; واشنطن: الجنود العائدون من العراق وأفغانستان بين الجنون والانتحار | مجلة المجتمع

العنوان واشنطن: الجنود العائدون من العراق وأفغانستان بين الجنون والانتحار

الكاتب صلاح الصيفي

تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2007

مشاهدات 60

نشر في العدد 1758

نشر في الصفحة 26

السبت 30-يونيو-2007

«ران دولينجير» رجل الدين بالجيش: بوش خصص ۷ ملايين دولار لتمويل برنامج ديني جديد.. يعادل نصف موازنة الشؤون الدينية في الجيش.

«برندا جرينبرج » مسؤولة مكتب الموارد البشرية بوزارة الخارجية: الدبلوماسيون الأمريكان الذين عملوا بالعراق يعانون من نفس اضطرابات الجنود

جنود الاحتلال يلجؤون لتعذيب العراقيين للتنفيس عن معاناتهم النفسية والعقلية

الجيش الأمريكي يستعين بـ ١٤٠٠ رجل دين ويخطط لضم ٦٠٠ آخرين.. لحماية جنوده من الانهيار

البنتاجون: طول فترة انتشار الجنود الأمريكيين في العراق يزيد من وطأة أزماتهم النفسية

طفلة أحد الجنود القتلى بالعراق فقأت عين لعبتها ومزقتها... وهي تقول: «مثل أبي»!

مجلة أركايفز أوف إنترنال ميديسين: واحد من كل أربعة جنود أمريكان عملوا في العراق وأفغانستان يعالجون من اضطرابات عقلية

أصبحت مشاهد الموت والخوف من الوقوع بأيدي المقاتلين الملثمين سببًا رئيسًا جعل نحو ٧٢% من جنود المارينز الأمريكان يرغبون بشدة في العودة إلى وطنهم وترك أرض العراق المستعمرة...

 ويبدو من خلال التقارير الصحية العديدة أن الحرب الأمريكية في العراق لا تنهك أمريكا بشريًا واقتصاديًا في أرض العراق فحسب، بل تتعداها محدثة تأثيرات مباشرة على طبيعة المجتمع الأمريكي، ربما تتضح معالمها لاحقًا...

حيث بدأت تلك التأثيرات النفسية تتعدى الجنود الأمريكيين لتصل إلى أبنائهم وبناتهم. وبدا ذلك واضحًا عندما قامت طفلة تبلغ من العمر خمس سنوات بفقء عين لعبتها، وقطعت أحد أجزاء جسم اللعبة لتجعلها تشبه والدها العائد من العراق، والذي فقد إحدى عينيه ويده خلال العمليات العسكرية بالعراق.

اضطرابات نفسية: أما عن حالات الانتحار التي تعصف بالجيش الأمريكي خلال الفترة الأخيرة، فهي الأعلى في تاريخه، إذ تؤكد التقارير العسكرية أن معدل حالات الانتحار التي أصابت الجنود الأمريكان في حرب العراق قد فاقت معدلات الانتحار في حرب فيتنام!

 وفي سياق متصل، أظهرت دراسة نشرتها مجلة أركايفز أوف إنترنال ميديسين الأمريكية، التابعة لـ«جورنال أوف أميركان ميديكال أسوسيشن» في ٢٠٠٧/٣/١٢م -أظهرت- أن جنديًا أمريكيًا من أصل أربعة نشروا في العراق وأفغانستان، يعالجون من اضطرابات عقلية، وفق النظام الصحي الحكومي... وإذا تم حساب الاضطرابات النفسية التي تؤدي إلى العنف المنزلي مثلًا، فإن معدل المحاربين السابقين الذين يعانون من اضطرابات عقلية يصل إلى ٣١% كما أن ٥٦ ٪ من الجنود الأمريكان العائدين من العراق يعانون من أكثر من مرض عقلي...

وقالت كارن سيل من المركز الطبي لقدامى المحاربين في سان فرانسيسكو والمشرفة على الدراسة -لوكالة فرانس برس- مؤخرًا: إن الأمراض النفسية لدى الجنود الذين عادوا في الآونة الأخيرة إلى الولايات المتحدة أو أعضاء الحرس الوطني أعلى بكثير من تلك التي سجلت خلال دراسة سابقة، نشرت في عام ٢٠٠٦م، أجريت على عسكريين يمارسون مهامهم.

