; مع اقتراب الإنتخابات.. المغرب: حملة واسعة على الإسلاميين | مجلة المجتمع

العنوان مع اقتراب الإنتخابات.. المغرب: حملة واسعة على الإسلاميين

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 31-أغسطس-2002

مشاهدات 61

نشر في العدد 1516

نشر في الصفحة 34

السبت 31-أغسطس-2002

عريضة ضد «العنصرية»... سياسيون علمانيون ويساريون يوقعونها.. تتهم الإسلاميين بالتحريض ضد اليهود المغاربة والسعي لإشعال فتنة

  • تنظيمات إسلامية لم يسمع عنها المجتمع المغربي مثل «التكفير والهجرة» بدأوا يروجون لظهورها في البلاد لإلقاء الرعب في قلوب الناس من الإسلاميين

  • التيار اليساري العلماني يواجه الفشل في الإنتخابات المقبلة بعد فشل حكومته.. إنها قضية حياة أو موت لهم

  • كلما تحرك الإسلاميون والتف الناس حولهم قوبلوا بحملة أمنية وإعلامية تلقي عليهم بكل التهم!

حفلت الأسابيع الأخيرة في المغرب بتطورات عديدة على الصعيد الأمني كان لها انعكاسها السلبي على الإسلاميين، المتضرر الأول من هذه الأحداث، وقد وظفتها جهات حزبية وإعلامية يسارية وعلمانية للنيل من الحركة الإسلامية عبر شن حملة إنتقادات عليها، وما أعطى هذه التطورات طابعًا أكثر حدة وتوترًا تزامنها مع التحضير لموسم الإنتخابات التي ستجرى في السابع والعشرين من شهر سبتمبر المقبل، وهي الإنتخابات الأولى من نوعها في عهد الملك محمد السادس الذي تولى الحكم في يوليو من عام 1999م، كما أنها الأولى في ظل حكومة تقودها أحزاب من اليسار.

 التطورات الأمنية المذكورة تمثلت في إعتقال ثلاثة من العرب وأقاربهم من المغاربة في مايو الماضي بتهمة الإنتماء لتنظيم القاعدة والإعداد لتفجيرات في منطقة جبل طارق، وما تلا ذلك من إعتقالات في صفوف الإسلاميين بينهم خطباء مساجد، وصلت إلى حد إختطاف البعض ممن لا يزال مصيره مجهولًا.

 وبالتزامن مع هذه الإعتقالات والتحركات الأمنية، هناك حملة إعلامية على الإسلاميين تصفهم بالتطرف والتشدد والإجرام، وإرتفع شعار «الخطر الإسلامي» الذي ظل المغرب بعيدًا عنه فترة طويلة، رغم قربه من الجزائر التي تشهد مواجهات دموية منذ أكثر من عشر سنوات.

يهود في حملة ضد الإسلاميين

 الحملة ضد الإسلاميين أنطلقت منذ شهر مايو الماضي بتوقيع عدد من السياسيين والمثقفين- بينهم شخصية يهودية مغربية- على عريضة ضد العنصرية، إتهموا فيها الإسلاميين وبعض الصحف التي يصدرونها بالتحريض ضد اليهود والدعوة إلى قتلهم، وقد جاءت هذه العريضة بعد أسابيع من نشر أحد العلماء، وهو الشيخ عبد الباري الزمزمي، لمقال عن طبائع اليهود في القرآن الكريم، والجرائم التي إقترفوها ضد الرسل والأنبياء، وقد جاء نشر المقال في أوج الإنتفاضة الفلسطينية وعلى إثر مذبحة جنين الإجرامية، وبعد نشر المقال شرعت صحف علمانية في الهجوم على صاحب المقال متهمة إياه بالعنصرية ومعاداة اليهود والدعوة إلى الفتنة، كما تحاملت على الصحيفة المنشور بها المقال، وعندما أكتملت هذه المهمة الإعلامية المكثفة التي قادتها صحف حزبية ومستقلة، منها صحيفة حزب رئيس الوزراء عبد الرحمن اليوسفي «حزب الاتحاد الاشتراكي»، بادر أصحاب العريضة إلى نشر عريضتهم في الصحافة، مستغلين الأجواء المحتقنة ضد الإسلاميين، وتقدم فريق حزب التقدم والإشتراكية في البرلمان بمشروع قانون بتجريم العنصرية وملاحقة المسؤولين عنها.

