاتها.
أما من ناحية النجاح النوعي للبنوك الإسلامية:
فالبنوك الإسلامية تملك الشخصية الاعتبارية المستقلة من حيث امتلاكها لأموالها وممتلكاتها وتعاملها مع عملائها. هذا بالإضافة إلى أنها استطاعت إثبات وجودها في سوق المال والاقتصاد، بل وتفوقت في بعض البلدان على البنوك الربوية، وتقوم هذه البنوك بمعظم العمليات المصرفية المتطورة وفقًا لأحدث الطرق والأساليب العلمية والفنية لتسهيل التبادل التجاري وتنشيط الاستثمار ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقطار الإسلامية بما لا يتنافى مع الشريعة الإسلامية.
أما من ناحية الأرباح «المادية والمعنوية» فقد حققت البنوك الإسلامية أرباحًا عالية، وتشير جميع الدلائل أن إمكانية الخسارة في المستقبل تبدو ضئيلة جدًا نظرًا للأسس الربانية والعلمية التي تقوم عليها، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
1- استطاعت البنوك الإسلامية أن توجد الحوافز الذاتية عند المسلمين، فتدفعهم إلى تجميع أموالهم ومدخراتهم المجمدة لاستثمارها في الطريق الحلال فقد زادت الودائع في بنك التمويل الكويتي الإسلامي من «21» مليون دينار كويتي عام 1978م إلى «66» مليون عام 1979م إلى «148» مليون عام 1980م أي بزيادة مقدارها «25 %» عن العام السابق و «6,7 %» عن عام 1978م، أما في بنك دبي الإسلامي فقد بلغ مجموع الودائع فيه عام 1980م «199054000» درهم بينما قفز هذا الرقم عام 1981م إلى «308780000» درهم. أما في بنك فيصل الإسلامي «القاهرة» فقد ازداد عدد الحسابات المفتوحة فيه بنسبة «822 %».
هذه الأرقام تؤكد حقيقتين:
الأولى: أن البنوك الإسلامية تقوم على قاعدة قوية ثابتة، وأن الودائع بأنواعها تعتبر أساس الموارد المالية للبنوك، فإذا كان عدد المودعين كثيرًا- ولو كانت قيمة ودائع كل منهم قليلة كما هو الحال في البنوك الإسلامية- فإن إمكانية تعرض البنك لهزة مالية نتيجة عجز السيولة النقدية فيه تبدو ضئيلة لأنه من المستحيل أن يقوم هذا العدد الضخم من المودعين على سحب ودائعهم مرة واحدة بعكس الحال فيما لو كان عدد المودعين قليلًا وكانت قيمة ودائع كل منهم كبيرة فإن تعرض البنك في هذه الحالة لعجز في السيولة النقدية تبدو واردة في كل وقت.
أما الحقيقة الثانية: فقد أدى وجود البنوك الإسلامية إلى زوال حالة الشعور بالانفصام النفسي من حياة المسلمين- ولو جزئيًا- فأدى ذلك إلى الانسجام بين ما يعتقدونه وبين ما يتعاملون به كما أن ازدياد إقبال المسلمين على هذه البنوك يؤكد أن هذه الأمة أصيلة في انتمائها إلى الإسلام وأنها مهما ابتعدت عنه لابد أن تعود إليه، ولهذا وجدنا المسلمين يسارعون إلى تشجيع تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي عمليًا، وهذا يعطي العاملين للإسلام دفعة قوية إلى الأمام لتطبيق أحكام الإسلام في كل مجالات الحياة.
فقد استطاعت البنوك الإسلامية أن تلعب دورًا هامًا في إنعاش الاقتصاد المحلي ودفع عملية التنمية في بلادها إلى الأمام، كما ساعدت على زيادة دخل الفرد فقد بلغ مجموع استخدامات بيت التمويل الكويتي للأموال «9» مليون دينار كويتي عام 1978م، ارتفعت إلى «62» مليون عام 1979م، ارتفعت إلى «137» مليون عام 1980م، أي بزيادة مقدارها «1316 %» عن عام 1978م.
أما بنك دبي الإسلامي فقد زادت موارده واستخداماته بمقدار «16» مليون درهم عام 1981م عنها عام 1980م أي بزيادة قدرها «46%» كما ارتفع عدد المستثمرين في بيت التمويل الكويتي من «20» ألفًا عام 1979م إلى «140» ألفًا عام «1980م» أما بنك فيصل الإسلامي «القاهرة» فقد بلغت الزيادة في مصادر الأموال فيه بنسبة «345%» كما بلغ متوسط العائد السنوي لحسابات الاستثمار «12,03» وهذه نسبة جيدة لدوران رأس المال.
فقد حققت البنوك الإسلامية أرباحًا جيدة فاقت أرباح الكثير من البنوك الربوية العريقة، فقد بلغت الأرباح الصافية لبنك التمويل الكويتي عام 1978م «529,657» دينار كويتي ارتفعت عام 1979م إلى «3,479,752» دينارًا. ارتفعت عام 1980م إلى 9,683,066 دينارًا ارتفعت عام 1981م إلى «250,045,246» دينارًا أي بزيادة قدرها «158,6%» عن البنك السابق، أما بنك دبي الإسلامي فقد بلغت الأرباح فيه عام 1980م «6,712,000» درهمًا ارتفعت عام 1981م إلى «11,267,000» درهمًا، وهذه الأرباح تعتبر عالية إذا ما قيست بأرباح البنوك الربوية.