العنوان بعد مخطط التفجيرات الفاشل في السودان :قانون لمكافحة الإرهاب ولا إقصاء لتيارات سياسية
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998
مشاهدات 83
نشر في العدد 1309
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 21-يوليو-1998
هدأت الأحوال في عاصمة السودان بعد محاولة التفجيرات الفاشلة التي نفذها التجمع الوطني الديمقراطي، وتم احتواء الآثار الجانبية لهذه المحاولة، وتمكنت السلطات الأمنية من إلقاء القبض على معظم الجناة، الذين أدلى بعضهم باعترافات خطيرة، تؤكد تورط أحزاب الأمة والاتحادي والشيوعي والبعث.
أول ردود الأفعال التي أفرزتها مواد التفجيرات- التي طالت تسعة مواقع استراتيجية وحيوية ترتبط بحياة الناس اليومية- كانت من وزارة العدل، التي عكفت على قانون لمكافحة الإرهاب، باعتبار أن هذه الحوادث إرهابية، وتعطي مبررًا كافيًا لاستصدار القوانين اللازمة والكفيلة لمكافحة الإرهاب أيًّا كان مصدره، وتتحدث مجالس العاصمة السودانية عن ضرورة تنزيل الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب- التي وقعت عليها الدول العربية بالقاهرة قبل فترة- على أرض الواقع، والتنفيذ الفعلي لبنودها، ومعنى هذا أن يطالب السودان بتسليم قيادات التجمع الوطني الديمقراطي التي تتخذ من القاهرة مقرًا لها إلى السودان، لا سيما بعد الاعتراف الصريح لفاروق أبو عيسى- الناطق الرسمي باسم التجمع- بالوقوف وراء هذه التفجيرات، وذلك في إفادته لمحطة الإذاعة البريطانية القسم الإنجليزي، فضلًا عن اعترافات المتهمين، وتصريحات محمد عثمان الميرغني بنقل المعارك إلى داخل الخرطوم قبل أيام من حدوث التفجيرات.
العلاقات مع مصر
يخشى المراقبون أن تعود حوادث التفجيرات بآثار سلبية على العلاقات المصرية السودانية إذا طالب السودان بتسليم المخططين للحوادث، حيث كانت القاهرة قد رفضت قبل مدة وجيزة طلبًا رسميًّا الحكومة السودان بإبعاد قيادات المعارضة من القاهرة كشرط لإصلاح العلاقات مقابل الشروط المصرية، وكان مردود حوادث التفجيرات إيجابيًّا بالنسبة للحكومة والنظام ككل، حيث أضيف فشل المحاولة إلى القائمة الطويلة للفشل الذي لازم كل محاولات التجمع الديمقراطي لإسقاط النظام الإسلامي في السودان، وإقامة الحكومة العلمانية التي تفصل الدين عن السياسة وفق مقررات مؤتمر أسمرا.
وقد أجمع المواطنون بمختلف توجهاتهم على إدانة أسلوب التفجيرات في الصراع السياسي والتسابق نحو السلطة، على أساس أن هذا الأسلوب يعد غريبًا على الشعب السوداني، الذي لا يميل إلى العنف الصارخ في الصراع السياسي، خاصة بعد إجازة الدستور من المجلس الوطني والشعبي.
الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد المراقب العام للإخوان المسلمين بالسودان، وكاتب عمود «ما قل ودل» في صحيفة «أخبار اليوم» ندد بدوره في كتاباته بالمخطط الإجرامي، وقال: «لا تزال مرارة الانفجارات الأخيرة غصة في حلق كل مؤمن بدينه ووطنه»، وقال: إن الذي ينادي في أمته ووطنه بأنه زرع لهم الموت في كل شبر، وأنهم لن يجدوا للاستقرار مكانًا، ولا للطمأنينة، ولا للعافية مذاقًا، خليق به أن يدرك بأنه قد أعطى لكل واحد في البلاد إذنًا ممهورًا منه، إذا لقيه أن يقتص منه جزاء هذا الاعتراف.
ويشير صادق عبد الله بذلك لاعترافات فاروق أبو عيسى الناطق الرسمي باسم التجمع الديمقراطي، الذي يجمع المتمرد قرنق والميرغني والصادق المهدي والشيوعيين والبعثيين، ويتخوف بعض المراقبين من احتمال حدوث تراجعات كبيرة أو محدودة في الحريات والانفراج السياسي بعد التفجيرات، ولكن البعض الآخر يرى أن القوانين السارية- وهي قوانين الشريعة الإسلامية- كافية لمناهضة الإرهاب والتخريب، كما أن الدستور بنصوصه ومواده يشكل حماية وطنية وقانونية لمناهضة الإرهاب ومقاومته.