وخلصت الدراسة إلى أن العسكريين الأكثر تعرضًا للأخطار الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و ٢٤ عامًا، لكن الأمراض النفسية تكثر لدى كل الفئات.

وأفادت الدراسة أن الاضطرابات التي تحصل بعد الإصابة هي أكثر ما تم تشخيصه لدى %۱۳ من الجنود، ويليها القلق 6% والإحباط والإفراط في استخدام الأدوية المسكنة.

مفاجأة البنتاجون

وفجر تقرير وزارة الدفاع الأمريكية التقييم الخاص بالصحة العقلية للجنود الأمريكان العاملين بالعراق موجة من الجدل والقلق الكبيرين في الأوساط الأمريكية نظرًا لأنه أظهر حجم الإجهاد المتزايد الذي يعاني منه الجنود الأمريكيون في العراق خاصة أولئك الذين تم نشرهم هناك أكثر من مرة.

ويبرز جيسي نانز، محرر صحيفة كريستيان ساينس مونيتور مدى القلق العميق في أوساط القادة العسكريين الكبار لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق، حول معايير تطبيق قواعد الأخلاق العسكرية في ساحات المعارك بالعراق.

وأشار «جيسي نائز» إلى أن تقرير وزارة الدفاع الأمريكية بخصوص الصحة العقلية للجنود الأمريكيين في العراق -وهو من إعداد فريق استشاري تابع للقسم الطبي بالجيش- يعتبر الرابع من نوعه منذ بدأ غزو العراق، لكنه الأول الذي يهتم بالتركيز على معايير الأخلاق العسكرية في ساحات المعارك.

وحول هذا الموضوع كتبت صحيفة نيويورك تايمز، تقول: إن هذا التقرير الجديد يكشف عن حقيقة أن تعدد مرات نشر الجنود الأمريكيين في العراق وإطالة فترات خدماتهم في كل مرة يزيد من حالة الغضب والكبت المحتقن لديهم، ويجعلهم أكثر رغبة في الاعتداء على المدنيين العراقيين وإيذائهم، فضلًا عن تزايد رغبة هؤلاء الجنود في تحدي الأخلاق العسكرية في أرض المعركة.

 وأوضحت الصحيفة أن تقرير البنتاجون للصحة العقلية للجنود الأمريكيين في العراق ارتكز على مسح ميداني، شمل نحو ۱۳۲۰ جنديًا من قوات المشاة و ٤٤٧ من قوات مشاة البحرية المارينز في شهري أغسطس وسبتمبر عام ٢٠٠٦م، إضافة إلى مقابلات مع عدد من القادة العسكريين والأطراف ذات الصلة.

 وخلص التقرير إلى أن طول فترة انتشار الجنود الأمريكيين في العراق يزيد من وطأة الأزمات النفسية التي تحاصرهم ولا أدل على ذلك من أن معدلات المشكلات العقلية لدى الجنود الأمريكيين تكون في أعلى مستوياتها في صفوف الجنود الذين شاركوا في معارك لم يمض عليها وقت طويل، حيث كانت نسبة الإصابات لدى هؤلاء الجنود أعلى بـ ٣٠% من نظيرتها لدى الجنود الذين مرت فترة طويلة نسبيًا على خوضهم معارك.

وأقر أكثر من ثلث الجنود الأمريكيين الذين شملهم المسح بإقدامهم على أساليب التعذيب في عدد من الحالات التي تم الاحتكاك فيها بمواطنين عراقيين ولا يتعرض من يقومون بمثل ذلك لأي توبيخ من قبل قياداتهم كما لا يقوم زملاؤهم بالإبلاغ عنهم.

معدلات الانتحار

وبالرغم من إيفاد فرق متخصصة لمساعدة القوات الأمريكية على التعامل والتعايش مع ضغوط الأجواء القتالية في العراق، إلا أن هناك ارتفاعًا في معدلات الانتحار بين الجنود الأمريكيين في العراق.

وأضحت ظاهرة ارتفاع معدلات الانتحار من القضايا الملحة التي تشغل بال البنتاجون الذي سارع العام الماضي بإرسال أطقم طبية إلى العراق لتقدير الأوضاع والوقوف وراء الظاهرة والحيلولة دون استفحالها.

 ويحتفظ الجيش الأمريكي بتسعة فرق طبية تضم أطباء نفسانيين واختصاصيين اجتماعيين لتقديم المشورة الطبية لمساعدة الجنود على تخطي الضغوط النفسية المنبثقة من الظروف المحيطة.

