; فقه الفطرة | مجلة المجتمع

العنوان فقه الفطرة

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-2000

مشاهدات 56

نشر في العدد 1415

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 29-أغسطس-2000

  • عالم الجنس اليوم خرج عن الفطرة واتخذ أنماطًا من الممارسات الجنسية القذرة الممعنة في الحيوانية.

  • الخروج عن فطرة الخالق سبحانه أورد البشرية موارد مهلكة لم ولن يكون آخرها جنون البقر.

لا ينحصر الشذوذ في الممارسات الجنسية المخالفة للفطرة أو الطبيعة فحسب.. كاللواط والسحاق، والزني، وإنما يغطي الشذوذ كل المساحات التي يتم التعامل معها بشكل غير فطري، وغير طبيعي. 

ماذا نعني بالفطرة؟ الفطرة تعني التزام التعامل مع كل قضية وفق النواميس الكونية والسنن الإلهية، ووفق المنهجية المتناسبة مع المعايير والقوانين والقواعد الربانية المتوافقة معها بشكل دقيق والتي أشار إليها موسى -عليه السلام- عندما سأله فرعون قائلًا: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ٥٠﴾(سورة طه، آية: 50). 

كما يتجلى في قوله صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «كل ميسر لما خلق له»، وقوله صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «يولد الولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»... فأعضاء الإنسان -كل أعضائه- تعمل وفق سنن وأنظمة دقيقة...

فالجهاز الذهني، والجهاز العصبي والجهاز التناسلي، والجهاز السمعي والبصري، والحواس المختلفة كحاسة اللمس والشم والتذوق كل ذلك وغيره يعمل وفق برمجة إلهية فطرية ترفض أي تغيير لها أو عبث بها ويؤدي حصول ذلك إلى خلل في الجهاز نفسه وفي سائر الأجهزة بقدر نسبة التعدي على ما هي مفطورة عليه: 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ٣٠﴾ (سورة الروم، آية: 30). 

فالجهاز الهضمي مثلًا تبدأ فطرية التعامل معه بمضغ الطعام جيدًا، ثم يأخذ المقدار اللازم منه وفق التوازن الذي يشير إليه الخطاب النبوي «ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه، وثلث لنفسه...» رواه الترمذي عن المقدام بن معد يكرب.

أما ملء البطون، وعدم مراعاة القواعد الصحية الفطرية فهو نوع من أنواع الشذوذ الذي يحمل معه العواقب المرضية الوخيمة على صحة الإنسان وحياته، هذا بالإضافة إلى ما يسببه من خلل وإرهاق للأجهزة الأخرى، وحتى الذهنية منها، لأن تشابك عمل الأجهزة العضوية يجعل منها وحدة متكاملة يتأثر بعضها ببعض سلبًا أو إيجابًا وصدق رسول الله صلى اللهُ عليهِ وسلمَ عندما قال: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء».

وعملية النوم التي يجب أن تتم وفق المنهجية الربانية الفطرة في أول الليل وليس في آخره وعلى أساس القاعدة القرآنية المتمثلة في الآيات التالية:

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (سورة النبأ، آية: 10 – 11).  

﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة النمل، آية: 86).    

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (سورة يونس، آية: 67).  

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا٤٧﴾ (سورة الفرقان، آية: 47).   

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (سورة الروم، آية: 23).   

هذه العملية إن تمت وفق شذوذ القاعدة -وكما هو حاصل اليوم في كثير من بلدان العالم- حيث لا يأوي الناس إلى فراشهم إلا في ساعات متأخرة من الليل، ترتب عليها مضار كثيرة صحية ونفسية وعصبية واقتصادية وغيرها والذي يعرض فطرة النوم للخلل يتسبب حتمًا بتعريض غيرها للخلل، ومن غير أن يشعر ابتداءً ولكنه سيكتشف ذلك انتهاءً وبعد فوات الأوان لأن هذه العادة تصبح نوعًا من أنواع الإدمان، الذي يصعب الإقلاع عنه!! 

بل إن كثيرًا من هؤلاء قد يلجؤون في النهاية إلى استعمال العقاقير المنومة والمهدئة بعد أن تكون الأعصاب قد أصبحت في حالة شديدة من التوتر بسبب الافتقار إلى النوم الفطري المريح.

ومما لا شك فيه أن التوتر العصبي أو التشنج ينعكس سلبًا على عمل القلب والجهاز الهضمي والتنفس، ويسبب أمراضًا خطيرة.

في الولايات المتحدة يعاني نصف الأمريكيين من الأرق واضطرابات النوم، وقد ازدادت هذه النسبة عما كانت عليه، ويشرح الدكتور ألن باك المدير الطبي للمؤسسة الوطنية لأمراض النوم -الذي أشرف على استطلاع خلص إلى النتيجة المذكورة- سبب هذا المرض قائلًا: إن طبيعة الحياة المعقدة في المجتمع الحديث قد أفقدت الكثيرين قدرتهم على التمتع بالنوم... بسبب زحمة العمل وتوتر الأعصاب. الشرق الأوسط العدد ٦٢٤٧.

