العنوان عظماء منسيون.. رائد الدعوة في اليمن.. عبده محمد المخلافي (۱-۲)
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2013
مشاهدات 65
نشر في العدد 2039
نشر في الصفحة 44
السبت 09-فبراير-2013
● ولد عام ١٩٣٧ م بمحافظة تعز باليمن وأراده والده راعيا للغنم لكن همته العالية جعلته يتعلق بالعلم
● حفظ نصف القرآن وهو صغير خلال 4 سنوات... وسافر إلى مكة والقاهرة طلبا للعلم
● عاد إلى اليمن عام ١٩٦٥ م وكانت البلاد تموج بتيارات علمانية ويسارية والحادية وتدار من قبل مخابرات عبد الناصر الذين حاولوا قتله
● كون نواة للدعاة على منهج الإخوان المسلمين ولما مات حملوا على عاتقهم عبء الدعوة
● أنجز إصلاحات كبيرة في التعليم والإعلام والمساجد رغم مكوثه باليمن ٤ سنوات بعد عودته من مصر وقبل أن يتوفى
لا أعلم شعباً أثنى عليه النبي كما أثنى على شعب اليمن، فقد تواترت الأحاديث في بيان فضائلهم من لين القلوب، ورقة الأفئدة، والحكمة، وأنهم أهل الإيمان والسكينة، وقد كان لهم في الإسلام قدم راسخة حتى أنهم لما ارتدت قبائل العرب ثبتوا على دينهم، وكان منهم القادة العظماء والجنود الأشداء، وكان لهم في الفتوحات حسن مشاركة وجميل إقدام، وهم أصحاب الشجاعة والنجدة الظاهرة، وقد وصلوا إلى الأندلس غربا وإلى الصين شرقاً، وفضائلهم لا تتسع لها هذه العجالة.
ولقد أتى على اليمن دهر طويل وهي بلاد منعزلة عن أخواتها، وشاع فيها الثلاثي القاتل الجهل والمرض والفقر وتولى أمرها في الأعصر الأخيرة من لا يصلح أن يليها، فتأخرت البلاد عن مثيلاتها، وأوغل فيها الجهل بالدين والحياة حتى بلغت البلاد حدا لا يوصف وقد عبر عن هذا أحد الرحالة الأوروبيين في العصر الحديث الذي زار اليمن آنذاك، فقال: إن مصر متخلفة عن أوروبا مائة عام، أما اليمن فهي تعيش في عصر ما قبل التوراة !!
ولقد من الله تعالى على اليمن برجال عظماء عملوا على الثورة على الأحوال القائمة آنذاك، وحاولوا الارتقاء باليمن وأهله إلى ما ينبغي أن يرتقوا إليه ويكونوا عليه من السيادة والعزة وذلك لأن خلالهم وشمائلهم وصفاتهم تؤهلهم لذلك، وكان من أولئك العظماء الأخ عبده محمد المخلافي يرحمه الله تعالى.
ولد عام ١٣٥٦هـ / ١٩٣٧م تقريباً.
في منطقة المخلاف التي بينها وبين تعز عشرون كيلو متراً في قرية تسمى السدريفي مديرية السلام من محافظة تعز، وأسرته فقيرة كأكثر الأسر اليمنية آنذاك، وفقد أمه وهو صبي، وأراده والده للعمل على رعي الغنم لكن همته كانت ترقى به إلى التعلق بالعلم وطلبه، فحاول حتى ابتدأ الدراسة في المعلامة (الكتاب) أو المكتب بالفصحى، فمكث أربع سنوات فحفظ نصف القرآن، وتعلم أوليات العربية والحساب، ثم إنه يرحمه الله تعالى سافر إلى مكة المكرمة لطلب الرزق، فخرج في قافلة سنة ١٣٧٣هـ / ١٩٥٣م، فوصل إلى مكة بعد متاعب جمة، وتعثرت السيارات في رمال الصحراء مرارا، وبحث عن عمل في مكة فلم يجد، فانتقل إلى جدة فعمل في البناء، ثم عاد إلى مكة لأنه كان يريد طلب العلم فيها، فدرس في دار الحديث وانضم إلى مدرسة ليلية في الصف الرابع الابتدائي، وكان في الوقت نفسه يدرس في الحرم المكي الشريف النحو والفقه، وأم الناس بمسجد في العتيبية، وكتب مقالات في بعض الصحف السعودية.
● سفره إلى القاهرة
ثم بدا له يرحمه الله تعالى أن يكمل الدراسة في القاهرة، فارتحل إليها بالباخرة من جدة، وشجعه على ذلك أن مجموعة من أصحابه اليمنيين الذين كانوا في مكة قد غادروا إلى القاهرة لطلب العلم أو للتجارة فكانوا يراسلونه يحثونه على المجيء إليهم فوصل القاهرة عام ١٣٧٨هـ / ١٩٥٨م، ودرس في الأزهر في الصف الثالث الابتدائي وبقي فيه ست سنوات، وكاد يحصل على الثانوية الأزهرية لولا أنه عوجل بالطرد من مصر على يد أزلام الناصرية الذين ضايقهم عمله الدعوي في القاهرة.
