العنوان (أفغانستان ) مولوي فضل الهادي شينواري أول مهاجر أفغاني
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الأحد 08-مارس-1992
مشاهدات 54
نشر في العدد 992
نشر في الصفحة 30
الأحد 08-مارس-1992
•
هاجر
مولوي شينواري في شهر رمضان عام 1393 هجرية ثم توافد من بعده المهاجرون.
•
البروفيسور
برهان الدين رباني والمهندس حكمتيار وباقي المهاجرين توافدوا إلى باكستان بعد هجرة
مولوي شينواري بشهور.
ظل مكانه شاغرًا إلى جواري في السيارة حينما انطلقنا من أحد
المخيمات القريبة من بيشاور في طريقنا إلى داخل أفغانستان، ولم أسأل الأستاذ سياف
الذي كان يقود السيارة بنفسه لمن ترك هذا المكان فارغًا.. حتى مررنا على بيته الذي
كان في أحد المخيمات الأخرى في الطريق فوجدناه في انتظارنا فصعد وجلس إلى جواري،
وبعد مرحلة من الطريق قال الأستاذ سياف لي: هل تعرف الشيخ؟ قلت: للأسف لم أتشرف
بمعرفته بعد.
قال: هذا مولوي فضل الهادي شينواري من كبار العلماء في أفغانستان وهو
أستاذي فقد درس لي وأنا في المرحلة الثانوية، وهو الآن مستشاري وفوق كل ذلك فهو
أول من هاجر من الأفغان إلى باكستان وكان ذلك عام 1973 إبان تسلم داود للسلطة،
لذلك فهو أول مهاجر أفغاني من الخمسة ملايين مهاجر الذين يعيشون بين باكستان
وإيران ودول أخرى، ومن الأفضل أن تسمع أنت منه قصته فإني أعتقد أنها لم تُدوَّن
بعد.
قال الشيخ: كان ذلك في أواخر الخمسينيات حيث كان داود رئيسًا للوزراء
في ذلك الوقت في عهد ظاهر شاه كنت وقتها معلمًا في مدرسة ابن سينا في كابل إلى
جلال آباد وأقمت في قرية قريبة منها هي قرية «هده» وصرت شيخ الحديث في مدرسة نجم
المدارس في جلال آباد وأزاح الله داود من السلطة بعد ذلك إلا أنه عاد بانقلاب على
ظاهر شاه عام 1973 وتولى من خلاله السلطة في البلاد وكان موقفي السابق معه يعرفه
كثير من الأفغان ولمكانتي العلمية في جلال آباد أخبرني والي ننجرهار في ذلك
الوقت أن داود قد كلف أجهزة المخابرات في ذلك الوقت بمراقبتي ورصد تحركاتي بسبب
معاداتي الأولى لداود حينما كان رئيسًا للوزراء ودعا النساء لخلع الحجاب وطلب مني
الوالي وكان مسلمًا صاحب دين أن يرتب لي زيارة إلى محمد داود أستكشف نواياه من
خلالها، وذهبت بالفعل على رأس وفد من ستة من علماء ننجرهار وكان هدفي أن أعرف هل
لا زال الرجل على عهده حينما كان رئيسًا للوزراء أم أنه تغير بعدما أصبح رئيسًا
للجمهورية فوجدته في حالة متوسطة غير أنه قد أحاط نفسه بزمرة من الشيوعيين المعروفين
في أفغانستان في ذلك الوقت وكان وزير داخليته فيض محمد من أشد هؤلاء عداء للإسلام
والعلماء المسلمين وكان فيض محمد يحرض الولاة دائمًا ضد العلماء ويدعوهم إلى
اعتقالهم، وأذكر مما قاله داود لي في ذلك الوقت: أنا مسلم ولست شيوعيًا. فقلت له
تلطف مع العلماء ولا تعتقل أحدًا منهم ولا تأخذ بكلام رجال الأمن والمخابرات
عليهم، لكني بقيت متوجسًا من داود بعد هذه الزيارة لا سيما بعدما وجدته قد
استأمن الشيوعيين وتعاون معهم في كثير من أمور البلاد والعباد.
وكان للهندوس في ذلك الوقت معبد هندوسي أقاموه في مدينة جلال آباد
وكانوا يسعون مرارًا إلى تعليته وإقامة طابق علوي له وتزيينه على غرار ما
يفعلون في معابدهم إلا أننا كنا قد اتفقنا مع والي ننجرهار الذي تحدثت عنه من قبل
ألا يسمح لهم بذلك لأن إضافة طابق جديد لمعبدهم سيمكنهم من كشف عورات بيوت
المسلمين التي تجاورهم فوافق الرجل وظل طوال فترة ولايته لا يسمح لهم بذلك إلا أن
داود أقاله بعد فترة وجيزة من وصوله للحكم وجاءوا بآخر غيره ممن يوالي الشيوعيين
فقدم له الهندوس رشوة كبيرة سمح لهم بعدها بتعلية معبدهم فذهبت له مع وفد من
العلماء حتى نثنيه عن هذا القرار فلم يسمع لنا، فانتقدته على المنابر فأرسل
إلي بعض الجنود فاعتقلوني وذهبوا بي إلى أحد سجون كابل، وكان ذلك قبل شهر رمضان
بفترة وجيزة فذهب بعض الأعيان إلى داود حتى يطلق سراحي، وبعد أسبوع قضيته في السجن
قال لهم سأطلق سراحه لكن عليه ألا يعارض والي ننجرهار وربما نستدعيه بعد رمضان.