يقول الدكتور صبري القباني في كتابه «طبيبك معك» ولا يخالف أحد أن باستطاعته تعويض ما فاته من نوم ساعات الليل ويا بعد ما بين هيمنة الظلام الهادئ الساكن، وبين انتشار النور الخاطف للأبصار والمثير للأعصاب ويستغرق النائم عادة في نومه آخذًا القسط الأوفى من راحته في ساعاته الأولى، لهذا كانت الفائدة المجتناة من نوم ما قبل منتصف الليل، ضعف الفائدة المتوخاة من نوم ما بعد منتصف الليل. 

ويقول جورج الفرد تينيس «أحد أتباع ثيودور ستوكمان» ألماني صاحب نظرية النوم الطبيعي القائلة إن اليوم الذي يسبق منتصف الليل تكون له ضعف القدرة على إعادة العافية إذا قيس بالنوم الذي يعقب انتصاف الليل «الصباح هو أفضل الأوقات وأنسبها للعمل لأننا نكون عندئذ قد استعدنا حيويتنا وأصبحنا أكثر مرونة ونشاطًا واستجابة للتنبيه، أو بعبارة أخرى، تكون أكثر حظًا، في تمتعنا بخصائص الشباب».

وما يسمى اليوم «بالريجيم» والذي اتخذ أشكالًا وأساليب شتى قد يكون بعضها مخالفًا للفطرة ومتسببًا بأضرار صحية جسيمة.

أعرف قريبة كانت تأكل بلا حساب وخارج فطرية الغذاء حتى أصبحت ممتلئة البدن وغير مقبولة الشكل وبخاصة من زوجها، فلما أحست منه ذلك سارعت إلى اعتماد ريجيم صارم، دفعة واحدة ودون تدرج، فأصيبت بالهزال وفقدان المناعة إلى أن ابتليت بمرض «السحايا - التهاب الدماغ»، وأدخلت المستشفى في حالة الخطر الشديد، ثم رد الله لها عافيتها بعد فقدان الأمل..

إن حاجة الجسم إلى الأغذية المتنوعة تبعثها الغدد من خلال الإحساس بالرغبة في تناول هذا الطعام أو ذاك، ومن الفطرية مراعاة التجاوب مع هذه الرغبات دون تفريط ولا إفراط، لأن عدم التجاوب مع هذا الإحساس الفطري، يعتبر لونًا من ألوان الشذوذ كذلك.

والعملية الجنسية تبدأ فطريتها من خلال العلاقة الزوجية، وتصبح شاذة خارج ذلك، ويكون الجماع في موضع الحرث «القبل»، فإن كانت في غير ذلك غدت شذوذًا.. ويشترط ألا تكون في أوقات الحيض، فإن كانت كذلك، كانت مخالفة للفطرة.

وعالم الجنس اليوم خرج بالكلية عن الممارسة الفطرية، فلم تعد علاقة بين الزوج وزوجته أو حتى بين رجل وامرأة أجنبية بل اتخذت أنماطًا من الممارسات الجنسية القذرة الممعنة في الحيوانية، حيث الممارسات الجماعية، بين الذكور والإناث، وبين الذكور والذكور، كما بين الإناث والإناث، بقصد الوصول إلى المتعة القصوى، ولكن ليس من حدود.

وصدق الإمام البوصيري حيث يقول:

والنفس كالطفل إن تهمله شب على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها *** إن الطعام يُقوي شهوة النهم

فاصرف هواها وحاذر أن توليه *** إن الهوى ما تولى يعم أو يصم

ولقد بلغ الجنون والهوس الجنسي اليوم درجة باتت تهدد المجتمعات العالمية بالأوبئة الفتاكة.. وما فضائح تجارة دعارة الأطفال إلا مقدمات لا ينتظر البشرية من ويلات تفوق ويلات الحروب، وتبدو الصورة في هذا المجال قاتمة للغاية، عبر الممارسات التي يطلع بها علينا أصحاب الشهوات الجامعة والرغبات الشاذة، وأبرز ما يذكر في هذا المقام:

شرعنة مخالفة الفطرة في الزواج

إن الشذوذ الجنسي ومخالفة الفطرة في الزواج، أخذ طريقه عبر التشريعات والقوانين.. فقد راح الكثير من الدول، وحتى بعض الكنائس العربية في بريطانيا تحديدًا، تجيز الزواج المثلي الأحادي الجنس مشرعة بذلك اللواط والسحاق اللذين يعتبران أبرز أنواع الشذوذ والخروج عن الفطرة، وأحد الأسباب الأساسية لانتشار الأوبئة المهلكة في المجتمعات البشرية بحكم أنها تؤدي إلى فقدان الإنسان للمناعة البشرية المكتسبة.

يقول الباحث أيوب الشامي في مقال له نشر على صفحات مجلة الحياة الصحية، الصادرة في لبنان عدد أغسطس ١٩٩٦م إن مرض الإيدز أو السيدا، وكل مرض آخر هو قديم قدم الحياة، وقد صحب الإنسان في كل زمان ومكان، وأن أسباب استشرائه تعود إلى إضعاف المناعة النفسية الجسدية بالشذوذ، وإتلافها بالجنس والمخدرات والكحول والإرهاق والعقاقير، بحيث تصبح الفيروسات والجراثيم أقوى من حيويات صمودها، لتموت تلك المناعة.

دعارة الأطفال..

والإغراق في الشهوة الشاذة

تفيد المصادر الإعلامية أن ملايين الأطفال يقعون ضحية عصابات الدعارة والشذوذ الجنسي، وما حدث في بلجيكا على سبيل المثال لا الحصر. يعطي نموذجًا واضحًا لما آلت إليه أوضاع البشرية من جراء انحدارها وبعدها عن الفطرة.

ففي هذا البلد الأوروبي اكتشفت عصابات تقوم على تجارة الأطفال الجنسية وقتلهم بعد اغتصابهم، والأنكى من ذلك، أن الرأي العام البلجيكي والعالمي اكتشف تورط مسؤولين حكوميين في الفضيحة، مما استدعى ردات فعل قوية ستؤدي إلى تغييرات دستورية مهمة، والأمر نفسه يحدث الآن في بريطانيا وعدد آخر من دول العالم.

لكن أبشع ما يمكن تصوره من صور الخروج عن الفطرة، هو تلك الظاهرة الخطيرة المنتشرة في المجتمع الأمريكي حيث تقدم الأمهات باغتصاب أطفالهن، وحيث تقول الإحصاءات «مجلة كوزموبوليتان»، إن ما لا يقل عن أربعة أطفال يقتلون يوميًّا على أيدي أهاليهم، وألوفًا آخرين ينتظرون في كل ثانية «الموت»، لكي ينقذهم من الضرب اليومي والتحرش الجنسي المستمر من أمهاتهم.

شهوة حتى الموت!!

إن الاستمرار في الدوران ضمن دائرة المادة والشهوة الطبيعية المفرطة عنها، والشاذة على حد سواء أدى إلى إيجاد أنواع خطيرة من هذه الشهوات الجنسية، ومنها شهوة الموت تحت وطأة التعذيب الجنسي، وذلك أن هناك من يحاول خنق نفسة إلى درجة معينة للحصول على المتعة الجنسية، وهذه «الصرعة» تُسمى المازوشية، كما يذكر الدكتور حنا خوري في مجلة طبيبك - العدد ٤٦٢ ص ١٢، وقد أدى الإغراق في هذا الشذوذ إلى حالات الموت التي أشرنا إليها، ومما رصد في هذا السياق، ما أوردته الصحافة الحياة، الأول من أكتوبر ١٩٩٦م حول قيام ابنة أحد الحاخامات اليهود وتدعى «شارون لوياتكا»، بطلب قتلها على يد رجل يلبي طلبها بأن يعذبها جنسيًّا، ثم يخفق أنفاسها ويقتلها، وقد سخر للوصول إلى هذا الهدف الشنيع آخر تقنيات الإنترنت، وقد عثر على المرأة فيما بعد جثة هامدة، بعد أن هجرت زوجها وبيتها. 

والفطرة النفسية والعصيبة والتي تُكسب صاحبها المناعة، في تلك التي تجعل الأعصاب مرتاحة والنفس طيبة مطمئنة، ولكن أنى للنفس والأعصاب أن تكونا كذلك والإنسان يمارس كل لون من ألوان الشذوذ، ويخالف الفطرة التي فطره الله عليها في كل شيء في طعامه وشرابه، ونومه وتجارته وعلاقته الجنسية ومعاملاته التجارية وحياته الاجتماعية والسياسية ...إلخ.

أما المؤمن فإنه يفر لدي شعوره بالتعب والغضب والتوتر إلى الله متمثلًا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ٢٨﴾ (سورة الرعد، آية: 28).  

ومتأسيًّا برسوله الكريم الذي يطلب إلى بلال «مؤذنه» قائلًا: «أرحنا بها يا بلال» أي أقم الصلاة فيما رواه أبو داود والإمام أحمد أن الرسول صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قال: «... وجعلت قرة عيني في الصلاة». (رواه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن أنس بن مالك) وذلك لما كان الرسول الكريم يجد فيها من راحة نفسية كبيرة وطمأنينة روحية وبعد عن الغفلة التي تصرف الإنسان عن رسالته السامية في هذه الحياة. 

وهذا هو حال المؤمنين الصادقين، أما غير المؤمنين فإنهم يلجؤون إلى ما يظنون أنه سينسيهم حالهم وينتقل بهم إلى حال أحسن وأفضل.

  • يلجؤون إلى معاقرة شتى أنواع الكحول. 

  • إلى مزيد من الممارسات الجنسية الشاذة.

  • إلى تناول المخدرات.

ولما كانت تلكم الطرق لا تحقق الغاية المنشودة والسعادة المفقودة فيصابون بالأمراض الفتاكة أو يلجؤون إلى الانتحار أو القتل، وهو قمة الشذوذ، من خلال إهلاك الروح وإعدام هذا الكيان الذي استودع الله فيه فطرة حب البقاء.

فضلًا عن أن حوادث الانتحار أصبحت حالة ملازمة للمجتمعات الغربية تحصد سنويًّا آلاف الضحايا، أخذ التفكير الشاذ يتفتق باتجاه تطوير عمليات الانتحار وها هو أحد أطباء الغرب الأمريكي جون كيوفوركيان يطالب السلطات الأمريكية بما يسميه حق الموت للمرضى الذين لا يرجي شفاؤهم -حسب التقديرات الطبية- ولا يجد هذا الطبيب بأسًا في أن يسمي هذه العملية بـ«القتل الرحيم»، وقد نفذ كيفور كيان، عدة جرائم وسلم في أسبوع واحد أربع جثث إلى غرفة الطوارئ في أحد مستشفيات ديترويت.

في هذا الوضع دفع الدكتور ليندا أسامويل، نائب رئيس مجلس الأطباء الأمريكيين إلى القول: في وقتنا الحاضر أصبح كل ما هو غريب أمرًا طبيعيًّا والأشياء المروعة لم تبق مروعة وفي هذا المناخ يمكن أن تقع أحداث مفزعة.

نماذج من مخالفة الفطرة

مخالفة الفطرة في إرضاع الأطفال الحليب المجفف، قال تعالى:

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ...﴾ (سورة البقرة، آية:233). 

لقد اهتمت دولة الإسلام بحق الطفل في الرضاعة من أمه، حيث وضع ضمان اجتماعي يقضي بدفع مبلغ معين للطفل بعد فطامه، وقد أدى هذا القانون إلى استغلاله من قبل من يحتاج ذلك المال من الفقراء فصارت الأم تفطم وليدها قبل أولته إلى أن جاء عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي لاحظ أن هذه الظاهرة قد تؤذي الأطفال بسبب عدم اكتفائهم من الرضاعة، لذلك غير هذا القانون، وأمر بأن يعطي هذا الضمان للجميع من أول يوم يولد فيه الطفل، مما أدى إلى تشجيع الأمهات على الاستمرار في إرضاع أطفالهن الرضاعة الطبيعية التي حرص السلف الصالح على الاستمرار في تشجيعها والاستمرار بها، ومن المعلوم أن للرضاعة من الأم فوائد عديدة، صحية ونفسية.

أما الفوائد الصحية، فتكمن في إكساب الرضيع المناعة الطبيعية اللازمة، والبنيان الجسدي المتين على كل المستويات.

وأما الفوائد النفسية، فتتلخص في إكساب الرضيع الدعة والهدوء والسكينة، والطمأنينة المترافقة مع لمسة الأم الحانية والرعاية والاتصال المباشر بينها وبين طفلها، الأمر الذي يؤهله للنشوء وفق نفسية متزنة ومرتاحة بخلاف طفل الرضاعة الاصطناعية، والحليب المجفف الذي غالبًا ما تتركه والدته في الرضاعة في السرير أوقاتًا طويلة، تحرمه حنانها أو عاطفتها التي يحتاج إليها بقدر حاجته إلى الغداء.

هذه الفوائد، أصبحت محط إجماع عالم الطب والصحة اليوم، مما حدا بالمنظمات والجمعيات الصحية في جميع أنحاء العالم إلى الاتفاق على ضرورة توعية البشر لأهمية الرضاعة الطبيعية بالنسبة الطفل سواء في الدول الصناعية، أو دول العالم الثاني، كما يؤكد الدكتور عبد الوهاب الإدريسي أستاذ الطب في جامعة الملك سعود..