ودائمًا ما يفضل الجيش الأمريكي علاج الجنود من حالات الاكتئاب أثناء انتظامهم في الخدمة، مما يعني أن الأرقام أعلى بكثير من تلك المعلنة.

كما بدأ الجيش الأمريكي مؤخرًا في تقديم مشورات طبية مكثفة للجنود العائدين من الخدمة في أفغانستان خاصة مع ارتفاع ظاهرة قيام العديد منهم بقتل زوجاتهم والانتحار.

الدبلوماسيون الأمريكان

ولم تعد الاضطرابات النفسية حكرًا على الجنود الأمريكيين العائدين من العراق، بل بات الدبلوماسيون الأمريكيون الذين خدموا في العراق يعانون الأعراض ذاتها، حسبما كشف متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية.

وحسب وكالة الصحافة الفرنسية يسعى الجهاز الطبي في وزارة الخارجية لتقويم هذه الظاهرة، حيث أفاد المتحدث باسم الوزارة توم كايسي في هذا الإطار بأنه تقرر إرسال مجموعة أسئلة اعتبارًا من شهر يونيو ٢٠٠٧م إلى نحو ١٤٠٠ مسؤول عملوا في العراق منذ اجتياحه عام ٢٠٠٣م، تتناول وضعهم النفسي، وسيتم بعدها تشكيل خلايا دعم لمساعدة عاملين قدامى في العراق ودول أخرى خطرة حيث يرغم الدبلوماسيون على الذهاب للعمل فيها بمفردهم بدون عائلاتهم لتجنيبها الأخطار.

من جانب آخر وفي الإطار نفسه أوضحت برندا جرينبرج، من مكتب الموارد البشرية في وزارة الخارجية، أن الدبلوماسيين الأمريكيين عملوا على الدوام في مناطق يسودها الخطر وانعدام الاستقرار، إلا أن عدد المناصب في مثل هذه المناطق ازداد بمعدل يفوق ثلاثة أضعاف منذ ٢٠٠١م ليصل إلى حوالي ٧٥٠ منصبًا بينها ۲۰۰ في العراق، وسبق أن عمدت وزارة الخارجية إلى زيادة الرواتب والعلاوات المخصصة لهذه المناطق لتشجيع المسؤولين في الخارجية على الترشح لها على ضوء تزايد عدد هذه المناصب في العراق.

 وإن كان من النادر أن يخرج الدبلوماسيون العاملون في العاصمة العراقية من المنطقة الخضراء، إلا أن ظروف الحياة بالغة الصعوبة داخل هذه البقعة الخاضعة لحراسة مشددة إذ تتعرض لهجمات عديدة بالصواريخ وقذائف الهاون وينام معظم العاملين فيها في مقطورات صغيرة.

 وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، فإن قيادة الجيش الأمريكي أدركت أن الضغوط الهائلة التي يتعرض لها الجنود الأمريكان في العراق وأفغانستان أصبحت تشكل خطرًا حقيقيًا على صحتهم النفسية والعقلية، فلم تجد بدًا من اللجوء إلى المئات من رجال الدين لدعم الحالة النفسية لهؤلاء الجنود.

وتوسع الجيش الأمريكي في ضم علماء دين في الفترة الأخيرة، ويقدر عددهم بنحو ١٤٠٠ رجل دين مع تزايد دورهم حيث يعملون على حماية الحالة النفسية والعقلية للجنود من الانهيار نتيجة ضغط المعارك والمواجهات الدامية سواء في العراق أو أفغانستان، وتسعى القيادة العليا للقوات الأمريكية إلى تعيين ٦٠٠ رجل دين إضافي خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويتم التعامل مع رجال الدين كالجنود تمامًا، حيث يتم توزيعهم على التشكيلات العسكرية ويتم إرسالهم مع هذه التشكيلات إلى أي مكان، وفي أرض المعركة يتولى رجال الدين عقد جلسات نصح وإرشاد للجنود بعد عودتهم من تنفيذ الدوريات.