وكانت مدة مكثه في مصر مليئة بالفوائد فقد التقى بأعلام الدعاة في مصر آنذاك منهم الشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ سيد سابق، والشيخ أحمد الشرباصي والدكتور عبد الصبور شاهين والأستاذ البهي الخولي يرحمهم الله جميعا، كما التقى الأستاذ محمد قطب حفظه الله تعالى، لكن التحول الكبير في حياته كان عقب لقائه بالشهيد بإذن الله تعالى الأستاذ سيد قطب يرحمه الله تعالى ورفع درجته في عليين، ومن اللطائف أن الأستاذ سيدا أهدى إليه نسخة من كتابه الشهير معالم في الطريق، ثم سأله: هل قرأته؟ فقال: نعم. فقال له الأستاذ : إنك لن تفهمه حتى تقرأه ست مرات !! ومن المؤكد أن الأستاذ عبده انضم إلى جماعة الإخوان في مصر وعلى ذلك شواهد عديدة، ولقد أنشأ الأستاذ عبده المخلافي في القاهرة حركة الطليعة العربية الإسلامية»، وهي حركة طلابية إسلامية يمنية، وكان ذلك سنة ١٣٨٣هـ / ١٩٦٣م، ولقد كان لأبي الأحرار الزبيري أثر في إنشاء الطليعة حيث التقى به الأستاذ عبده في القاهرة وتأثر به وبمنهجه. واستطاعت حركة الطليعة أن تسحب البساط من تحت أقدام قوى يمنية أقدم منها في القاهرة وأقوى ولله الحمد والمنة.
وصل الأستاذ عبده المخلافي إلى اليمن بعد أن طرد من مصر، ولقد كان من تخطيط المخابرات المصرية صلاح نصر وأزلامه الذين كان لهم تأثير كبير ونفوذ بالغ في اليمن آنذاك، كان من تخطيطهم أن يؤخذ الأستاذ عبده من ميناء الحديدة إلى صنعاء مخفوراً مقيداً : لينتقم منه هنالك لكن الله نجاه إذ عني به محافظ الحديدة آنذاك وخلصه من هذا المصير، وتوجه الأستاذ عبده إلى تعز حيث عاش مرحلة جديدة مختلفة تماما عما سبق.
وصل إلى اليمن عام ١٣٨٥هـ / ١٩٦٥م. ولقد كان اليمن آنذاك يموج بتيارات علمانية ويسارية وماركسية وإلحادية استغلت جهل أكثر الشعب وفقره وخروجه من ثورة هزت أركان المجتمع اليمني، وكان اليمن يدار سياسياً من قبل مخابرات عبد الناصر التي أثرت أثراً كبيراً في مجريات الأحداث أنذاك، وكان اليمن يعصف به الجهل والفقر وقلة وعي الشعب بما يجري آنذاك، وكان ذلك مناخا مناسبا لتلك الحركات الضالة النشر ضلالها وتحريفها .
ولقد واجه الأستاذ عبده مقاومة ضارية من قبل حركات الضلال تلك، وحاولوا قتله أكثر من مرة، وهددوه تهديداً صريحاً بالقتل وألبوا عليه العامة، ووقفوا في وجه إصلاحاته لكن كل ذلك لم يزد الداعية الجليل إلا ثباتاً وقوة في مواجهة أولئك، وهذا شأن الرجال العظماء الذين لا تثنيهم المعوقات والعقبات عن بلوغ أهدافهم مستعينين بالله جل جلاله.
● إصلاحاته وأعماله
قد كان للأستاذ المخلافي أعمال جليلة وإصلاحات كثيرة منها :
١- تكوين نواة للدعاة على منهج الإخوان المسلمين التفوا حوله وآزروه وناصروه، وكانوا له نعم المعين والناصر ولما مات حملوا على عواتقهم عبء الدعوة وأثقالها، وما زالت الدعوة إلى يوم الناس هذا مدينة للأستاذ عبده في نشأتها ورعاية بذورها الأولى، فلله كم من ثواب لحقه بإذن الله تعالى.
٢- إصلاح المساجد: قد كان للأستاذ عبده جهودا كبيرة في إصلاح المساجد التي كانت في حالة يرثى لها ، فقام بالتالي:
أ - إحياء الدروس فيها كل ليلة بين المغرب والعشاء، وإقامة حلقات تحفيظ القرآن العظيم، وحلقات تعليم الحديث والسيرة والفقه والتوحيد، وباشر التدريس بنفسه في مساجد محافظة تعز ومحافظة صنعاء، وشجع عددا من المشايخ والدعاة ليشاركوا في تلك الدروس والحلقات.