غياب المسلمين من فطرة الإرضاع

استطاعت الهجمة الإعلامية التي شنتها وسائل الإعلام الغربية للتأثير في نمطية الحياة الصحية التي يعيشها المسلمون استقاءً من هدى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة اللذين وضعا لأتباعهما الأسس المنهجية للفطرة السليمة، استطاع الإعلام الغربي أن يدخل على حياة المسلمين مستجدات غير فطرية وبالتالي غير صحية منها الرضاعة الصناعية، عبر استخدام الحليب المجفف في غزو فكري اقتصادي منتظم إلى أن أصبحت الرضاعة الصناعية من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى قتل الأطفال إما بسبب الالتهاب المعوي الحاد أو سوء التغذية اللذين ينجمان عن مثل هذا الحليب الصناعي، حيث إن الطفل في مثل هذه الدول التي ينتشر فيها الجهل بقواعد الصحة العامة، وعادة ما يتناول الطيب الصناعي بشكل مخفف حيث إن كمية الماء التي يخلط بها الحليب تكون أكثر من المطلوب، وإما بسبب تلوث هذا الحليب الذي يحتوي مواد سامة أو بكتيريا نتيجة عدم التعقيم والنظافة عند تحضيره، وبالطبع فإن كل هذه المشكلات كان يمكن تجنبها عن طريق الرضاعة الطبيعية من ثدي الأم، وهي الرضاعة المعقمة والصحية، مهما تكاثرت عوامل التلويث المحيطة.

مخالفة الفطرة في إطعام الحيوانات -كالبقر والماعز والغنم- الأعلاف الكيماوية واللحمية وغيرها، بدل الأعلاف العشبية، مما أدى إلى وباء «جنون البقر» وهذا ما حذر منه البارئ عز وجل في كتابه الكريم حين قال:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ٢٧﴾ (سورة السجدة، آية: 27).  

﴿... وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّىٰ٥٣ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَىٰ٥٤﴾ (سورة طه، آية: 53 – 54).  

وقد جاء في تفسير الأنعام أنها: الإبل والبقر والضأن والمعز كما حذر القرآن الكريم من اتخاذ الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة مطاعم ومآكل، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ ...﴾ (سورة الأنعام، آية 146). 

هذا الخروج من فطرة الخالق سبحانه أورد البشرية موارد مهلكة لم ولن يكون آخرها مرض جنون البقر وقصة هذا الداء الوبيل بدأت عندما ظهرت في وقت سابق أعراض غريبة على قطعان الخراف البريطانية، وعرف العلماء ما أسموه آنذاك المرض «الأكَّال»، لأن الخراف المصابة به تقضي الساعات الطوال وهي تحك نفسها على أعمدة حظائرها، وجرى البحث عن أسباب المرض فاكتشف المحققون أن عظام الخراف وسقطها تطحن وتقدم كمكملات بروتينية في علف الأبقار، وهكذا اشتبه في أن الجراثيم المسببة لمرض الأكال كانت تنتقل بهذه الصورة إلى الأبقار.

وفي عام ١٩٨٨م حظرت الحكومة البريطانية إضافة نفايات الخراف وسقطها وعظامها المسحوقة إلى علف الأبقار، ولكن هذا التدبير لم يتم احترامه، وهكذا تفاقمت الأمور واستشري المرض بين الأبقار وأصبح يهدد بالانتقال إلى الإنسان، وفي مارس من العام ١٩٩٦م اكتشف العلماء وجود علاقة بين مرض الجنون البقري ومرض كروتزفلت - جاكوب أو التهاب الدماغ الإسفنجي، الذي يصيب الإنسان.

وفي يوليو ١٩٩٦م صرح العلماء بوجود احتمال كبير بانتقال مرض جنون البقر إلى الأغنام، واحتمال انتقاله إلى الإنسان عن طريق أكل أنسجة الدماغ والحبل الشوكي والمصران التابعة للأغنام.. ومن القائلين بهذه النظرية البروفيسور فريتشارد لايسي أخصائي علم الجراثيم في جامعة «أيدز».

 وهكذا فإن العلماء وضعوا خطوطًا أساسية للتخلص من هذا الوباء تقتضي بخطوطها العريضة العودة إلى الفطرة، ومن ضمن هذه الشروط:

  1. التأكيد على تطبيق قرار منع استخدام الأعلاف الحيوانية المدخلة عليها بقايا الأغنام والأبقار وفضلاتها.

  2. إعدام الحيوانات المصابة التي كبَّدت بريطانيا وحدها خسائر تفوق قيمتها 30 مليار دولار، مع ما رافق ذلك من فقدان آلاف الوظائف.

  3. مخالفة الفطرة المتجلية في تحريم أكل لحم الخنزير، والتي نتج عنها مضار صحية وجنسية، ومنها ذهاب الغيرة بين الزوجين وتشجيع الزوج لزوجته على ممارسة الزنى وإقامة علاقات جنسية مع الآخرين.

عالم الجنس اليوم خرج عن الفطرة واتخذ أنماطًا من الممارسات الجنسية القذرة الممعنة في الحيوانية

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ...﴾ (سورة البقرة، آية: 173). 

وفي شرحه لهذه الآية يقول صاحب تفسير آيات الأحكام الأستاذ محمد علي الصابوني... وأما -تحريم- لحم الخنزير، فلأن غذاءه من القاذورات والنجاسات فيقذر لذلك، ولأن فيه ضررًا فقد اكتشف الأطباء أن لحم الخنزير يحمل جراثيم شديدة الفتك، كما أن المتغذي من لحم الخنزير يكتسب من طباع ما يأكله والخنزير فيه كثير من الطباع الخبيثة، وأشهرها عدم الغيرة والعفة، وهو ما عبر الرسول الكريم من وقوع الإنسان في مخاطره حين قال: «لا يدخل الجنة ديوث» رواه الطبراني.

