العنوان السناد الحقيقي للأمة فى الرخاء والشدة أين؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
مشاهدات 128
نشر في العدد 1122
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
ليس هناك سناد حقيقي للأمة غير عزماتها وعقولها وعقائدها، وسواعدها، وكل هذا مذخور فى النفوس ومكنون فى القلوب ولهذا يجب أن تتحول النفوس إلى طاقات عظيمة، تتمثل فى عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، وعزم ثابت لا يعدو عليه تلون ولا فتور، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره.
على هذه الأركان الأولى التى هى من خصائص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنى اللبنات وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة الحقيقية زمنًا طويلًا، وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة أو على الأقل فقدها رواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير ولا يحقق أملًا، وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام و﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (سورة النجم:28) هذا هو قانون الحياة وهو أيضًا قانون الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد:10) أو لست ترى معي إن سبب ضعف الأمة وذلة شعوبها كثيرة ومتعددة، ولكن أكثرها وأشدها، ضعف قلوبها، وخلاء أفئدتها من الأخلاق والعزمات وصفات الرجولة الصحيحة، وإن كثر عددها وزادت خيراتها وثمراتها، وأن الأمة إذا رتعت في النعيم، ونسيت احتمال الشدائد، وغرقت فى المادة وافتتنت بزهرة الحياة الدنيا، وتخلت عن مقارعة الخطوب والمجاهدة فى سبيل الحق فقد فقدت حريتها وشخصيتها، وقل على عزتها وأمالها العفاء، وصدق شوقی:
فمن يغتر بالدنيا فإني لبست بها فأبليت الثيابا
لها ضحك القيان إلى غبى ولى ضحك اللبيب إذا تغايا
جنيت بروضها وردًا وشوكًا وذقت بكاسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما ولم أر دون باب الله بابا
فليس هناك مجد يبنى بيد الغير، ولا عز يقوم على كاهل أجنبي مهما كان، فلكل غرضه ومأربه وغاياته وإذا لم تكتشف اليوم فستظهر غدًا، يسارع إلى إظهارها ضعفنا وقلة حيلتنا وتواكلنا وقعودنا وتفرقنا، هذه تجارب الأمم واستقراءات الحوادث فى التاريخ قديمه وحديثه تنبينا بهذا، وصدق القائل:
وزهدني فى الناس معرفتي بهم وطول اختباري صاحبًا بعد صاحب
فلم ترنى الأيام خلا تسرنى مباديه إلا ساعني فى العواقب
وليس الطريق صعبًا على أصحاب العزائم والنفوس الكبار ولا شاقًا على أمة ذات مجد عريق وبطولات فذة ونسب يطاول السحب ويقتنص الصواعق والشهب:
وعلمنا بناء المجد حتى أخذنا إمرة الأرض اغتصابًا
وما نيل المطالب بالتمنى ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال إذ الإقدام كان لهم ركابا
فعلم ما استطعت لعل جيلًا سيأتي يحدث العجب العجابا
وإذا كانت نفوسنا تحتاج إلى شفاء فليس هناك من شفاء أنجع ولا أبلغ من الهدى الرباني، ولا من دواء أنفع ولا أفضل من الوحى الإلهى، وإذا كانت عزائمنا تحتاج إلى رباط وقلوبنا تحتاج إلى مداد، فليس هناك أقوى من حبل الله ولا أعز من مدده وسلطانه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ( سورة الحج:الآية 39)
ورباط الإيمان سناد للمؤمن أى سناد واستعانته بالله وتوكله عليه قوة له أى قوة تحرك فيه اليقين وتبعث فيه الطاقة التي لا تحد وتجعله كالطود الأشم لا تجرفه الغمار السائدة ولا تطوه اللجاج الصاخبة، ومن فضائل القوة التى يوحيها الإيمان أن تكون وثيق العزم مجتمع النية على إدراك هدفك بالوسائل الصحيحة غير تارك للحظوظ أن تفعل لك شيئًا أو للأقدار أن تدبر لك أمرًا قصرت فيه، فعن عوف بن مالك قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين، فلما أدبرا قال المقضي عليه: حسبى الله ونعم الوكيل! فقال صلى الله عليه وسلم له:« إن الله يلوم على العجزه »!! ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: « حسبي الله ونعم الوكيل » فالإسلام يكره الذين يعيشون فى الدنيا ذيولًا، تغلب عليهم طبائع الزلفى والتهافت على جنبات الآخرين، ويحبون أن يكونوا فى الحياة كالثعالب التي تقتات على فضلات الأسود، وقد كان مما يستعيذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلمه للمؤمن قوله:«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» فهل ستكون لنا آذان صاغية وقلوب واعية.
نصحت ونحن مختلفون دارًا ولكن كلنا فى الهم شرق
وللأوطان في دم كل حر يد سلفت و دين مستحق
ولا يبنى الممالك كالضحايا ولا يدنى الحقوق ولا يحق
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
يجب أن تكون للأمة وقفات والعقول لفتات، وأن ينبعث رجال الصدق، وتنبثق عزائم الكفاح لينفلق الإصباح وتقر القلوب فى المضاجع وينعم الناس بالأمن والإيمان فهل هذا سيكون؟ نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل