; في «الإصلاح».. الهمة والمسؤولية الفردية | مجلة المجتمع

العنوان في «الإصلاح».. الهمة والمسؤولية الفردية

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2011

مشاهدات 64

نشر في العدد 1971

نشر في الصفحة 44

السبت 01-أكتوبر-2011

  • المهمات الكبرى تحتاج إلى الهمم العالية والنفوس الكبيرة
  • حسن البنا : تكوين الأمم يحتاج إلى إرادة قوية ووفاء ثابت وتضحية عزيزة ومعرفة بالمبدأ البرهان 
  • على صدق سنوات الالتزام بدء الإنتاج وإفادة المجتمع

الحمد لله رب العالمين القائل﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)﴾ (الأحزاب: 23)، والصلاة والسلام على سيد المرسلين الذي قال: «فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس».. وفي لفظ، هم أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير وعلى آله وصحبه الذين جعلوا الإصلاح منهجهم فقالوا الهمة هي الباعث على العمل أو استصغار ما دون النهايات من معالي الأمور.

والله تعالى يقول: ﴿ سَابِقُوا إلى مغفرة من رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْض السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (الحديد: 21).

وقيل:

ولم أر في عيوب الناس شيئًا *** كنقص القادرين على التمام 

المهمات الكبرى تحتاج للهمم العالية والنفوس الكبيرة، وقال الشاعر صاحب الهمة:

أعظم المسلمين في المسلمين *** عبد تلفت نفسه ليحيا دينه

 قال أحدهم: عندي حويجة، فقال له جليسه ابحث لها عن رجيل. 

يقول الإمام الشهيد حسن البنا يرحمه الله: إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:

  1. إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف. 
  2. ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر.
  3. وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل. 
  4. ومعرفة بالمبدأ والإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره.

على هذه الأركان الأولية وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ، وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنا طويلا، وكل شعب فقد هذه الصفات الأربع، أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام.

ويقول أيضًا يرحمه الله: إنما تنجح الفكرة إذا قوي الايمان بها، وتوافر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها .

وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة الإيمان والإخلاص، والحماسة، والعمل من خصائص الشباب؛ لأن أساس الإيمان القلب الذكي وأساس الإخلاص الفؤاد النقي، وأساس الحماسة الشعور القوي، وأساس العمل العزم الفتي.

خاطب يرحمه الله فريقًا من شباب الجامعة من الإخوان بكلام صريح، كأنه لنا اليوم في ظل مشروع الإصلاح قائلاً: «هل أنتم على استعداد أن تجاهدوا ليستريح الناس؟ وأن تزرعوا ليحصد الناس؟ وأن تموتوا لتحيا أمتكم؟».

وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- و يقول - وقد رد على قريبه جواره -: «الناس يضربون وأنا لا يضربني أحد، فما زلت أضرب وأضرب حتى أظهر الله الإسلام».

عوامل الإصلاح

لتحقيق الإصلاح لابد من:

  1. الإيمان بالهدف إيمانًا لا يتزعزع بالإصلاح الشامل
  2.  التيقن من فرضية العمل وضرورته والتضحية من أجله.
  3. التيقن من حتمية تحقق الهدف النبيل وحصوله، وسعة الأمل وحسن التوكل مهما كانت العقبات فهي إلى زوال.
  4. الوفاء للعاملين واحترامهم وتقديرهم وحفظ جميلهم والابتعاد عن المن والأذى حتى لو رأيت الناس قاعدين.

إن الرصيد الحقيقي والبرهان القاطع على صدقية سنوات الالتزام والعمل التي قضيتها وحصيلة الثقافة والتربية التي تراها في نفسك: هي التوفيق في الشروع في الإنتاج وإفادة المحيط قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ  (24)﴾( التوبة: الآية 24).

فادعاء حب الله تعالى ورسوله ﷺ ممكن لمن شاء، لكن الحقيقة تحتاج الجهاد في سبيله لتثبت الادعاء أو تنفيه.

رصيد حقيقي

إن عد السنوات في الدعوة والسبق فيها، وإشغال المواقع القيادية، وكتابة المؤلفات و والخطب والندوات بحاجة لرصيد حقيقي الـ هو العمل الجاد لتكون نافعة ومقبولة.

ولابد من استشعار معية الله ونصره وتأييده، ولما خاف أصحاب موسى وقالوا : 

«إنا المدركون»، قال الله على لسان موسى عليه 1 السلام: ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62﴾(الشعراء: 62)، وقد قرر الله في كتابه العزيز: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)﴾(المجادلة: 21 ).

همم عالية

ولا يغيبن عنا ونحن في مشروعنا الإصلاحي حال أصحاب الهمم العالية - ولابد أن تجالسهم أو نحرص على العيش مع سيرهم الطاهرة، فحامل المسك إما أن يحذيك أو أن تشتم منه رائحة طيبة.

وقد قال رسول الله ﷺ: «إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر»...

هؤلاء الذين وصفوا من أعدائهم بالقول: لو أرادوا أن يزيلوا هذه الجبال عن مكانها لفعلوا.

وهمة أبي بكر -رضي الله عنه- في محاربة المرتدين . وإنفاذ بعث أسامة بن زيد -رضي الله عنه- ، والعرب في معظمها قد ارتدت عن الإسلام باستثناء مكة والمدينة القائل: «أينقص الدين وأنا حي»...

وهمة سلمان الفارسي -رضي الله عنه-  عرض الباحث عن الحقيقة في الأرض.. وهمة خالد بن الوليد -رضي الله عنه-  مرية وسفره الأسطوري من العراق لليرموك في الأردن مجاهدًا الروم في المعركة الفاصلة.

وهمة صلاح الدين والأمة مفرقة، وملوك الفرنجة يفزون الشرق بحملات متتالية عديدة، وتصميمه على توحيد الأمة وتحرير – القدس.

وهمة أسماء بنت أبي بكر وام عمارة والخنساء وغير عن رضي الله عنهن جميعًا ... 

وهمة المرأة الهاشمية التي جهزت ابنها الوحيد للجهاد في أرض الروم وفرحت باستشهاده.

وهمة جمال الدين الأفغاني، ومحمد بن عبد الوهاب، وحسن البنا الذي نهض في زمن التراجع والاستسلام، لكنه كان يرى النصر رأي العين فأحيا الله به أمة وجدد لها أمر دينها .

وهمة أحمد ياسين - يرحمه الله – الذي لا تكاد ترى حوله من عناصر القوة أو نقاطها ما يذكر، والذي كان يقول: إنما الراحة في التعب، وكأنما يردد مع الشاعر الهمام قوله:

بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها *** تنال إلا على جسر من التعب

وهمة نساء فلسطين المجاهدات وما أكثرهن.. وهمة الشعب التونسي والشعب المصري، والليبي، واليمني والسوري وحراس الأقصى ليل نهار، وهمم المحاصرين في غزة منذ سنين.

حرارة الخطاب

هكذا يجب أن يكون الشعار وحرارة الخطاب ومستواه كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: «وَاللهِ يَا عَمْ، لَوْ وَضَعُوا في يميني الشمس أن أترك . والقمر في شمالي . هَذَا الْأَمْرَ مَا على تَرَكْتُهُ، حَتَّى يُظْهِرَهُ الله، أو أهلك فيه». 

أو كمن قال: لو كان حقي في فم الأسد لانتزعته.. ولو كان في الثريا لبحثت لها عن الأسباب.. ولو كان في أعماق المحيطات لتعلمت الغوص بين الحيتان

واجب شرعي

من هنا، فإن التحول عن البيئات المثبطة والمجالس المقعدة واجب شرعي، فالماء يفسد بقربه من الجيف، فكيف بأنفاس القاعدين الكسالى الواهنين على جلسائهم؟

من يرد بيتًا في الجنة، ومن يرد قصرًا لا قبرًا بعد الموت؛ فليعمل ولا يلتفت كثيرًا إلى ما يفوته من الدنيا.

إذا كان الحديث الشريف يقول: «الناس كابل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» بمعنى أن نسبة الرواحل أقل من 1%، وإذا نظرنا إلى نسبتنا في مجتمعاتنا كم سيكون الواجب علينا ؟ وما مقتضيات الرواحل؟ وهل هي في غيرنا كثيرة أو ميسورة؟ نعم كانت في ثلة من الأولين وهي اليوم في قليل من الآخرين.

وقد كانوا إذا عدوا قليلاً، فقد صاروا أعز من القليل.

أسئلة للنفس

لقد أكثرنا الكلام فترة طويلة من الزمن فإلى العمل ولنوجه لأنفسنا أسئلة محددة قال تعالى: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ (القيامة: 14-15).

  1. ما حكم الإصلاح الشامل في ديننا والعمل له بحقي الآن؟ 
  2. هل حالي لو حشرت عليها اليوم سترضي الله تعالى عني؟ 
  3.  هل عملي مناسب أم هو ضئيل سأخجل منه يوم الحساب؟
  4.  هل لدي طاقة وإمكانات لم أستخدمها بعد في الإصلاح ويمكن أن أستخدمها ؟ وكيف؟ 
  5. هل سأخرج بنفسي وولدي ومالي في سبيل الله؟ ومتى؟
  6. هل أوفيت ببيعتي لله ولرسوله وللمسلمين؟ والله يقول: ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهُ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 10). 
  7. هل لو قيض لي أن أكون الحكم العادل والقاضي النزيه على نفسي هل ستنجو ؟ وفي الحديث الشريف: «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة».
  8. ماذا سأفعل بعد اليوم؟ وهل سأبحث عمن يساعدني من إخواني على العمل؟ أم سأبحث عن الأعذار واستسلم الفريق القاعدين ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ (آل عمران: 168 ).
الرابط المختصر :