 ولم تكد زوبعة العريضة المذكورة تهدأ، حتى تم الإعلان عن إعتقال الخلية النائمة لتنظيم القاعدة في المغرب، لتتحول الحملة المعادية للإسلاميين إلى هستيريا جماعية لدى كل أحزاب اليسار وصحفها، والصحف العلمانية والفرانكوفونية المستقلة، وأستغل البعض هذه الظروف الجديدة لتوقيع عريضة ثانية ضد العنصرية تحت عنوان «لا للعنصرية»، أستنكرت الإنتقادات التي تعرض لها المستشار الملكي أندري أزولاي اليهودي الديانة، بسبب تنظيمه لمهرجان غنائي راقص في مدينة الصويرة الساحلية إبان الإنتفاضة والجرائم الصهيونية ضد الفلسطينيين، ودعا الموقعون إلى محاربة التطرف الأصولي قبل فوات الأوان، كما طالبوا بوضع قانون لزجر ما أعتبروه دعوات ضد اليهود المغاربة، والتي لم تكن صحيحة بأي حال.

توقیت مدروس

في الأسبوعين الأخيرين أرتفعت شراسة الحملة المعادية للإسلاميين بشكل أكبر، مستثمرة حدث إعتقال أفراد أقترفوا جرائم قتل وسرقة وإختطاف، قيل في البداية إنهم ينتمون إلى جماعة تدعى «التكفير والهجرة» التي لم يسمع عنها في المغرب من قبل، قبل أن يعلن بلاغ لوزارة الداخلية أنهم أعضاء في السلفية الجهادية، ورغم الغموض الذي يكتنف هذه الإعتقالات والمعتقلين، ورغم أن القضاء المغربي لم يقل كلمته بعد في هؤلاء، فإن التيار المعادي للحركة الإسلامية سارع منذ البداية، وقبل أسبوع من صدور بلاغ الداخلية، إلى اتهام الإسلاميين بتشجيع تلك الجرائم والسكوت عليها.

 ولم يفت المراقبين والمهتمين، من داخل الحركة الإسلامية وخارجها، أن يربطوا بين اقتراب موعد الإنتخابات وحملة الإعتقالات الأخيرة، فبلاغ وزارة الداخلية يقول إن المعتقلين قاموا بعدة جرائم منذ 1998م، مما يطرح عدة تساؤلات حول توقيت الإعتقالات الحالية وأهدافها، وحول يقظة المصالح الأمنية التي لم تتحرك إلا بعد أربع سنوات من وقوع الجرائم المذكورة.

البعض لا يستبعد أن يكون لجهاز المخابرات الداخلية يد في هذه الأحداث، من أجل تشويه صورة الإسلاميين قبل الإنتخابات، وتخويف المواطنين من فوز إنتخابي واسع يحققونه، وأن يكون هناك تنسيق مشترك بين هذا الجهاز وبين بعض الأحزاب السياسية لقطع الطريق على فوز الإسلاميين، خصوصًا وأن أجهزة الأمن السري هذه أصبح لها دور أكبر بعد إعتقال خلية القاعدة في ترجمة للسياسة الأمنية الأمريكية في الداخل، ولإثبات قدرتها على ضبط الأوضاع، بعد أن صارت أجهزة المخابرات في الدول المتعاونة مع واشنطن ضد ما تسميه بالإرهاب الدولي هي الأجهزة المهيمنة في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001م.