ويقول شهيد الإسلام سيد قطب -رحمه الله- في الظلال: «.. والخنزير بذاته منفر للطبع النظيف القويم وقد حرمه الله منذ ذلك الأمد الطويل، ليكشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة -هي- الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيسة» (الظلال 2 - 5). 

لقد أثبت العلم أن في الخنزير أضرارًا كثيرة، منها:

  • كثرة الديدان في لحمه. 

  • لحم الخنزير ينقل الترخينا.

  • يأكل الخنزير الفئران الميتة التي كثيرًا ما تكون عضلاتها محلًا لأجنة دودة تُسمى الشعرة الحلزونية.

  • لحم الخنزير هو أعسر اللحوم هضمًا لأن أليافه العضلية محاطة بخلايا شحمية عديدة، وقد أجريت عدة تجارب اتخذت على ٢٤ حالة مرض، وتبين أن ٢٣ حالة منها كان سببها لحم الخنزير المطبوخ.

  • لحم الخنزير بسبب ارتفاعًا في مستوى الجليساريد في بلازما الدم، وكذلك ارتفاع نسبة الكوليسترول في الجسم، ومنه إلى أمراض القلب. 

  • وأخيرًا لا آخرًا، فإن الخنزير بذاته منفر للطبع السليم، فهو قذر لأن أشهى غذائه القاذورات الضارة التي يأنفها الإنسان.

مخالفة الفطرة في تغيير خلق الله

قال تعالى في كتابه الكريم:

﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا١١٩﴾ (سورة النساء، آية: 119).  

لقد نهى رسول الله صلى اللهُ عليهِ وسلمَ من القيام بتغيير خلق الله بأي شكل من الأشكال إلا ما كان منه لضرورة شرعية حدد ظروفها وشروطها، سواء بالنسبة للنساء عن طريق وصل الشعر ونتف الحاجب، حيث قال الرسول صلى اللهُ عليهِ وسلمَ «لعن الله الواصلة والموصولة»، متفق عليه وفي رواية «الواصلة والمستوصلة».

وعن ابن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى اللهُ عليهِ وسلمَ «لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة» متفق عليه.

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقالت له المرأة في ذلك فقال وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، متفق عليه. 

وقد روى حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية -رضي الله عنه- عام حج على المنبر وتناول قُصَّة من شعر كانت في يد حرسي «كالشرطي»، فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم؟! سمعت النبي صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقول «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم» متفق عليه. 

وحول ما يغيره بعض الشباب والناشئة في رؤوسهم بقص أشعارهم بشكل متفاوت، عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: رأى رسول الله صلى اللهُ عليهِ وسلمَ صبيًّا قد حُلق بعض شعر رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: احلقوه كله أو اتركوه كله». (رواه أبو داود بإسناد صحيح).

البرامج الافتراضية وأثرها في الفطرة

برامج الأطفال معظمها وافتراضية أسطورية وهمية تنشئ عقلية غير واقعية، ففي تقرير من واشنطن كتبه كارل بيتس تكلم فيه عن مرض الإدمان على مشاهدة الأفلام والبرامج الافتراضية الوهمية والأسطورية المتنوعة الموضوعات ونشرته جريدة الشرق الأوسط في عددها الصادر في 23/12/1995م جاء فيه ما يلي: «يطالب العلماء صانعي ألعاب الفيديو معالجة إحدى المشكلات قبل أن تغزو هذه الألعاب المنازل، والمشكلة التي نحن بصددها تدعى دوار ألعاب الفيديو، ومن أعراض هذا الدوار العرق المتصبب من راحة اليد والغثيان والشعور بالضيق بعد قضاء وقت طويل داخل جدران غير موجودة أو قيادة سيارة وهمية في أجواء من الواقع الافتراضي».

ويقول أحد العلماء في معهد بحوث ستانفورد من الذين أجروا بحوثًا متعددة في حقل الواقع الافتراضي إن الفرد يتعود منذ الولادة على نمط معين من القوانين الفيزيائية التي تحكم حياته ويمثل الواقع الافتراضي أخطر تجربة يخوضها حيث تختلف كثيرًا عن تلك التي يعيشها في واقعه المعيش، إن بإمكان الفرد الذي يستعين بأجهزة الكمبيوتر لاستحضار الواقع الافتراضي أن يتفاعل مع واقعه الجديد كما لو كان ذلك هو الواقع المعيش فعلًا. 

ويؤدي عدم التطابق بين الواقع المعيش والواقع إلى إرباك الذهن والعينين، الأمر الذي قد يسبب نوعًا من الغثيان أو الدوار .

