; صراع الأجيال | مجلة المجتمع

العنوان صراع الأجيال

الكاتب د. عامر البو سلامة

تاريخ النشر الاثنين 01-فبراير-2016

مشاهدات 80

نشر في العدد 2092

نشر في الصفحة 62

الاثنين 01-فبراير-2016

صراع الأجيال ظاهرة موجودة، معروفة ومعلومة، يمارسها بعض الناس على مستوى السلاطين والأمراء، وأصحاب الملك، حتى وصل صراع الأجيال عند شريحة من هذا الصنف أن قتل الأخ أخاه، والابن والده أو العكس، أو صراع في ثنايا أنظمة الحكم حتى لو اتحدوا في المنهج والفكرة، والأمثلة على هذا متعددة في القديم والحديث، وفي غالب الأحيان تبرز هذه الظاهرة، في إطار السلطان، عندما تضعف السلطة، ويدب إليها الوهن، وتتخللها نوافذ الشر، التي تجعل منظومة الحكم في مهب الريح، فتبرز المطامع، وتتعدد التطلعات، وغالباً ما يعقبها الندم والخسران، وتنتج عنها فواجع وكوارث.

كما أن هذه الظاهرة، وجدت في بعض الأحزاب والجماعات، وهذا له أسبابه، وتكون له نتائجه، التي تجعل الإخوة الأعداء في حالة مريرة، ووضع مزرٍ، وصورة أسيفة، ونتائج بعضها يندى له الجبين، إذ وصل الأمر إلى إراقة الدماء، وتيتيم الأطفال، وترميل النساء، مثل ذلك الذي حدث لأبناء الحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبي عام 1986م، والمقصود من هذا المدخل أن المسألة مرضية، وربما يكون مألوفاً أن تظهر في أوساط هؤلاء المرضى.

لم أجد – على المستوى الداخلي للحركات الإسلامية – أخطر من الإثارة المشاغبة لقضية صراع الأجيال والخوض فيها، وتحريكها بلغة غريبة عن الحس الإسلامي، وفي غالب الأحيان تكون هذه الإثارة في الوقت غير المناسب، والظرف الذي لا يساعد على علاج ظاهرة الاختلال – إن وجدت - بمعنى إثارتها في أوقات المحنة والاضطراب، وغياب حالة الاستقرار، وفي مثل هذه الوضعية تغيب طريقة البحث العلمية عن الحقيقة، وسبر الأسباب المنهجية لها، وتقويم المشكلة للوصول إلى الحل، إذ تمثل حالة من حالات الاختلاط المربك الذي ستكون له آثاره الخطيرة، ونتائجه السيئة.

وهذا النوع من غياب تكامل الأجيال، أو قل، ظهور الظاهرة، قد تكون لها أسبابها ومبرراتها التي ربما بعضها يدخل في دائرة السلامة؛ لأن أصحابها سليمو النية، يبحثون عن حلول لأزمة تحتاج إلى حل، أو أنهم يتعاملون معها بموضوعية في هذا الشأن المهم والحساس؛ لنصل إلى نتائج إيجابية، فينتهي الوضع إلى وفاق، ولكن بعضها قد يكون مفتعلاً لأسباب ربما عاد بعضها إلى تضخم الذات، أو الحسد، أو البغضاء، أو البحث عن لعاعة دنيا، أو الالتصاق بالوحل بصورة من صور الالتصاق، وربما دخل طرف ثالث على الخط – وما أكثرهم هذه الأيام - ليزيدوا الطين بلة، ويخلطوا الأوراق، ويحدثوا الإرباك، وقد يتسللون من منافذ الخلل، ويعملون على تعقيد المشهد بشكل أكثر وضوحاً، وكثير من وقائع التاريخ تؤكد هذا المعنى.

ولكن نحن في مقالتنا هذه، نحب التركيز على مناقشة الظاهرة ببراءة وواقعية، بعيداً عن التفسيرات الأخرى، ومن غير الدخول في النوايا، وحتى لا نتهم بنظرية المؤامرة التي جعلناها مشجباً نعلق عليه بعض همومنا، ونلقي عليه كل ما كان سيئاً، لذا سنتكلم بموضوعية.

ونقطة الانطلاق في هذا الشأن قناعتنا بثقة تامة أن الحركة الإسلامية فيها خير كثير، وفضائل وافرة، وتاريخ ناصع، وحاضر مبشر بمستقبل رائد، بعون الله تعالى، «ومن قال: هلك المسلمون، فهو أهلكهم».

وفي الوقت نفسه الحركة ليست معصومة، ولا تدعي ذلك، فربما حصل نوع من هذا الخلل هنا، أو القصور هناك، أو تكرس خطأ ما في زاوية من زوايا العمل، وظهرت مكامن ضعف، ونقاط قصور؛ مما يجب أن يسد ويعالج، لذا قالوا: لكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة.

هذا المنطلق ضرورة منهجية لبحث كل التفاصيل؛ لأنه بدون هذا المدخل سيكون الكلام عبثاً، وسيصب في خانة تضييع الوقت بطريقة أو بأخرى.

مظاهرها السلبية

وهذه المقدمة تؤكد أهمية الحركة وأبنائها، وعند ظهور الخلل لا بد من سده، فلا إفراط ولا تفريط، حيث إن «الدين النصيحة».

