العنوان المجتمع الثقافي- العدد 1076
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
مشاهدات 77
نشر في العدد 1076
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
ومضة!!
«تشارلز والإسلام» عنوان مقالة، حوت العديد من المغالطات والإيماءات التي تحتاج إلى شيء من التوضيح والتصحيح. منها أن تشارلز ليس الوحيد الذي امتدح الإسلام فقد سبقه كثير من المستشرقين وبعد دراسات مستفيضة إلى إنصاف الإسلام حتى قال أحدهم: «ما عرف التاريخ فاتحًا أرحم من العرب» ولم يقل إن هذه الفتوحات من فعل «الفئات المتعصبة والتي تستغل هذا الدين لتلعب بعاطفة الشعوب لتحقيق مأرب سياسية بحتة» كما قال صاحبه مؤخرًا. ثم إن نظرة الغرب خلال أربعة عشر قرنًا، ولا تزال تتسم بالعداء الذي يتغذى على أحقاد متوارثة تدفعهم إلى محاولة قتلنا، وتشتيت قوانا، وعندما يظهر أنهم أوقفوا أعمال إبادتنا، راحوا يقذفوننا بالتهم، وينبذوننا بالألقاب، فتارة نحن إرهابيون أو متطرفون، وأخرى متخلفون ورجعيون، هذه الاتهامات تتعدى الفئات المعنية، لتشمل كافة قطاعات مجتمعنا وأمتنا الإسلامية، ومهما تكن درجة الالتزام!! وإلا فما الذي فعله شعب البوسنة والهرسك، حتى يتلقى كل هذا الانتقام، وحتى تفرغ الأفعى الغربية فيه كل ما تدخره من السموم؟ وحتى يصمت الغرب صمت المقابر، وهو يرى أكبر انتهاك للحقوق في تاريخ الإنسان؟ الآن هذا الشعب المقهور، متطرف وإرهابي، أم لمجرد أنه ينتمي إلى الإسلام؟ أضف إلى ذلك أن اتهاماتهم تتخطى الأمة لتصل إلى الإسلام نفسه، كما برز في بعض الكتابات الغربية الصريحة، والخارجة عن أصول اللياقة أو الدبلوماسية الثقافية، والتي تنعكس في الترجمات الحرفية وأدبيات المقلدين المبهورين من كتابنا، والذين تشملهم أيضًا الاتهامات الغربية، باعتبارهم جزءًا من الوجود الجغرافي للإسلام. بقي أن أهمس في أذن صاحب المقالة لمراجعة المستشار الثقافي البريطاني - الذي يحترمه كثيرًا - ليشرح لنا سياسة بلاده التي تقف بقوة ضد تصدير السلاح لجمهورية البوسنة والهرسك - لتدافع عن وجودها - وفيما إذا كان هذا هو الفهم الأكثر اعتدالًا، من فهم خطباء المساجد، لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الأديان السماوية. أما الخوف من أن يغادرنا الضيف مكسور الخاطر، يائسًا من إمكانية طبخنا أو شوينا، فإني ألفت نظرك إلى أن أمتنا، ما كانت في يوم من الأيام لقمة سائغة، وأنها تستعصي على الاحتواء والذوبان، وأنها ستخرج من كل محنها عزيزة متماسكة، بإذن الله رغم أعمال النخر التي تتقنها وتتعهدها الفئران المحلية، وما ذلك على الله بعزيز.