وأكد استاذ الطب النفسي في جامعة سينسيناتي الأمريكية، الدكتور توماس ستوفرجان أن بإمكان عقل الإنسان أن يتأقلم مع الواقع الافتراضي على النحو الذي يتعود فيه البحارة على العيش في السفن والبحار، إلا أنه وكما هو الحال في أمور الحياة الأخرى فقد لا يتمكن الجميع من ذلك بالسرعة نفسها.

ويقول أحد العلماء وهو البروفيسور توماس برينس من جامعة واشنطن أن دماغ الإنسان قد تعرض إلى الضرر إذا واصل الفرد التحول من الواقع المعيش إلى الواقع الافتراضي، ورغم أن مجلة الجمعية الطبية البريطانية منهم وسائل الإعلام لاختراعها وترويجها لأعراض مرض الدوار أو الغثيان الناتج عن الانغماس في ألعاب الفيديو التي ستحضر الواقع الافتراضي، فقد شكا الكثيرون من العاملين في تشغيل الأجهزة والمعدات الخاصة بهذه الأنشطة من تعرضهم إلى هذه الحالة.

ويقول: «جيم كابس» من مختبر الواقع الافتراضي في ديترويت إن بعض الأشخاص الذين يقدمون إلى المختبر يتعرضون للدوار الغثيان بسبب حركة الأمواج في الواقع الافتراضي الذي يصور الحياة البحرية وركوب أحد الزوارق.

 وبهذا الصدد يقول بير كلارس بيتر الذي يعمل في مركز بحوث الواقع الافتراضي التابع لجامعة تشيبان إن المركز يستقبل حوالي ألف زائر كل عام إلا أنه لا يسمح للأطفال بالبقاء أكثر من دقيقتين أو ثلاث لتجنب إصابة الأطفال بالغثيان، وما ينتج عن ذلك من تقيؤ وما يصاحبه من مشكلات ما زالت رسومات الواقع الافتراضي، رغم التقدم الهائل الذي تم تحقيقه في هذا المجال، قاصرة على تقليد ردود فعل الإنسان بصورة متكاملة، مما قد يسبب الالتباس في ذهن المشاهد.

الخاتمة: إنه لا نهاية لتعداد ظواهر الشذوذ عن الفطرة الربانية التي فطر الله الناس عليها والتي زايدت في هذا العصر تزايدًا كبيرًا وخطيرًا، لقد أصبحت الحياة كل الحياة على كافة الصعد، وفي مختلف المجالات والشؤون قائمة على قواعد واعتبارات ومعايير «مادية مصطنعة»، بل هي تبتعد يومًا بعد يوم عن المنهجية الربانية «البرمجة الفطرية».

ولما كان الكلام عن «فقه الفطرة» نادرًا على أهميته، فقد وقع تحت يدي كتاب عنوانه «بين الإنسان الطبيعي والإنسان الاصطناعي»، تأليف محمد تقي الأميني، رئيس الشؤون الدينية في جامعة عليكرة بالهند، إصدار دار الاعتصام عام ١٤٠٠ هجرية رغبت أن أنقل منه قسمًا من الفصل الأخير أختم به هذا البحث، يقول المؤلف تحت عنوان «الإنسانية مشرفة على البركان اللاهب»، ما يلي:

الإنسانية مشرفة على البركان اللاهب: يجتاز إنسان القرن العشرين اليوم أنواعًا من الاضطراب النفسي والانهيار العصبي والفوضى الفكرية إلى حد لا يمكن تغييره بسهولة، إنه يعيش في ارتباك وخوف وحيرة وعدم استقرار إلى حد يندر أنه لا عودة له إلى شاطئ الأمان، وهو يجد وكأنه على حافة الهاوية وكأن الإنسانية المخزونة المضطربة متكئة على البركان اللاهب ومترقبة الإعدام الكامل لأدنى هزة..!!

وفي الوقت نفسه تقف الإنسانية لهفة متطلعة إلى كأس الحياة وطريق النجاة التي تنجيها من هذا الدمار والتدهور، وتنقذها مما تعانيه من التصورات

الخروج عن فطرة الخالق سبحانه أورد البشرية

موارد مهلكة لم ولن يكون آخرها جنون البقر

الفاسدة والمناهج الضالة والقيادة المتعفنة التي أرغمتها على الوقوف فوق هذا البركان حتى وهي تسعى إلى ميلاد إنسانية ذات طابع خاص متميز ومتفرد.

لقد حاولت الفلسفات والأيديولوجيات المعاصرة والحضارات العالمية بكل جهدها أن تنقذ هذه الإنسانية وأن تعليها بنشاط جديد، ولكنها لم تستطع البحث عن موطن الداء الحقيقي وأسبابه، وعجزت عن التطواف حول حريمه، وما نجحت في صوغ المنظار الذي يستطيع نقل الانعكاس الحقيقي للإنسان، أما المنظار الذي صاغته لتنقل به انعكاس الكائنات ورؤية حقائقها إلى حد كبير فلم توجد فيه الصورة السليمة للإنسان الذي هو الكائن الأعلى بين مخلوقات الله في الكون.

