العنوان المجتمع التربوي (1994)
الكاتب د. محمد جميل المصطفى
تاريخ النشر الجمعة 23-مارس-2012
مشاهدات 83
نشر في العدد 1994
نشر في الصفحة 54
الجمعة 23-مارس-2012
تجديد الدين.. بين الأمل والواقع (1)
خلق الله تعالى الناس حنفاء مفطورين على الدين الصحيح، قال الله تعالى في الحديث القدسي: خلقت عبادي حنفاء كلهم (۱)؛ أي مستقيمين على الحق والتوحيد مائلين عن الباطل إلى الحق واستمروا على ذلك عدة قرون، ثم وقع بينهم الاختلاف؛ فابتعدوا عن منهج الله؛ بسبب نسيان تعاليمه أو بسبب الهوى والشهوات ونزغات الشياطين، قال الله تعالى: ﴿وما كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَةً واحدة فاختلفوا﴾ (يونس: ١٩).
وشاءت حكمة الله تعالى أن يبعث بين الحين والآخر رسلا مُبَشِّرِين ومُنْذِرِين يحملون مشاعل الهداية: لينقذوا الناس من الظلمات إلى النور وليعيدوهم إلى حظيرة الإيمان وكلما تقادم عهد الناس بتعاليم الله أو اندثرت تلك التعاليم بعث الله تعالى نبيًا يجدد صلة الناس بالله، ويعيدهم إلى الدين الصحيح، ويزيد في بناء الدين، وينسخ بأمر الله ما شاء الله أن ينسخ - حتى اكتمل بناء الدين ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال: مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له. ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؛ قال صلى الله عليه وسلم فانا اللبنة وأنا خاتم النبيين(2)، وفي آخر حياة محمد صلى الله عليه وسلم اكتملت تعاليم الإسلام فقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ﴾(المائدة:٣)، فلا زيادة في الدين بَعْدُ ولا نقصان.
ولما اكتمل الدين في آخر حياة محمد صلى الله عليه وسلم تعهد الله تعالى بحفظه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(الحجر: 9): عندئذ لم تعد الحاجة ماسة لبعثة أنبياء يزيدون في التعاليم الربانية، أو ينسخون منها ولم يبق إلا التذكير بها، وإحياؤها. والعمل بها والاستنباط منها، وهذا أمر يمكن أن ينهض به العلماء والدعاة.
عندئذ أقام الله تعالى العلماء مقام الأنبياء: في تعليم الدين وبيانه ونشره والدود عنه قال : العلماء ورثة الأنبياء(3) يرثونهم في حمل تعاليم الدين، ويرثونهم في بيان أحكامه، ويرثونهم في سلوكهم ليكونوا نماذج وقدوات صالحة، تجدد سيرة الأنبياء. ولما كانت تعاليم الدين قد يَعْدُو عليها النسيان، أو يَضْعُف التفاعل معها والانفعال بها؛ فتحتاج إلى من يُذكر بها، ويمسح عنها ما عراها حتى يعيد إليها نضارتها وجمالها وتحتاج إلى من يبعث فيها الحياة لتعود إلى حيويتها، أو تحتاج إلى من يصل قوة الدين الكامنة بروح الإنسان وسلوكياته حتى ينفعل بها، ويتفاعل معها؛ لذلك أصبحت مهمة العلماء عظيمة في الحفاظ على تعاليم الدين وإحيائها.
ولقد كانت قوة الدين وظهوره تتراوح بين مد وجزر حسب شدة الهجمة، وقوة المدافعين ويقظتهم، ولما كان الإسلام هو الصخرة التي تحطمت عليها مبادئ الجاهلية عبر ا العصور. ومازال فتيا يملك الكثير من الحلول، لذا تألب الأعداء عليه من كل حدب وصوب، فبدؤوا يعملون للإجهاز على الإسلام وأهله مُسْتَغلين ضعف المسلمين، وتفرقهم.
لذلك أصبح واجبًا: أن يتنادى الغيورون من العلماء والدعاة إلى تجديد الدين وإحيائه وتفعيله في حياة الناس، وإلى تفقد حصون الدين، وإذكاء جوانب القوة فيه حتى يؤدي دوره في الحفاظ على نفسه وأهله، كما أدى دوره مرات ومرات في حياة الصحابة وفي عصور كثيرة بعدهم.
المراد بتجديد الدين
أصبح واجبا أن يتنادى الغيورون من العلماء والدعاة إلى تجديد الدين وإحيائه وتفعيله في حياة الناس وتفقد حصونه وإذكاء جوانب القوة فيه.. حتى يؤدي دوره في الحفاظ على نفسه وأهله
التجديد لغة تصيير الشيء جديدًا، يقال: تجدد الشيء صار جديدًا(4)، وجَدَّدَ فلان الشيء صيره جديد، وجدد فلان الأمر وأجده واستجده إذا أَحْدَثه فَتَجَدَّد هو (5).