قرأت لك
من أخلاق الصحابة
كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه عمر مغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال أبو الدرداء ونحن عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما صاحبكم هذا فقد غامر «سبق بالخبر» قال وندم عمر على ما كان منه - فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فقال أبو الدرداء وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنتم تاركو لي صاحبي، هل أنتم تاركو لي صاحبي، إني قلت يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت. "من كتاب فتح الباري جـ 1"
إصدارات
الكويت تحت الأحكام العرفية
المطيري يوثق فترة هامة أعقبت الاحتلال
كتب - محمد العنزي
«الكويت.. تحت الأحكام العرفية» هو عنوان الكتاب الجديد الذي صدر مؤخرًا للزميل ناصر خميس المطيري الصحفي بجريدة «الشرق الأوسط» وهو كتاب توثيقي ذو طابع قانوني وسياسي يوثق أهم وأحرج الفترات التي مرت على الكويت في أعقاب التحرير من العدوان العراقي الغاشم، وهي الفترة التي أعلنت الحكومة الكويتية فيها الأحكام العرفية على كافة أنحاء البلاد، لإحكام السيطرة على الأوضاع الأمنية وما خلفه الغزو الغاشم من أخطار قد تخل بالحياة الاجتماعية والسياسية. وكتاب «الكويت.. تحت الأحكام العرفية» يعتبر جديدًا في فكرته سجل فيه المؤلف لحظة بلحظة طبيعة الوضع في مرحلة الأحكام العرفية التي أعلنت في الكويت من 26 فبراير، وحتى 26 يونيو 1991، وأكد فيه أن إعلان الأحكام العرفية لم ينل من حريات وحقوق المواطنين والمقيمين. كما تناول مؤلف الكتاب الزميل المطيري سير المحاكمات العرفية التي مثل فيها المتهمون المتعاونون مع قوات الغزو العراقي حيث أكد المؤلف بأن المحاكمات العرفية في الكويت، كانت تجرى وفق الأصول القانونية المتبعة مع مراعاة حقوق المتهمين في التحقيق والدفاع وكفالة كافة ضمانات التقاضي وفق قانون الإجراءات الجزائية الكويتي وذلك تحقيقًا لمبدأ العدالة والإنصاف الذي سار عليه القضاء الكويتي المشهود له بالنزاهة.
وفي الفصل الأخير من كتاب «الكويت.. تحت الأحكام العرفية» فند المؤلف ناصر المطيري الادعاءات والافتراءات الكاذبة التي أثارتها وسائل الإعلام المعادية ضد القضاء الكويتي والتي كانت تشكك بعدالة ونزاهة المحاكمات العرفية ولا زالت هذه المنظمات المعادية ووسائل الإعلام المأجورة تحاول التشكيك بالقضاء الكويتي وسير محاكمات أمن الدولة. وقد أكد المؤلف بأن القضاء الكويتي كان مثالًا يحتذى بالنزاهة ولم يفرق بين المتهمين حسب الجنسيات أو الانتماءات وإنما كان يقيم القانون ميزانًا له في إصدار الأحكام بعيدًا عن أي مؤثرات سياسية أخرى، وأشار إلى العفو الذي صدر من المحاكم العرفية عن المحكوم عليهم بالإعدام وتخفيف أحكامهم إلى الحبس المؤيد. ومن الجدير بالذكر أن مؤلف الكتاب الزميل ناصر المطيري حاصل على ليسانس الحقوق من جامعة الكويت وعمل في الصحافة المحلية لعدة سنوات ويعمل حاليًّا صحافيًا بجريدة «الشرق الأوسط الدولية». وحصلت شركة الربيعان للنشر والتوزيع على وكالة توزيع الكتاب في الكويت وفي الخارج.