عدت إلى ننجرهار مع بداية رمضان عام 1393 من الهجرة تقريبًا وكان
يوافق بداية شتاء عام 1973 ميلادي وكان لي درس في المسجد عصر كل يوم من صحيح
البخاري وبعد مرور أسبوعين من رمضان وأثناء إلقائي الدرس جاء بعض الجنود وقالوا
إنك مطلوب لجهاز الأمن في كابل فقلت لهم لو أذنتم لي حتى أذهب إلى بيتي في ذلك
الوقت داخل قرية «هده» وأثناء توجهي للبيت فكرت في الأمر مليًّا وقلت إن
عودتي لهؤلاء الجنود ليست صحيحة وعلي أن أدبر أمري، ومررت على بيت أحد تلاميذي
فقلت أختفي في داره حتى يقضي الله أمرًا، بعد ذلك جاء رجال الشرطة فأحاطوا بيتي
وفتشوه فلم يعثروا عليَّ فظلوا محيطين بالدار فاجتمع نفر غير قليل من أهل
القرية حول البيت وقال بعض شيوخ القرية لقائد الشرطة اذهبوا أنتم وسوف نأتي لكم به
غدًا فانصرفوا.
تناولت طعام الإفطار في بيت تلميذي ثم فكرت في الأمر وقلت: ماذا أفعل
الآن؟ إن داود لم ينس موقفي القديم منه والشيوعيون بدءوا في السيطرة على كافة
المناصب الحساسة في الدولة وأعلن وزير الداخلية الحرب على العلماء ولا أظنني سوف
أنجو من هؤلاء وبعد حيرة طويلة تناولت المصحف وتفاءلت به وسألت الله أن يجعل لي
فيه فرجًا ومخرجًا وفتحته دونما تحديد لصفحة ولا سورة فوقعت عيناي أول ما وقعت على
قوله تعالى ...﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي
الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (سورة
التوبة:40) فقلت إنها الهجرة.. إنها الهجرة.. فلم أتردد وعزمت في لحظتها
على الهجرة إلى باكستان التي لا تبعد حدودها كثيرًا عنا فمشيت في الليل إلى القرية
المجاورة لنا وأهل هذه القرية كانوا يعرفونني فلما علموا بأمري أعدوا لي سيارة في
نفس الليلة وذهبوا بي حتى آخر نقطة حدودية ثم واصلت الطريق بعد ذلك إلى باكستان
عبر الجبال لئلا يلتفت حرس نقطة الحدود الرئيسية إلى أمري وكان داود لم يمض عليه
في الحكم في ذلك الوقت سوى ثلاثة شهور.
شاع الخبر في أفغانستان بعد ذلك ونقلته الإذاعة وأبلغت حكومة داود
القنصلية الباكستانية في جلال آباد بأن أحد العلماء الأفغان قد هرب إلى باكستان
وكنت في بداية الأمر قد أقمت في بيت أحد العلماء الباكستانيين الذين يعرفونني في
بلدة قريبة من مدينة بيشاور وبلغني بعد ذلك أن الحكومة الباكستانية تبحث عني
فالتقيت مع بعض المسؤولين منهم وكانت باكستان في ذلك الوقت على خلاف شديد مع
الحكومة الأفغانية بسبب رسم الحدود فيما بينهما فقال لي المسؤولون الباكستانيون:
أنت في أمان هنا ولن تستطيع الحكومة الأفغانية أن تقبض عليك وكل من يهرب من
أفغانستان مخالف لداود فاجمعهم عندك وسوف نساعدك وكانت حكومة داود في ذلك الوقت قد
بدأت تضيق على العلماء وتقبض على بعضهم فأرسل إلى مولوي حبيب الرحمن الشهيد- رحمه
الله- رسالة يسألني فيها عن ظروف الهجرة بعدما ضاقت بهم السبل هناك وبدأت الحكومة
تقبض عليهم فقلت له إن الظروف مناسبة للهجرة الآن وقد وعدني الباكستانيون
بالمساعدة فجاءت أول مجموعة من المهاجرين وذلك بعد هجرتي بحوالي تسعة أشهر وأذكر
منهم مولوي حبيب الرحمن الشهيد رحمه الله والأستاذ برهان الدين رباني والمهندس
حكمتيار وجان محمد الشهيد رحمه الله ومحمد كل وعناية الله وهم لم يهاجروا سويًا
بل فرادى من طرق مختلفة.
لكنهم كانوا من أول من رأيت من المهاجرين ثم تتابع الناس في الهجرة من
بعدهم وتوافدوا بأعداد قليلة في البداية ثم بأفواج كبيرة بعد استيلاء الشيوعيين
على السلطة في أبريل عام 1978 واحتلال السوفييت لأفغانستان بعد ذلك في ديسمبر عام
1979 حتى زاد عدد المهاجرين عن خمسة ملايين مهاجر ليشكلوا بذلك أكبر هجرة في
التاريخ المعاصر.. صمت مولوي شينواري هنيهة ثم ابتسم إلي وقال: هذه هي قصة
هجرتي يا بني.. هجرة بدأت برجل واحد وانتهت إلى ما يزيد على خمسة ملايين مهاجر.