هلع انتخابي

إذا رجعنا إلى الوراء، فسنجد أن الضجة المفتعلة حول الخطر الإسلامي في المغرب ليست بنت اليوم، ففي عام 1997م عندما شارك حزب العدالة والتنمية، تحت أسم الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، في الإنتخابات التشريعية، قامت قيامة اليسار والعلمانيين الذين دقوا ناقوس الإنذار من الخطر الأصولي، ووضعوا سيناريوهات كارثية حول إحتمال تكرار النموذج الجزائري بالمغرب، ولكن عندما إنخرط فريق الحزب في البرلمان في الأغلبية الحكومية ولم ينحز إلى المعارضة كما كان يتوقع له، هدأت تلك الضجة، إلى أن خرج نواب الحزب من مساندة الحكومة إلى المعارضة عامًا بعد ذلك.

وشهد عام 2000م حملة قوية ضد الحركة الإسلامية بسبب تلاعب اليسار والعلمانيين ومتاجرتهم بقضية المرأة فيما سمي بخطة إدماج المرأة في التنمية، الأمر الذي كان للإسلاميين فيه رأي مخالف، وهو ما كان يؤدي إلى اشتباك بين الطرفين، وعندما بعث الشيخ عبد السلام ياسين في مارس 2000م برسالة انتقادية إلى الملك محمد السادس، قامت حملة أخرى رابعة ضد الإسلاميين عمومًا وجماعة العدل والإحسان خصوصًا، لأن هذه الأخيرة في تقدير هؤلاء تجاوزت الخطوط الحمر، كما أستخفت بالحكومة المنبثقة من اليسار، وأعتبرت أن التغيير يأتي من الأعلى، ولذلك خاطبت الملك مباشرة.

المحصلة الأهم في الحملة الحالية، أن حكومة ما يصطلح عليه بالتناوب التوافقي، فشلت في تقديم البديل المنتظر في تسيير الشأن العام، وقدمت حصيلة سيئة خلال خمس سنوات، وتنظر الأحزاب اليسارية المشاركة فيها إليها على أنها آخر تجربة للحكم، ولن تتكرر في الانتخابات القادمة، لأن الناخبين سيعاقبون الأحزاب المشاركة، ولأن أحزاب المعارضة الحالية التي يصطلح على تسميتها بأحزاب اليمين لم تتمكن خلال هذه الأعوام من لعب دور المعارضة الحقيقي، لذا فإن رهان الناخبين يبقى موضوعًا على الإسلاميين بحسب التقديرات الحالية، وفي غياب «العدل والإحسان»، التي اختارت المقاطعة، وحركة «البديل الحضاري» و«الحركة من أجل الأمة» اللتين أختارنا نفس القرار، يظل حزب العدالة والتنمية هو اللاعب الإسلامي الوحيد في هذه الإنتخابات، والمرشح لنيل حصة معتبرة من مقاعد البرلمان.

وما يعكس الهلع الإنتخابي الذي يقف خلف الحملة الراهنة ضد الإسلاميين، أن وجوهًا عدة من أحزاب اليسار الإشتراكي، منهم وزراء حاليون، قرروا عدم ترشيح أنفسهم في دوائرهم التي إعتادوا الفوز فيها منذ ثلاثة عقود أو أكثر، والسبب أن حزب العدالة والتنمية قرر تقديم مرشحين له في هذه الدوائر، مما يعني أنهم يشكون في إحتمال فوزهم، خصوصًا بعد التأكيدات الرسمية حول ضمان نزاهة الإنتخابات والتصريحات الصادرة عن الملك بإجراء هذه الإنتخابات في ظل الثقة والمصداقية، وهذا التراجع عن الترشح لدى البعض عائد إلى غياب تغطية وزارة الداخلية التي كانت تتلاعب في الإنتخابات في عهد إدريس البصري لصالح البعض منهم.

وبالنظر إلى سخونة الصراع وقوة الرهانات الملقاة على الإنتخابات المقبلة، فإن حمى التراشقات بين الإسلاميين من جانب واليسار والتيار العلماني من جانب آخر، مرشحة للتصعيد خلال الأسابيع القليلة القادمة، الأمر الذي يشجع على الإعتقاد بأن الإنتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها يوم 27 سبتمبر المقبل ستكون منازلة إنتخابية بكل معاني الكلمة، خصوصًا بالنسبة للتيار العلماني الذي تمثل التجربة القادمة قضية حياة أو موت بالنسبة لموقعه في الحراك السياسي.

الرابط المختصر :