واحة الشعر
دمعة ثائر
شعر: محمد عبد القادر الفقي – أرامكو – السعودية
فاض دمعي وزاد حجم شقائي ** ورمتني الصروف منها بداء فتن مثل موج بحر خضم ** تتوالى وتلتقي في فنائي
كلما أبرقت بشر تألمتُ ** وإن لم يُصب قذاها ردائي
غابت الشمس عن ربوعي وأضحى ** ما أمامي مساويًا ما ورائي
قطع الليل أفلحت في حصاري ** ثم ألقت ظلامها في فضائي واستباحت غدي ويومي وأمسي ** واستقرت على جبالي ومائي وإذا النفس أثقلت بالرزايا ** هل ترى العين في ضباب البكاء؟ فاسقياني كؤوس صبر جميل ** كي أرى بالفؤاد سر ابتلائي وقفا بي على طلول سراییفو ** وغرناطة وقدس السناء
واقرآ سورة النساء ففيها ** «فليقاتل» وأحسنا في الأداء
ما لقومي وقد تداعت عليهم ** أمم الأرض أجفلوا في اللقاء أدمنوا الذل أم يخافون موتًا ** إن في الموت مأملًا للبقاء
يظفر الليث بالحياة إذا أبلي ** ولم يخش من قرون الظباء وتموت الظباء في الغاب ظمأی ** لو تهاب السباع عند السقاء فإلام السكوت والخزي عار ** أین عز الإسلام والأتقياء؟
أین صوت الجهاد يعلو صداه ** داعيًا ربكم مجيب الدعاء؟
بح صوتي وأمتي في شقاق ** حول طول الجلباب، حول الغناء ألف مليون مسلم هم غثاء ** لا يجيدون غير عزف الهراء
بأسهم بينهم شديد وأما ** في قتال العدا فضعف الإماء
يحسنون الظنون بالكافرين ال ** مفسدين الطغاة رأس البلاء ويسيئون ظنهم بالذي يع ** طي ويكدي وناصر الضعفاء
يمموا وجههم إلى سارقيهم ** يطلبون الحقوق يا للغباء
أي حق وهم شتات وفوضى ** وضعاف، وما لهم من بناء؟
أي أمن ومجلس الأمن باغ ** أي حرية وأي إخاء
النظام الجديد إفك وظلم ** وهو صرح لعصبة الأقوياء
إيه يا قوم قد ضللتم كثيرًا ** فأفيقوا.. قصوركم في الهواء
هل ذئاب الفلاة تنصف تيسًا ** ساقه الجهل نحو وكر العواء؟ هل يرد الحقوق إلا رجال ** عزمهم صارم شديد الإباء؟
هل يخاف القوي إلا هصورًا ** صابرًا في الوغي سريع الذكاء؟
عسعس الليل في الديار وجاست ** في قرانا جحافل الأشقياء تحرق الأرض حين يغتال جون ** وسريعًا يصاغ حكم القضاء وبلاد تباد.. تمحى... وصمت ** بل يجازى الذي بغى بالعطاء ألأني أسلمت وجهي لربي ** عصبة الإفك لا تروم بقائي؟
هم يريدون محو دیني ونوري ** أو يكون الصليب كل رجائي لا ومن أرسل الحبيب بشيرًا ** دون هذا مواكب الشهداء
أجمعوا كيدكم فلن يفلح الباغي ** ولن تطفئوا ضياء السماء
الناقد الكبير: الدكتور مصطفى عبد الواحد "للمجتمع":
الذين يزعمون أن الأدب بطبيعته منفصل عن العقيدة والحقيقة والأخلاق يتجاهلون التاريخ وينكرون الواقع الملموس
حاوره في القاهرة: محمود خليل
لو كان الأدب حقًّا بمعزل عن الدين، لما جاء في محكم القرآن الحكم على الشعر والشعراء. لو كان الالتزام يجعل الأدباء الإسلاميين نمطًا واحدًا لكفى الإسلام أديب واحد. إن الأدب الإسلامي وهو يخط سيره المبارك، في هذا الجو الملبد بالفوضى الفكرية، والهمجية السقيمة، والعبثية التي يقوم بها قوم يشغلون الناس بمباذلهم وعبثهم ورؤاهم المجنونة وتراكيبهم المنفصلة عن العقيدة والحقيقة والأخلاق.. ويحاولون تصوير الأدب على أنه غياب عن الواقع، وحلم لا يقظة منه... والأمر كذلك يصبح دور الناقد والمفكر والمبدع المسلم، رباطًا في الصف الأول من كتيبة المنافحين عن هذا الدين، لكشف جوانب التفرد والإبداع والأصالة والخلود والإنسانية تحت ظلال الإسلام.. وفي إطار المحاولة الجادة للتعرف على سمات أدبنا الإسلامي وخصائصه.. كان لقاء المجتمع بالناقد الإسلامي الكبير الدكتور مصطفى عبد الواحد أستاذ الأدب العربي بقسم الدراسات العليا بكلية اللغة العربية بجامعة أم القرى.