القرآن يدعو إلى إنقاذ الإنسانية

والقرآن يدعو إلى إنقاذ الإنسانية واستخلاصها من براثن هذا البركان اللاهب، وإعلانها إلى تلال النور التي تنفجر فيها الشلالات الروحية متجهة إلى سائر قوى الإنسانية لتجدد خلاياها بنشاط جديد في جو صالح وبيئة منبسطة.

ويقدم القرآن كأس الحياة وطريق النجاة التي تنجي الإنسان الحديث من هذا الدمار والتدهور، ويحل ألغاز الحياة حلًّا كاملًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقرآن هو المرآة التي أنزلها الله تعالى لتجلية حقيقة الإنسان خاصة، وتوجد فيها -وحدها- الصورة السليمة، وتنعكس فيها الكينونة الإنسانية والأوضاع النفسية والأحوال الشخصية والاجتماعية، وغير ذلك من مرافق الحياة وجهازها، والإنسان في هذه المرآة هو كائن فذ في ماهيته وفطرته وميوله واستعداداته، وهو أشرف مكان في ميزان الفكر والخليقة وفي ميزان التقويم والكرامة وهو موضع جوهري باعتبار وجوده الفذ في الكون، وفي تميزه في الطبائع النفسية، وباعتبار تفرده بالرابطة الروحانية من ينبوعها الأصلي، وهو قطب أصيل باعتبار قيام النشأة الإنسانية على تصور جديد ينير العقول ويشغل مجامر القلوب وباعتبار هدايته المتفردة إلى طريق صلاحه وفلاحه في الحياة وبعد الممات، والإنسان في نظرة القرآن هو كائن اجتباه الله لخلافته في الكائنات ورفعه على سائر الأحياء والأجساد، وأنشأ فيه خصائص وفضائل لا توجد في عالم الأنواع والأرواح، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه، وقدر مقياسًا لأفكاره ومعيارًا لأخلاقه.

برنامج الإنسانية في الإسلام

رتب الإسلام برنامجًا جامعًا لتزكية الإنسانية وتغذيتها وتربية الأخلاق وتقويتها، إنه برنامج شامل لأساليب المعيشة والمعاشرة ومناهج الاقتصاد والسياسة، والمثل الأعلى والغاية الأسمى لمواهب الإنسان ومؤهلاته -في هذا البرنامج- هو معرفة الله عز وجل والاطلاع على صفاته من خلال إبداعه، والمجال الحقيقي والهدف الصالح لطاقاته مجهده من التخلق بأخلاق الإسلام والفوز برضوان الله والاستيلاء على خزائن الأرض وأسرارها ليرتقي جوهر الإنسانية إلى أعلى مدارج الحياة مع السلامة من القلاقل والاضطرابات التي هي نتيجة لانقطاع الرابطة الروحانية بين ينبوعها.

وهذا البرنامج من شأنه أن يتسق بين فطرة الإنسان المضمرة وحياته الظاهرة، وهو برنامج لا يتعارض مع التقدم والرقي والكشف عن الأسرار واختراق الأجواء وغيرها، بل إنه ليهدف إلى شهد الهمة نحو الإبداعات والاختراعات وتوجيهها إلى الوجهة الصحيحة حتى تسلم الإنسانية من التأثيرات الهدامة والفتاكة التي وقفت فوق البركان وانحدرت إلى حالة الإعدام التي أشرنا إليها سابقًا، والبرنامج القرآني لإنقاذ الإنسانية واستخلاصها هو برنامج غض رائق دائمًا كأن عهده بالوجود أمس، إنه ليس محصورًا في زمن دون زمن أو في بلد دون بلد أو دولة دون دولة وليس متعارضًا مع جوانب التطور الثقافي والاقتصادي والاجتماعي ومقتضياتها، وهو منطبق على إنسان القرن العشرين والمجتمع المعاصر الراقي كما كان -ملائمًا أيضًا- في القرون الماضية والمجتمعات السابقة، لأن أسس البرنامج تعتمد على الأمور الكلية والأصول العامة والمصالح الإنسانية والمقاصد الخاصة والشؤون الشخصية المتموجة بأسلوب مطلق، وهذه كلها لا تتغير بتغير الأحوال والأزمان ولا تتأثر بفروق الأقدار والبيئات!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 36

149

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

الزواج في الإسلام

نشر في العدد 1109

83

الثلاثاء 26-يوليو-1994

الفقه والمجتمع (العدد 1109)

نشر في العدد 1195

123

الثلاثاء 09-أبريل-1996

المجتمع الأسري (1195)