ونظرًا لاتجاه قيادة الجيش الأمريكي إلى إعادة إرسال العديد من الجنود إلى مناطق القتال مرة أخرى بعد عودتهم إلى قواعدهم في الولايات المتحدة فإن آثار المشاركة في العمليات العسكرية على الحالة النفسية للجنود أصبحت تشكل هاجسًا قويًا لدى قيادة الجيش، فوفقًا لبيانات إدارة المحاربين القدماء الأمريكية فإن حوالي ٩٢٪ من الجنود الأمريكيين في العراق تعرضوا لإطلاق نيران أسلحة صغيرة مرة واحدة على الأقل، كما أن الكثير منهم وجدوا أنفسهم في مواقف -طبقًا لما ذكره العديد من الجنود- لا أحد يتمنى أن يراها أو يفعلها.

وقد خصصت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش سبعة ملايين دولار لتمويل برنامج ديني جديد بالجيش الأمريكي، وهو مبلغ ضخم من وجهة نظر أحد رجال الدين في الجيش الأمريكية ويدعى «ران دولينجير» الذي يشير إلى أن إجمالي موازنة الشؤون الدينية في الجيش الأمريكي تصل إلى ١٤ مليون دولار سنويًا.

ووفقًا لبيانات الجيش الأمريكي فإن الطلب على رجال الدين المسيحيين التابعين للكنيسة الإنجيلية المحافظة زاد فارتفع عددهم في الجيش في حين تراجع عدد رجال الدين التابعين لكنيسة الروم الكاثوليك إلى أقل من ۱۰۰ قس، والحقيقة أن أغلب رجال الدين في الجيش الأمريكي من المسيحيين في حين يوجد ٣٠ رجل دين يهودي؟! و ١٥ مسلمًا.

أي يوم أقضيه هنا قد يكون يوم مماتي

وكانت مجلة نيوزويك الأمريكية قد أوردت بعض المقتطفات من رسائل الجنود الأمريكان العاملين في العراق، ضمن عددها الخاص الصادر في ٢٠٠٧/٤/٣م. بمناسبة الذكرى الرابعة للاحتلال الأمريكي للعراق، وضعت على غلافها عبارة لجندي أمريكي تقول أي يوم أقضيه هنا قد يكون يوم مماتي..

يقول أحد الجنود الأمريكيين في رسالة بعثها لأسرته قبل مقتله. تم تدمير دبابة إم ون إبرامز الليلة الماضية، أسباب ذلك غير واضحة، لكن من الواضح أن جنديين أمريكيين قتلا، وتم تدمير دبابة يروج لها على أنها لا تدمر.

ويقر جندي آخر بتعبه من وتيرة القتال في رسالة بعث بها إلى ابنته: نحن مرهقون يا إيدي مرهقون جدًا التعب يتغلغل إلى عظامي، أحيانًا عندما نعود إلى مقرنا.. بالكاد أستطيع جر نفسي من الشاحنة وأشق طريقي بصعوبة صعودًا إلى هنا لأنزع كل العتاد الذي عليَّ أن أحمله... كشف آخر لزوجته عن كراهيته للعسكرية، وهلعه الشديد من المعارك وجزعه من الموت، قائلًا: لا أريد ميداليات، ولا أريد أن أكون بطلًا لا أود سوى العودة إلى دياري لأكون زوجًا وأبًا من جديد ..

واعترف أحدهم لأخيه بضراوة المقاومة، قائلًا : الجو حار جدًا يا أخي أنا في الرمادي بمحافظة الأنبار، إنها أشبه بحفرة في الجحيم....

يشكو جندي آخر من انهيار حالته النفسية بسبب مشاهد القتل التي تعرض لها زملاؤه قائلًا: «إنني سأحتاج إلى الكثير من الدعم منكم حين أعود إلى الوطن»، ثم يقول: «رأيت الرجال الذين أصابتهم قذائف الآر بي جي» لقد مزقتهم إربًا إربًا، كان علينا أن ننبش الحجارة والأوحال للعثور على الأيدي والسيقان وغيرها من الأجزاء البشرية لكي نعيدها إلى أرض الوطن، وفي جانب آخر من رسالته يقول: لا أستطيع أن أنام إن رؤية أناس أصيبوا بحروق من الدرجة الثالثة أناس كانوا محترقين لدرجة أن جلدهم يتمزق حين تلمسه والصراخ بأعلى أصواتهم، كل هذا فعلًا يترك لديك شعورًا فظيعًا من الألم والقلق...

ويطلب جندي آخر من أهله الدعاء له بالتخلص من القلق الذي يصاحبه قائلًا: أرجو أن تصلوا لي لكي أتوقف عن القلق من العبوات الناسفة العشوائية وأمثالها…

الرابط المختصر :