المجتمع: هناك ادعاء يقول به أصحابه.. من أن الأدب بطبيعته منفصل عن العقيدة وأنه لا يستطيع التقيد بها، ولا يمكن «تأطيره» داخل القوالب الأخلاقية وأنه يجب ألا يركن إلى الحقيقة بحال.. فما مدى صحة هذا الادعاء؟
د. مصطفى عبد الواحد: حين نتحدث عن سمات الأدب الإسلامي فإننا نتجاوز الوقوف عند إثبات ذلك الأدب من حيث وجوده وظهوره لكل ذي عينين، وننتقل إلى الرد على شبهات من يمارون في تأثير الإسلام في الأدب، ويزعمون أن الأدب بطبيعته منفصل عن العقيدة والحقيقة والأخلاق، فهؤلاء قوم يتجاهلون التاريخ، وينكرون الواقع الملموس في تأثر الأديب بالبيئة وما يسودها من قيم وما تشتغل به من غايات... وإن هذا الادعاء بعيد كل البعد عن الموضوعية والإنصاف، ويمثل هؤلاء الناس الذين لا طائل من ورائهم «علي أحمد سعيد» الملقب «أدونيس» في كتابه «صدمة الحداثة» حيث زعم هذا «الكذاب» أن الشاعر المسلم لا يستطيع «الإبداع» فالله قد أبدع له «المضمون» «العقيدة الإسلامية».. والتاريخ قد أبدع له «الشكل»!!. فمن أين له أن يبدع؟! أن مهمته هي أن يأخذ ما أعطى له وأن يجيد محاكاته واستعادته فهو لا يبدع، بل ينسخ ويصوغ.. وهذا فهم خاطئ مضلل ينطلق به هؤلاء في عصرنا لتأكيد أن الحداثة والإبداع هو خروج على ما يسمونه «الماضوية» ولا يتحقق ذلك إلا بالتحرر من الدين، والانفصال عن شعور الجماعة وإن مناقشة هذه الأباطيل والمزاعم تحتاج إلى كتب ضخمة، تثبت لهؤلاء أن الأديب المسلم الملتزم، قد استطاع الإبداع في أرقى صوره وأبهى أشكاله وقد وجد ذاته في العقيدة الإسلامية التي فسرت له الكون والحياة، ووسعت نطاق وعيه بالإيمان بالغيب، وربطت له الدنيا والآخرة، وفسرت له مغزى الحياة، وخلصته من الشعور بالضياع والقلق والحسرة.. كما وجد ذاته في التعبير عن هموم أمته وآمالها والارتباط بتاريخها واستشعار الأخوة الإسلامية الجامعة التي تؤلف بين الأبيض والأحمر والعربي وغير العربي، بل تجعله يستشعر الأخوة الإسلامية الجامعة التي تؤلف بين المؤمنين في كل جيل وقبيل، قال تعالى: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92). وليس السبيل إلى إثبات الحقائق هو مجرد تقريرها، بل لا بد من الرجوع إلى ديوان الشعر العربي، منذ فجر الإسلام حتى اليوم لنجد روح الإسلام تسري فيه، ولنجد الارتباط بين العقيدة، والإبداع وبين الأمة والرسالة، وبين الأخلاق والإشراق واضحًا، حتى عند هؤلاء الذين يدعى المفترون أنهم خرجوا على العقيدة ورفضوا تراث الأمة. ثم بعد ذلك النظر في آداب الشعوب الإسلامية من غير العرب، لنرى كيف أثر الإسلام في تلك الآداب أعمق الأثر وكيف استطاع الأدباء المسلمون - الذين كتبوا بلغاتهم - الإبداع وتحقيق الذات في ظل ارتباطهم بالإسلام والجماعة لا بسبب انفصالهم عنها.
