; المواقف الإفريقية: لماذا تتأثر بسياسة الصهيونية العالمية في المجال الدولي؟ | مجلة المجتمع

العنوان المواقف الإفريقية: لماذا تتأثر بسياسة الصهيونية العالمية في المجال الدولي؟

الكاتب أبو عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1985

مشاهدات 66

نشر في العدد 706

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 26-فبراير-1985

* احتلال إسرائيل للأراضي العربية عام 1967 كشفت عن حقيقتها التوسعية.

* إسرائيل كانت الواجهة للنفوذ الأمريكي في القارة الإفريقية.

* ثغرة كامب ديفيد هي البوابة الرئيسة لعودة إسرائيل.

سياسة الإغراء الاقتصادي

علاقات الكيان الإسرائيلي بدأت تتوثق مع بعض الأنظمة الإفريقية منذ الإعلان عن قيام دولة اليهود في قلب العالم الإسلامي، حكومة جنوب إفريقيا العنصرية ارتبطت بعلاقات متينة مع الصهيونية العالمية منذ ما قبل عام 1948، وكان هنالك تعاون وثيق بين العصابات الصهيونية ونظام الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا قبل إنشاء الكيان الإسرائيلي في فلسطين المحتلة. وذلك بسبب التشابه القائم بين النظامين العنصريين. أما بقية الدول الإفريقية ما عدا أثيوبيا فلم تكن لها علاقات مع دولة اليهود إلا في مطلع الخمسينيات عندما بدأت هذه الدول تحصل على حريتها واستقلالها في هذه الحقبة من الزمن تعرضت حكومات الدول الإفريقية المستقلة لسياسة إغراء صهيونية متنوعة تمثلت في معونات زراعية أو عسكرية أو فنية كانت إسرائيل تقدمها أو تعرضها على بعض هذه الأنظمة التي كانت حديثة عهد بالاستقلال، وكانت بحاجة إلى من يدعم استقلالها السياسي بمساعدات اقتصادية، وكانت تكره اللجوء إلى الدول الاستعمارية لطلب مثل هذه المساعدات، ولذلك وجدت إسرائيل آذانًا صاغية لدى بعض الحكومات الإفريقية التي دخلت معها في علاقات دبلوماسية واقتصادية قامت بموجبها مشاريع مشتركة بين إسرائيل وتلك الحكومات. وفتحت تل أبيب أبوابها لاستقبال مئات المتدربين الأفارقة وطلبة المنح الدراسية، وذهب إلى إفريقيا 8000 خبير إسرائيلي في سياق تعاون زراعي. كما حصلت بعض الدول الإفريقية على أسلحة ومعدات عسكرية من إسرائيل، وأنجزت شركات إسرائيلية مشروع مبنى البرلمان في سيراليون، وسوق البورصة في داهومي «بنين حاليًا» ومزارع نموذجية في زائير بتمويل من حكومة تل أبيب.

وقد استفادت إسرائيل من هذه السياسة الماكرة سياسيًا واقتصاديًا حيث أخرجتها علاقاتها الجديدة من العزلة التي كانت تعاني منها، وانفتحت أمامها أسواق إفريقية لتصدير منتجاتها الصناعية والزراعية من ناحية، واستيراد المواد الأولية اللازمة لصناعتها الحديثة من ناحية أخرى. وقد بلغت الصادرات الإسرائيلية لبلدان القارة 100 مليون دولار في الفترة ما بين 1950 – 1973.

الدور الأمريكي

لما أحست إسرائيل أن علاقاتها الإفريقية اتسعت وشملت دولًا كثيرة تعجز عن الاستمرار في تلبية احتياجاتها كما تقتضي ذلك سياستها الإغرائية، عملت تل أبيب على تعزيز علاقات الدول الإفريقية الصديقة مع الولايات المتحدة حليفة إسرائيل وولي نعمتها، وخاصة أن إسرائيل ليست سوى واجهة لحقيقة النفوذ الأمريكي في تلك الدول الإفريقية التي تعتبرها إسرائيل صديقة لها. ولهذه الحقيقة كانت واشنطن تشجع التغلغل الإسرائيلي داخل القارة الإفريقية التي كانت دولها في أول أعوام الاستقلال حساسة لكل ما هو غربي، ومن هنا كانت أمريكا ترى في إسرائيل رأس حربة للدخول إلى أعماق القاهرة، وكانت تقدم أموالًا طائلة لإسرائيل لتوزعها هذه الأخيرة على دول إفريقية في سبيل توثيق علاقاته مع تلك الدول، ومن ثم ربطها بعجلة النفوذ الأمريكي. وكانت واشنطن لا تقيم علاقة ود وصداقة مع أي دولة إفريقية إلا إذا كانت صلاتها وثيقة مع إسرائيل. واتضح ذلك الموقف الأمريكي الغريب عندما رفضت واشنطن استقبال الرئيس الزائيري موبوتو قبل عودة علاقات بلاده مع إسرائيل، وبعدما عادت هذه العلاقات استقبلت الإدارة الأمريكية الرئيس موبوتو بحفاوة، وأبدت له عن استعداد واشنطن التام لتقديم المساعدات التي تحتاج إليها زائير في جميع المجالات وخاصة المجال العسكري. وكذلك لم تخف أمريكا بهجتها بعودة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وليبيريا.

قطع علاقات

بعد حرب الاستنزاف التي دارت بين إسرائيل والعرب في يونيو 1967 والتي مكنت إسرائيل من أراضي دول عربية مجاورة، ظهرت حقيقة الكيان الإسرائيلي التوسعية للحكومات الإفريقية التي أدركت ربما لأول مرة التطابق في الشكل والأهداف بين إسرائيل وجنوب إفريقيا العنصرية ألد أعداء القارة الإفريقية. وذلك في ضوء الجهود التي بذلتها بعض الدول العربية التي بدأت منذ ذلك الوقت في قطع علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب احتجاجًا على احتلالها للأراضي العربية بالقوة. وبدأت صورة إسرائيل تتزعزع في القارة إلى أن وصلت العلاقات الإفريقية الإسرائيلية الرسمية بشكل عام إلى نقطة الصفر عندما اتخذت منظمة الوحدة الإفريقية أثناء قمة طارئة في عام 1983 عقب حرب أكتوبر قرارًا جماعيًا يطالب جميع الدول الإفريقية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل تضامنًا مع الدول العربية حتى تنسحب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها عام 1967م وتعيد للشعب الفلسطيني حقوقه المغتصبة. وقد تم تطبيق هذا القرار من طرف جميع دول القارة ما عدا ثلاثة بلدان هي: ليسوتو وملاوي وسوازيلاند وتقع جميعًا في جنوب القارة.

خيبة أمل

تمسكت الدول الإفريقية بقرار منظمة الوحدة رغم العلاقات الاقتصادية والتجارية المتينة التي كانت بين بعض الأنظمة الإفريقية والكيان الصهيوني، والتي كانت تستفيد كثيرًا بالمساعدات والخيرات الإسرائيلية التي خسرتها عندما قطعت علاقاتها مع إسرائيل، وكان أمل الدول الإفريقية كبيرًا في أن تسد الدول العربية ذلك الفراغ الاقتصادي الذي تركته المقاطعة الإفريقية لإسرائيل، وخاصة أن الروابط التاريخية والمصيرية والدينية والاجتماعية التي تربط بين الدول الإفريقية والعربية أعمق وأوثق بكثير من روابط الحكومات الإفريقية مع إسرائيل. لكن مع الأسف لم ترتفع المساعدات العربية إلى مستوى الطموحات الإفريقية رغم توصيات مؤتمر القمة العربية الإفريقية التي انعقدت في القاهرة عام 1977، وقد رفضت الدول العربية المنتجة للنفط طلبًا تقدمت به الدول الإفريقية لدى الجانب العربي من أجل الحصول على سعر تفضيلي للنفوط العربية، يراعي الوضع الاقتصادي الإفريقي المتدهور. كما أن المصرف العربي للتنمية إفريقيا الذي أنشئ خصيصًا لمعالجة الوضع الاقتصادي في إفريقيا لم يقدم حتى عام 1983 أكثر من 740 مليون دولار لمجموع 37 دولة إفريقية. أما الاستثمارات العربية في القارة في نفس الفترة لم يتجاوز 7% من مجموعة الاستثمار العربي في العالم. لقد شجع هذا الموقف العربي المتردد الطرف الصهيوني الذي ظل يرتقب الفرص المواتية للعودة إلى القارة، وجعل إسرائيل تستغل هذا الموقف للتغلغل اقتصاديًا على الأقل إلى بلدان القارة التي اعتادت على تلقي المساعدات منها وخاب رجاؤها في الحصول على التعويض لدى الجانب العربي. وهكذا بدأت الشركات الإسرائيلية انتشارها من جديد لتنفيذ مئات المشاريع الإنشائية في دول مختلفة بالقارة، وصلت تكاليفها مئات الملايين من الدولارات، بالإضافة إلى المساعدات العسكرية.

ثغرة كامب ديفيد

بيمنا كانت إسرائيل تبذل جهودًا كبيرة للعودة إلى القارة من خلال علاقاتها الاقتصادية مع بلدان في القارة، كانت إدارة كارتر تقوم باتصالات مكوكية بين القاهرة وتل أبيب انتهت بالتوقيع الثلاثي «أمريكا – إسرائيل – مصر» على اتفاقية كامب ديفيد التي أعادت سيناء إلى مصر مقابل إنهاء حالة الحرب بين القاهرة وتل أبيب، وقيام علاقات دبلوماسية بينهما. وقد اعتبر الموقف المصري في إبرام علاقة دبلوماسية مع الكيان الصهيوني خرقًا فاضحًا لقرار منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1973 وقرارات الجامعة العربية المناهضة لإسرائيل، لذلك طلعت أصوات الاحتجاجات العربية والإفريقية للتنديد بهذه الاتفاقية.

ولم تتأخر إسرائيل عن استغلال هذه الفرصة للترويج بعودة العلاقات الإفريقية الإسرائيلية بحجة أن عودة سيناء لمصر تسقط حجة الدول الإفريقية في قطع علاقاتها مع إسرائيل، حيث كانت بعض دول القارة قد أقدمت على قطع علاقاتها مع تل أبيب احتجاجًا على احتلال سيناء التي تعتبر جزءًا من القارة الإفريقية، ورغم أن هذه الحجة الإسرائيلية كانت واهية وواضحة في المغالطة، حيث إن الدول الإفريقية لم تقطع علاقاتها من أجل مصر أو سيناء فقط، بل من أجل القضية الفلسطينية برمتها - أقول رغم ذلك- فإن الدعاية الإسرائيلية أثرت على سياسات بعض الأنظمة الإفريقية التي كانت على علاقة اقتصادية سرية مع تل أبيب، مثل زائي التي أعلن رئيسها موبوتو عودة علاقات بلاده الدبلوماسية مع تل أبيب عام 1982، وكذلك ليبيريا التي استأنفت هي الأخرى علاقاتها في عام 1983.

وهكذا تمكنت سياسة الإغراء الاقتصادية التي انتهجتها تل أبيب من التأثير على مواقف وسياسات بعض الأنظمة الإفريقية، وعجزت الدول العربية عن سد الفراغ الذي شهده الاقتصاد الإفريقي بعد طرد إسرائيل من القارة تأييدًا للقضايا العربية، كما أصبحت ثغرة كامب ديفيد البوابة الرئيسية لعودة إسرائيل التدريجية إلى بلدان القارة. 

الرابط المختصر :