العنوان تأملات تاريخية: المصفقون والانتهازيون أداة هدم وتخريب في جسم الأمة!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1983
مشاهدات 63
نشر في العدد 635
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 30-أغسطس-1983
تروي كتب التاريخ أن الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور سمع رجلًا يقول في الطواف: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع فاستدعاه، فقال له ما هذا الذي تدعو به؟ ومن الذي دخله الطمع والظلم؟ فقال الرجل: إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق، وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض هو أنت؟
قال المنصور: ويحك! وكيف يدخلني الطمع والصفراء «الذهب» والبيضاء «الفضة» «في يدي» والحلو والحامض في قبضتي! قال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الله استرعاك أمور رعيته بجمع أموالهم فأغفلت أمورهم وجعلت بينك وبينهم حجابًا من السلاح، واتخذت وزراء وأعوانًا ظلمة، إن نسيت لم يذكروك وإن تذكرت لم يعينوك، وقالوا هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا به فأتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، وألا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمرًا إلا أقصوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره فما يقام الإسلام وأهله على هذا، فقال المنصور: كيف أفعل ولم أر من الناس إلا خائنًا؟ قال الرجل: الزم الحق يتبعك أهله، وانتصر للمظلوم من الظالم، وامنع المظالم، وأنا ضامن على أن من هرب منك من أهل الخير يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك فقال المنصور اللهم وفقني لذلك.
*****
وتاريخ الإسلام حافل بمثل هذه المواقف التي يقف فيها المسلم صادعًا بالحق دون خوف ولا وجل من حاكم أو قائد أو متسلط وهو موقف نحن في أمس الحاجة إليه في حاضرنا المعاصر..
سلوا التاريخ: هل أفل نجمنا وزالت دولتنا وقلت هيبتنا أمام عدونا واغتصبت أرضنا ومقدساتنا إلا يوم أن فقدت الأمة أمثال هؤلاء الرجال الأفذاذ؟
سلوا التاريخ... أليس ما نحن فيه من ذلك وهوان سببه عدم انصياع حكامنا لنصح الناصحين وإحاطة أنفسهم ببطائن سوء ظالمين.
حقيقة يجب أن نقولها وعلى عامة المسلمين وولاة أمورهم أن يدركوا جوهرها وهي أن البناء لا يقوم إلا على كواهل وعقول الرجال الذي يجهرون بالحق والصواب عند طوفان الباطل والخطأ وإن هؤلاء المصفقين والانتهازيين ليسوا إلا أداة هدم وتخريب في جسم الأمة؟!