استيراد نفايات الأفكار
المجتمع: البعض يرى أن الأدب يجب أن يعامل كأدب، وليس كبديل للتلقين الخلقي، فالأدب لا يمكن أن يحل محل الأخلاق أو الدين، لأن رسالته الأولى والأخيرة هي المتعة وتجاوز المرارة الكامنة في الواقع فما هي النظرة الإسلامية لهذا الطرح؟
د. مصطفى عبد الواحد: يا أخي إن الرجوع إلى السواء الخلقي في ظل الدين ليس جريمة لندافع عنها.. وليقرأ هؤلاء كتابات «ت. س. إليوت» وكيف يقترب فيها من المسيحية ويتعصب لها وغيره وغيره.. أم أنه يغتفر في المسيحية ما لا يغتفر في الإسلام.. ثم هذا الطرح الفوضوي كيف يصح.. كيف ينطلق الإنسان بلا غاية ولا هدف، فيأكل من أجل الأكل ويشرب من أجل الشرب.. ويتكلم من أجل الكلام.. كيف؟؟ «رحم الله رجلًا قال خيرًا فغنم أو سكت فسلم». إننا يا أخي بإزاء محاربين غير شرفاء، يزولون متعسفين، ويكتمون الحق وهم يعلمون، ويستوردون لنا نفايات الأفكار وشواذ الآراء ويعظمونها غاية التعظيم، بينما يزرون بأجراء السابقين والمعاصرين ما دامت لا تصدر من منطلق التبعية والانقياد، ويفرحون بالتقاط كلمات عابرة يؤسسون عليها دعاوي ضخمة... ككلمة القاضي «الجرجاني» في كتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه» التي قال فيها: «والدين بمعزل عن الشعر».. لقد فرح بها بعض هؤلاء الذين يرون «الحداثة» في المباعدة بين الشاعر وبين الدين وبينه وبين الأمة.. واقتطعوها من سياقها.. الذي يرد مزاعمهم ردًا مفحمًا، وقد ناقش هذه المقولة الناقد الإسلامي الكبير الدكتور عبد الباسط بدر في كتابه «مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي» ولو كان الدين حقًا بمعزل عن الأدب، لما جاء في محكم القرآن الحكم على الشعر، والتفريق بين ما كان منه ملتزمًا بالعقيدة السليمة معبرًا عن الأخلاق الكريمة، وما كان وسيلة لتزيين الشرور وإثارة الشهوات وانتهاك الحرمات حيث يقول الحق تبارك وتعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء:224-227). فهذا دليل لا ينقض على أن الإسلام رأيه في الشعر، وموقفه منه، وأنه يحكم على الشعر بمضمونه وهدفه، وأنه لا يترك الشعراء على أهوائهم يعيشون بالكلمة من أجل الكلمة.. ويهيمون في الأودية، ويجعلون القول بمعزل عن العمل.. وكذلك كان الموقف النبوي الكريم من سماعه صلى الله عليه وسلم لشعر الحكمة وتمثله به أحيانًا.. فغاية الكلمة في الأدب وغيره.. دعوة إلى الخير الصادق النافع.. وصلاح وإصلاح للكون.. وتحقيق الغاية كريمة ورسالة عليا ينشدها الإنسان لتجاوز المرارة التي أشرت إليها، في إطار تصويري ناطق لكل ما هو جميل في الكون والحياة والنفس.