ب - إصلاح ما فسد من بناء المساجد وبناء المراحيض، وأماكن الوضوء، وفرشها بالفراش المناسب، وشراء مكبرات الصوت لها، وتعاون معه بعض التجار في هذا.
ج - العناية بخطب الجمعة وقد كانت الخطب تلقى على هيئة قديمة لم تعد مناسبة للعصر وأحداثه، فوضع خطة لتحسين الخطب المنبرية، وباشر هو بنفسه الخطبة في جامع المظفر وهو أشهر وأكبر جوامع تعز.
وأما خطب العيدين فكان الأستاذ يلقيها بنفسه في مصلى العيد بتعز.
٣- بناء المركز الإسلامي
أقام الأستاذ يرحمه الله تعالى مقراً للدعوة سماه المركز الإسلامي، وكان للمقر أعمال دعوية جليلة منها الندوة الأسبوعية بعد مغرب كل يوم جمعة، وتتناول الدعوة موضوعات إيمانية وثقافية وفكرية مهمة.
ومن أعمال المركز الإسلامي تدريب الشباب على الوعظ والإرشاد وإلقاء الكلمات.
ومنها إقامة مكتبة وفيها الكتب الإسلامية والمجلات والجرائد الإسلامية التي كانت تصدر آنذاك، منها مجلة «الوعي الإسلامي» الكويتية، ومجلة لواء الإسلام المصرية ومجلة «الغرباء» اللندنية، وجريدة «الشهاب» اللبنانية، ومجلة البعث الإسلامي الهندية.
ومنها الرحلات مع الشباب التي كان يشرف عليها بنفسه، فتكون فرصة لدعوة الشباب وتربيتهم ونصحهم.
ومنها إحياء ليالي رمضان بقراءة القرآن والدروس من بعد التراويح إلى عقب السحور.
ومنها تدريس العلوم الشرعية واللغوية. ومنها إقامة فصول لمحو أمية الكبار.
ولو رأى الرائي ذلك المبنى، وقد رأيته في الصور العجب كل العجب من إقامة كل تلك الأعمال الدعوية فيه على صغره وضيقه.
٤- العناية بالتعليم
تولى الأستاذ يرحمه الله تعالى إدارة التربية والتعليم في لواء تعز، وكان ذلك عام ١٣٨٦هـ / ١٩٦٦م، ثم عزل عنها، ثم أعيد إليها بناء على طلب أهل تعز وضغطهم على المسؤولين في صنعاء وقد عني الأستاذ بالمدارس، فأسس بعض المدارس في بعض مناطق تعز، وزار مدارس عديدة ليقف على حالتها، وعنى بالمدرسة الثانوية الوحيدة التي كانت في تعز أنذاك، فكان يلقي فيها المحاضرات والدروس يومياً .
واهتم بالطلاب الفقراء خاصة الذين يأتون من أماكن بعيدة، وأسكنهم في مباني الأقسام الداخلية التابعة لإدارة التربية والتعليم.
وافتتح مدرسة مسائية لتحفيظ القرآن الكريم، وكانت أساساً لمدرسة كبيرة رسمية أنشأها فيما بعد وتعب في إنشائها، ولكنه توفي قبل افتتاحها رسميا، يرحمه الله تعالى.
واهتم بالمعلمين، وعقد لهم دورات تدريبية في الإجازات الصيفية، وطالب المسؤولين بإلحاح بزيادة رواتبهم فزادوها بقرار جمهوري.
واهتم بالمناهج وشارك في التخطيط الوضع مناهج ملائمة إسلاميا وتربويا وعلميا، وأفسح مجالا للشيخ عبد المجيد الزنداني حفظه الله تعالى للعمل في وزارة التربية والتعليم، فوضع مناهج مادة التوحيد التي كان لها أثر كبير في تعميق الإيمان وصد موجات الإلحاد التي كانت في اليمن آنذاك.
ه- العناية بالإعلام
كانت وسائل الإعلام في اليمن زمن الأستاذ عبده مقصورة على الإذاعة والجرائد، فكان الأستاذ يكتب المقالات في جريدتي «الجمهورية» و«الأخبار»، وسجل عدة حلقات في الإذاعة الرسمية في صنعاء وفي الإذاعة المحلية في تعز، وسجل بعض الفتاوى والإجابات عن أسئلة المستمعين.
فهاته الأعمال كلها عملها المخلافي في أقل من أربع سنوات ثم فاجأه الموت. فلله ما أعظم الرجال ذوي الهمم العاليات الصادقات، وما أحسن صنيعهم (1)..
الهامش
(۱) قد استقيت معظم المادة التاريخية لهذه الحلقة وما بعدها من كتاب شهيد القرآن للأستاذ عبد الملك الشيباني.