نريد إلغاء لغة الصراع في المسألة؛ لأنها تكون عامل تخريب وإفساد، وغالباً ما تؤدي إلى التنافر والبغضاء، وتشتيت الجهود، وبعثرة الطاقات، واستنزاف الطاقات بالقيل والقال، والتنافس غير الإيجابي، ومن مظاهرها السلبية سوء الظن، وانتشار الغيبة والنميمة، والتجريح وانتشار التهمة، بل ربما تطور الأمر إلى ما يشبه روح الانتقام، وهذا كله لن يوصلنا إلى الهدف المرجو، بل يدخلنا في كثير من الأحيان في أنفاق مظلمة، ودهاليز شوكية، يكون الخروج منها ليس بالأمر السهل، ونحن في النهاية نريد العنب لا قتل الناطور.

اتجاهات

هناك اتجاهات مختلفة في مسألة الأجيال وتوريثها، وتظهر مسارات فهم غريبة في بعض شعب تفكيرها، ومن هذه الاتجاهات تيار يرى أنه لا بد من أن تكون قيادة العمل من الشيوخ، والشيوخ والكهول فقط؛ لأنهم أهل الخبرة، وبيت الحكمة، ومنبع الأصالة، هم الذين صقلتهم التجارب، وصارت عندهم معرفة عميقة بالواقع، ويفهمون الأمور على حقائقها، فلا طيش يدفعهم، ولا عاطفة تسوقهم وتحركهم، يعرفون من أين تؤكل الكتف، ويجيدون لغة ضبط النفس، خصوصاً من مرَّ منهم بمحنة، وصبر وصابر، وتجاوز المحنة بجدارة، هذا الصنف من الشيوخ والكهول هو من يؤتمن على قيادة العمل، ويحافظ عليها من أن تدخل في ممرات الهلكة، أو تتغلغل في مسارب الضياع، وهذه الحركة أمانة في الأعناق لا بد من الوفاء بحقها، بحيث إن هذه الأمانة تبقى في إطار أهلها الحراس الأمناء، وهذا من باب وضع الإنسان المناسب، في المكان المناسب.

ومقابل هذا الفريق، يبرز فريق آخر، له نظرة أخرى، وتفكير معاكس، إذ يقولون بوجوب أن تكون القيادة شابة، فالشباب معدن الحركة، وأساس المجتمعات، وعناصر البناء، وهم الحماسة التي لا تخبو، والنشاط الذي لا يتوقف، كما أنهم صناع المجد، ورموز التجديد، على عاتقهم تقوم مشاريع النهضة، وعلى كاهلهم تكون نظرية الجهاد الشاملة، ويتراشق الطرفان التهم، فالفريق الأول يقول عن الثاني: لو تولى الشباب قيادة المشروع فسوف تقع الحركة بما لم تحمد عقباه، فطيش الشباب ورعونته، مصائبية النتائج، كارثية المخرجات، إلخ، والفريق الثاني يقول عن الأول: إن كل كوارثنا من القيادات المهترئة، والشيوخ الذين لا يعيشون عصرهم، كل شيء فيهم عتيق، وهذا له آثاره السيئة، ونواتجه المرة، ويسوقون لك الأمثلة، ويبالغون كما يبالغ من يقابلهم بنفس الأسلوب، وربما خرجت المسألة عن حدود الأدب، وكلهم يحتج بالحديث: «وإذا وسِّد الأمر لغير أهله، فانتظر الساعة».

والحق أن الفريقين لا يمثلان الاتجاه العام، في حركة العمل الإسلامي، رغم وجود الظاهرتين، وبروز نتوءاتهما في كثير من الأحيان في الوقت غير المناسب، واللحظة غير المريحة، أما التيار العام في التفكير بقضية الأجيال والقيادة هو مسار تحويلها إلى لغة التكامل، فهي مفتاح الخير لهذه القضية من قضايا العمل الإسلامي، إذ من المعلوم أن الحياة بجملتها العامة من الناحية السلطانية، والسياسية، والتركيب الاجتماعي، تتألف من ثلاثة أجيال؛ من البشر بصورة أساسية، جيل الشباب، والكهول، والشيوخ، ووجود هذه الأجيال الثلاثة، في تركيب أي حكومة أو مؤسسة أو حزب أو جماعة أو حركة، أو جمعية، أو رابطة، ضرورة لا بد منها، وهذا الذي يمضي عليه الناس، من إسلاميين، وغير إسلاميين، ومن يتابع سير الفعل لهذه الحقيقة يجدها جلية وواضحة.

ظروف المرحلة

نعم إن نسب الحضور بين هذه الأجيال لا بد له من لغة الحساب الموزون، وبرنامج عمل، يراعي ظروف المرحلة، لتكون نسبة هذا الجيل أكثر من ذاك في هيكل قيادة العمل، وهذا أمر بدهي، وبذاك ينجح العمل، فتجتمع حكمة الشيوخ وعميق تجاربهم، مع رزانة الكهول واكتمال نضجهم، مع حماسة الشباب، وقوة حركتهم، وعظيم طاقاتهم، وكبير نشاطهم، وتمضي سفينة الدعوة بأمان وسلام، حتى تصل إلى بر الهدف المرجو، وفي النهاية هي تكليف وليست تشريفاً.

وهذا الموضوع يحتاج إلى دقة وعناية، وسياسة شرعية، وتعاون أساسه المصلحة العليا للعمل، مع ملاحظة حاجة المرحلة، ومقومات مواجهة الحدث دون ردود أفعال.

قضية مرحلية

ومن يتابع تاريخ حركة العمل الإسلامي، يجد معنى التكامل هو السائد الأصيل، والصراع هو العارض الخطير، وحتى حركات الإصلاح التي تبدأ بجيل من هذه الأجيال، تضع في حسبانها أنها قضية مرحلية، ريثما يتم العمل على بناء الجسم بحضور هذه الأجيال الثلاثة في جسد العمل الواحد.

الرابط المختصر :