المجتمع: هذا الالتزام بالعقيدة والحقيقة والأخلاق الإسلامية.. ألا يجعل الأدباء المسلمين نمطًا واحدًا في التعبير والتصوير؟
د. مصطفى عبد الواحد: وهذا أيضًا زعم آخر بعيد كل البعد عن الحقيقة التاريخية والواقعية.. ولو كان هذا الزعم صحيحًا لكفى الإسلام شاعر واحد.. أو كاتب واحد.. ما دام عمل الأديب المسلم كما يزعم هؤلاء أن يأخذ ما أعطى له من خلق وعقيدة وأن ينسخ ويصوغ... إن الحقيقة واحدة.. ولكن التعبير عنها يخرج من خلال تصور الشاعر أو الكاتب ورؤيته لتلك الحقيقة. وليس ذلك في أمر العقيدة فحسب.. بل إنه يسري في ظل صلة الأديب عامة والشاعر خاصة بالكون والحياة.. ولنأخذ مثلًا.. الوصف.. فالطبيعة التي يصورها الأديب واحدة كلحظة الشروق أو الغروب وجمال الزهر وأمواج البحر.. فهل يجيء تعبيرهم عن انفعالهم بهذه الطبيعة على نمط واحد؟! وكذلك النظرة إلى المرأة وإلى كل الموضوعات التي يقول فيها الأديب كلمة أو تقول له كلمة.. فالفكرة لو تناولها ألف كاتب لأصبحت ألف فكرة.. ولننظر حتى إلى بداية صلة الشعر العربي بالإسلام في عصر النبوة، ونشأة الغرض الإسلامي في ذلك الشعر.. فهل نجد شعراء الصحابة نمطًا واحدًا.. مع أن الغرض واحد.. والروح التي سرت في ذلك الشعر واحدة ؟ وأن نسوق الشواهد فالأمر أجلى من أي دليل.
المجتمع: وهذا الالتزام بقضايا الأمة.. والانشغال بمشروعها الحضاري.. ألا يحول بين الأديب وبين الإبداع؟
د. مصطفى عبد الواحد: إن الأديب المسلم لا يستطيع أن يتجاهل مشاعر أمته، لا أن يفرح وهي محزونة.. ولا أن ينشغل بالتوافه وهي تواجه معركة البقاء. ولماذا يغدو «الالتزام» الإسلامي الفطري ثقيلًا.. وما كان «الإلزام» القسري الحديدي الشيوعي للأديب كذلك؟؟؟... ألا ساء ما يحكمون.. إن الأديب المسلم له مهمة خاصة في استنهاض العزائم وتوجيه الأمة إلى درأ الخطر والقيام بالواجب، وتلك سمة أساسية من سمات الأدب الإسلامي.
المجتمع: هذا يقودنا أخيرًا إلى التعرف على وجه التحديد على أهم سمات الأدب الإسلامي عامة.. والشعر خاصة؟
د. مصطفى عبد الواحد: أهم هذه الخصائص والسمات هي:
- الالتزام
بالعقيدة والنظر إلى الكون والحياة من خلال منظار الإسلام والتعامل مع الحياة
والأحياء بأخلاق الإسلام وآدابه.
- النظر
إلى الكون نظرة رحمة تستجلي آيات الله وترى آثار رحمته.
- الالتزام
بالدفاع عن قضايا الأمة المسلمة والتعبير عن آمالها وآلامها والإحساس
بمشاعرها.
- التعاطف
مع الكائنات الضعيفة كالطير والحيوان والمستضعفين من البشر.
- الحفاظ
على ذاتية الشاعر والأديب المسلم وخصوصيته ونظرته المستقبلية، مع إحساسه
بالانتماء إلى الأمة ودفاعه عن قضاياها.
- إتاحة
الفرصة للأديب للتجديد والابتكار في صوره ومعانيه وألفاظه وإيقاعاته وأشكاله
فليس في الإسلام ما يحد حريته الفنية ولا ما يلزمه بنمط معين في التصوير
والتعبير سوى إخلاص النفس للإسلام وأدبه.
- الالتزام
بالعقيدة والنظر إلى الكون والحياة من خلال منظار الإسلام والتعامل مع الحياة
والأحياء بأخلاق الإسلام وآدابه.