فالتجديد : هو تصيير الشيء جديدًا، إما بتغييره عما آل إليه، وإما بإيجاد شيء فيه لم يكن من قبل.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي التجديد لشيء ما، هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأته، بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد، وذلك بتقوية ما وهى منه، وترميم ما بلي، ورتق ما انفتق حتى يعود أقرب ما يكون إلى صورته الأولى ثم يقول: فالتجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم، أو الاستعاضة عنه بشيء آخر مُسْتَحْدَتْ مُبْتَكَر فهذا ليس من التجديد في شيء ثم يقول: ولا يعني التجديد إظهار طبعة جديدة منه. بل يعني: العودة به إلى حيث كان في عهد الرسول.
التجديد اصطلاحًا
تجديد الدين هو إحياء ما اندرس من تعاليمه، وبعث الروح فيها، وتخليصه من البدع والخرافات، وفهمه بشكل يعالج واقع الناس ومشكلاتهم.
ف الدين هو الشريعة الموحى بها إلى محمد صلى الله عليه وسلم والتي أمر الله بطاعتها، سواء
كانت قرآنا أو سنة.
والإحياء يعني: بث الروح التي تعطي الحركة والنضارة والبقاء في الأشياء المادية. والانفعال والتطبيق الذي يُظهر كمال وجمال التعليمات الربانية.
وما اندرس من تعاليمه، تشمل التذكير بما نسي منه، أو غفل عنه عند أهله، ونشره بين غير أهله.
وتخليصه من البدع والخرافات: بالعودة إلى الأصل، وترك المحدثات التي ليس لها أصل في الدين ونبذ الخرافات الصفت به وفهمه بشكل يعالج واقع الناس ومشكلاتهم أي إعادة النظر في بعض الاجتهادات التي لم تعد مناسبة لعصرنا، والاجتهاد مجددا لفهم الدين بما يتناسب مع الواقع والمستجدات وهذه العبارة أكمل من قولنا: تنزيله على واقع الحياة؛ لأن التنزيل قد يقصد به بيان حكم الشيء فقط دون إيجاد حلول لمشكلات المجتمع، ودون تفاعل معه، أو قيادة له، كما هي حال الكنيسة تبين بعض أحكام الواقع، ولكنها لا تتدخل في إيجاد الحلول والبدائل، ولا تتدخل في قيادة المجتمع ولا تتفاعل معه، والإسلام لا يُقر هذه السلبية.
الهوامش
(۱) صحیح مسلم ص ٧٢٤، رقم ٢٨٦٥ ومسند أحمد ١٦٢/٤.
(۲) متفق عليه صحيح البخاري، ط. مكتبة الرشد ص ٤٨١ رقم ٣٥٣٥، وصحيح مسلم ط مكتبة الرشد، ص ٥٩٢ رقم ٠٢٢٨٦
(۳) سنن الترمذي، ج ٤٧/٥، رقم ٢٦٨٢، وستن أبي داود، ج ٣١٧/٣، رقم ٣٦٤١
(٤) مختار الصحاح ٩٥، وترتيب القاموس المحيط ٤٥٥/١.
(٥) المصباح المنير ١٢٦/١
(٦) من أجل صحوة تجدد الدين وتنهض بالدنيا للقرضاوي ص ۲۸
التعاون والوحدة الإسلامية
التعاون يعد ضرورة من أهم ضروريات الحياة إذ لا يمكن للفرد أن يقوم بكل أعباء هذه الحياة منفردا، وقد جعل الله التعاون فطرة في جميع مخلوقاته، حتى في أصغرهم حجمًا كالنحل والنمل، فنرى هذه المخلوقات تتحد وتتعاون في جمع طعامها، وتتحد كذلك في صد أعدائها والإنسان أولى بالتعاون لما ميزه الله به من عقل وفكر.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ( رواه مسلم).
وقال : يد الله مع الجماعة (رواه الترمذي).
وقال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا (متفق عليه)، ولنا في قصة ذي القرنين عبرة وموعظة حسنة إذ أعطاه الله سبحانه ملكا عظيما وكان يحكم بالعدل، ويطبق أوامر الله.
وفي زمانه كان يعيش قوم مفسدون هم يأجوج ومأجوج، يهاجمون جيرانهم، فينهبون أموالهم، ويظلمونهم ظلما شدیدا فاستغاث هؤلاء الضعفاء المظلومون بذي القرنين وطلبوا منه أن يعينهم على إقامة سد عظيم، يحول بينهم وبين يأجوج ومأجوج قَالُوا يَا ذَا : ﴿إِن يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فهل تجعل لك خرجا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾(الكهف: 64).
فطلب منهم ذو القرنين أن يتحدوا جميعا لأن بناء السد يحتاج إلى مجهود عظيم من التنقيب في الصحراء والجبال بحثا عن حديد لإقامة السد المطلوب، قال تعالى: ﴿ قَالَ مَا مَكني فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بقوة أجعل بينكم وبينهم رَدْمًا﴾ (الكهف: 95).
وبالفعل، تعاون الناس جميعا حتى جمعوا كميات كبيرة من الحديد بلغ ارتفاعها طول الجبال، وصهروا هذا الحديد، وجعلوه سدا عظيما يحميهم من هؤلاء المفسدين، ولولا التعاون والوحدة ما تحقق ذلك، فالوحدة قوة ومنعة ودفع للخطر وتحقيق للآمال.
عصمت عمر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل