العنوان تفسير ساذج لكنه شائع (۲).. الاحتماء بالتاريخ واستحضار أحداثه ليس عيبًا
الكاتب نور الدين العويديدي
تاريخ النشر السبت 20-أكتوبر-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1473
نشر في الصفحة 66
السبت 20-أكتوبر-2001
عرفت المنطقة العربية والإسلامية طيلة تاريخها الطويل حركات إحياء وتجدد ذاتي لم تنقطع، فكان المصلحون والثائرون على تردي الأوضاع وسوئها يلجؤون إلى النص الإسلامي، المؤسس لهذه الأمة، وإلى التنزيل العملي لذلك النص في العهد النبوي والراشدي، يستلهمون منه العبر والدروس ويعتمدونه دليلًا موجهًا لعملهم الثوري أو الإصلاحي.
وعلى هذه القاعدة قام كثير من الدول العظيمة في تاريخ الإسلام. ونحن نجد في مقدمة العلامة عبد الرحمن بن خلدون تأريخًا لهذه الظاهرة المهمة في التاريخ الإسلامي يتناولها في الفصول الرابع والخامس والسادس من الباب الثالث من المقدمة، وفي فصول أخرى متناثرة، إذ «الدولة العامة الاستيلاء العظيمة الملك «لدى صاحب المقدمة» أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق»، ودعوة الحق -حسب ما يظهر من سياق النصوص الخلدونية- هي دعوات التجديد والنهوض التي لم يخل منها تاريخ الإسلام. حتى إذا تفسخت تلك الدولة العظيمة الملك وعراها الوهن كان عالم أو مصلح يلف من حوله جماعة يتهيأ بها لبناء دولة قوية تعيش فترة من الزمن -تطول أو تقصر- ثم تكون الحاجة ماسة لبث روح جديد في جسمها المتهالك الذي نخره الزمن أو أن يستبدل به كيان جديد.
ونحن إذ نحيل على ابن خلدون الذي أرخ لهذه الظاهرة، فإنما لنؤكد أن ظاهرة الإحياء والتجدد الذاتي في المجتمعات الإسلامية ظاهرة غير جديدة، وأنها ظاهرة أصيلة في تاريخ الإسلام، قد توظف العامل العصبي القبلي أو غيره من العوامل ولكن يظل هاجسها المعلن «الاقتداء بالسلف الصالح، وتحكيم الكتاب وملء الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا».. إلخ.
ومما لا شك فيه أن الظواهر الكبرى التي تحكم فترات تاريخية مهمة من عمر أمة أو شعب لا يمكن شطبها أو محو آثارها بسهولة. إذ تظل تلك الأمة أو ذلك الشعب يلجأ إلى معين ذاكرته التاريخية الخصبة يستمد منها الأشكال والوسائل المناسبة للتفاعل مع واقعه ومستجدات عصره فيغير من تلك الوسائل والأشكال بحسب حاجة عصره، من دون أن ينقطع عن تاريخه أو واقعه.
ويجب الاستحضار -أثناء تفسير الظاهرة الإسلامية- لبعد الاحتماء بالتاريخ الزاهر والماضي التليد في مواجهة الواقع المتسم بحالة من التردي والضعف العام سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا، والمتسم بحالة الهزيمة المتعددة الوجوه.. وهو ما من شأنه أن يفرز ظواهر مثل الظاهرة الإسلامية وليست العودة إلى التاريخ لتستلهم منه الدروس والعبر ويتم التواصل مع تجاربه ورموزه المشرقة من الأمور التي تعاب على أي أمة أو شعب في مرحلة هزيمة، فهو رد تلقائي وبسيط ومفهوم.
وقد ينظر إليه البعض باعتباره حالة نكوصية ارتدادية. ولكن علينا أن نتذكر أن كثيرًا من عمليات النهوض إنما تتم من خلال تلك العودة إلى الماضي من أجل إحيائه وتجديده والاستفادة من القيم الحية فيه، وليست عملية النهوض الغربي ذاتها من حالة السبات الذي عرفته أوروبا في قرونها الوسطى إلا مسارًا قد مر بلحظة العودة إلى الماضي الروماني واليوناني، لمواجهة سلطة الواقع الآسن.
كما يجب أيضًا استحضار عامل رد الفعل عن استبعاد الإسلام عن تنظيم الشأن العام جملة وتفصيلًا بالقوة الغاشمة. لقد كانت مظاهر الخلل التي عرفتها الدول الإسلامية طوال تاريخ المنطقة، تقتضي تصحيحًا وصحوة ذاتية وذلك بالرغم من أن تلك الدول لم تخل من شكل من أشكال الحكم الإسلامي والتزام الموازين الإسلامية، فكيف يكون الحال عندما يتم استبعاد الإسلام جملة إن هذا الوضع يقتضي أكثر من غيره ردًا، وهذا الرد، هو الصحوة الإسلامية التي تنتشر سعيًا لإعادة إحياء الإسلام في المجتمع والدولة، ومما يدعم هذا الرأي أن نعلم أن التأسيس التنظيمي لأول تجربة تنظيمية وسياسية إسلامية قد تم بعد سنوات قليلة من إلغاء الخلافة العثمانية، وهو الحدث الذي أحدث في الواقع -كما في النفوس- فراغًا عظيمًا، كان لا بد من محاولة ملئه والرد عليه.
وعليه فإن التفسير بالعامل الاقتصادي والاجتماعي وحده لظاهرة معقدة، يتداخل فيها التاريخي والثقافي والديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، تفسير بسيط وسطحي وساذج لا يمكنه الصعود أمام الامتحان، وهو يعبر فيما يعبر عن كسل ذهني من ناحية، وعن عماء وصمم أيديولوجيين من ناحية أخرى.
فالنظرة الأيديولوجية العلمانية المتطرفة تحرص على ألا ترى في الحركة الإسلامية المعاصرة سوى صورة أزمة وانعكاس الأزمة وترفض أن تنظر إلى الأسباب الحقيقية التي تشكل أساس وجود الظاهرة وأساس الحاجة الثقافية والسياسية والاجتماعية إليها، لأن في ذلك الاعتراف ما يعطي مشروعية للظاهرة تحرص النظرة الأيديولوجية المتعصبة المعادية للحركة الإسلامية على أن تحرمها منها.
وكما سبق أن أكدنا فإن العاملين الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن استبعادهما، في محاولة البحث عن العلل المفسرة لتجدد الظاهرة الإسلامية وتناميها. فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية حضورها البارز والمهم لكن التفسير بهذه العوامل منفردة ووحيدة هو ما أردنا الاعتراض عليه وهو مذهب كثر الأخذ به –للأسف- لدى دارسين عرب وغير عرب، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة جادة ورصينة لتجاوزه والانفكاك من أسره.