الدستور
ولكن تصريحات المسؤولين تؤكد ألا تراجع عن الدستور، فقد أدلى د. غازي صلاح الدين وزير الإعلام، والناطق الرسمي للحكومة، أن أحداث التفجيرات الأخيرة التي شهدتها الخرطوم مؤخرًا لم ولن تعطل نفاذ الدستور، وأضاف أن محاولات الإرهاب هي محاولات للانتكاس عن الدستور، إلا أننا نجدد التزامنا بالدستور، وأن التحقيقات والتحريات تجري مع المتهمين، وسيقدمون إلى محاكمة عادلة.
وأشار د. غازي إلى حادث انتحار أحد المتهمين في حوادث التفجيرات، ومحاولة آخر للانتحار، فقال: إن المادة السمية التي تم استخدامها هي مادة تستخرج من الخروع، وهي مصنوعة في الخارج، واتهم المخططين للعملية الإرهابية أنهم وراء تلك المادة السامة التي جلبت من الخارج؛ لينتحر بها المتهمون لإخفاء معالم الجريمة.
ويقول محمد الحسن الأمين والي شمال كردفان السابق، وأمين أمانة الشؤون السياسية بالمؤتمر الوطني: إنه لا يوجد اتجاه لإقصاء تيارات سياسية بعينها وفقًا للدستور، ولكن من يتجاوز الثوابت التي نص عليها الدستور، فلن يسمح له بالتنظيم السياسي، حيث لا مجال للتنظيمات الإلحادية، أو تلك التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، أما أصحاب التنظيمات الوطنية، وأصحاب البرامج الدينية والإصلاحية، فلهم أن يشكلوا تنظيمات إذا أرادوا.
ولتفادي البلبلة والحيرة يطالب البعض بالإسراع في إصدار قانون تنظيم الحياة الحزبية بمشاركة سياسية واسعة، تضم فعاليات من جميع ألوان الطيف السياسي كما كان الأمر مع اللجنة القومية للدستور، لوضع قانون يستفيد من التجارب السابقة في الحياة السياسية.
ومن المتوقع أن تسارع الحكومة في تكوين هذه اللجنة، وكذلك في تسمية أعضاء المحكمة الدستورية، التي ستكون من صلاحياتها تفسير نصوص الدستور عند التنازع بين الأطراف.
من ناحية أخرى فقد كشفت الاعترافات القضائية التي أدلى بها المتهمون بتفجيرات العاصمة السودانية عن مخطط خطير يتكون من ثلاث مراحل:
الأولى: تستهدف الإظلام التام للمدن الثلاث الخرطوم- الخرطوم بحري- أم درمان، وهي المدن التي تتكون منها العاصمة السودانية، بتفجير محطات الكهرباء الرئيسة التي تمد العاصمة، فحدث انفجار بخط الضغط العالي بسوبا، والقادم من محطة كهرباء خزان الدمازين، ومحطة الخرطوم بحري الحرارية، ومحطتي توليد بري وأم درمان، وكان هناك مخطط لم يتمكن المتهمون من تنفيذه في مدينة الدمازين ليبدأ الإظلام التام من هناك.
الثانية: القيام بالاغتيالات السياسية في جنح الظلام لقادة الإنقاذ والشخصيات العسكرية والمدنية التي تساند النظام الإسلامي في السودان، وبعد نجاح عمليات الاغتيال يبدأ التحرك العسكري كمرحلة ثالثة وأخيرة، وسيناريو التحرك كان مخططاً له كالاتي كما وصفها المتهم الأول واسمه شريف جبر الدار من أعضاء حزب الأمة الذي يرأسه الصادق المهدي:
١ - بعد التفجيرات وإغراق العاصمة في الظلام الدامس، وإكمال عملية الاغتيالات، يتم تحريك عدد من الجنود المعوقين إلى الشارع لإحداث انتفاضة، يتم عند خروجهم تفجير جامعة القرآن الكريم، ومسجد النيلين، وينك فيصل الإسلامي، ومؤسسة السلام والتنمية، وبعض منازل المنشية، ويتم تحريك الشارع كعمل سياسي لإنجاح الانتفاضة.
2- أثناء هذا التحرك يقوم أفراد بالسلاح الأبيض والمدفعية بحماية الانتفاضة عسكريًّا باستعمال السلاح الثقيل، وهذا ما كان يسميه الصادق المهدي بالانتفاضة المحمية، ويحدث تدخل خارجي لمساعدة المتآمرين لإسقاط النظام.