; فوائد من الشدائد | مجلة المجتمع

العنوان فوائد من الشدائد

الكاتب محمود غزلان

تاريخ النشر السبت 16-يناير-2010

مشاهدات 112

نشر في العدد 1885

نشر في الصفحة 35

السبت 16-يناير-2010

  • القيادات بشر فلا ترفعوهم إلى درجة من لا يخطئ وعندما لا يصيبون لا تنزلوهم إلى درجة أقل من حقهم ومكانتهم.
  • هل رأيتم جماعة مطاردة من قبل الحكومة تجري انتخابات داخلية وتضحي من أجل إقامتها ؟ وهل رأيتم في بلادنا حكومة أو مؤسسة ترفض تحقيق رغبة رئيسها ؟
  • رغم قسوة حادثة الإفك إلا أنها كانت سببا في إنزال ما يطهر المشاعر والألسنة وينظم المجتمع وينظف البيئة ويحفظ الأعراض
  • لا ينبغي أن تنزعج من خلافات الرأي ما دامت لدينا وسيلة حسمها المتمثلة في الشورى.. ذلك المبدأ الإسلامي الأصيل في السياسة وغيرها.

المراقب للصحافة والإعلام طوال الشهور القليلة الماضية يجد أخبار «جماعة الإخوان» الصحيحة منها والمختلقة تحتل عناوينها، وتملأ أنهارها في تضخيم واسع للخلافات، وتحريض سافر على الشقاق وتصوير مشوّه للواقع؛ الأمور التي أثارت القلق في الصف، والتساؤل لدى العامة والألم النفسي لدى المحبين، ورغم ما سببه ذلك من عناء وشدة إلا أن الأمر لا يخلو من فوائد، ومن هنا كان هذا المقال بنفس العنوان «فوائد من الشدائد»، محاولة لتصحيح مفاهيم وترسيخ مبادئ وضبط قيم وتقويم سلوك وأخلاق، الأمور التي من شأنها أن تربط على القلوب وتثبت الأقدام وتحدد المواقف عند الشدائد والمحن.

 لقد ربى الله تعالي المؤمنين في أتون الشدائد ، فبعد غزوة «أحد» أنزل- سبحانه - أكثر من ستين آية يعلم المسلمين ويفهمهم ويربيهم ويقومهم ويربطهم بذاته وبدينه ويجردهم من التعلق ببشر ولو كان رسوله الأكرم صلوات الله وسلامه عليه.

 وفي حادثة «الإفك» أنزل إليهم ما يطهر مشاعرهم ،وألسنتهم، وينظم مجتمعهم ، وينظف بيئتهم، ويحفظ أعراضهم، وكذلك فعل في غزوة «الأحزاب»، الدروس التي لا يتسع لها مقام المقال.

 ونحن نحاول أن نقتدي بذلك المنهج مع الفارق الكبير والبون الشاسع.

أولا : ما نريد أن يعرفه إخواننا أننا تجمع بشري، ولسنا مجموعة من الملائكة وطبيعة البشر أن يختلفوا في الرأي والتفكير تبعًا لاعتبارات شتى ... ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلفِينَ ﴾ (هود: ۱۱۸)، وهذا مظهر من مظاهر الصحة ما دام ملتزمًا بالآتي: ابتغاء وجه الله والإخلاص له في هذا الخلاف، والرغبة في الوصول إلى الحق أو تحقيق المصلحة العامة، والتجرد من حظوظ النفس ورغبتها في الانتصار للرأي والتعصب له، والالتزام بآداب الحوار والنزول على حكم الشرع فإن لم يوجد فعلى رأي الأغلبية وتبني هذا الرأي والدفاع عنه، واحترام اللوائح والوثائق المنظمة، والحفاظ على مشاعر الأخوة وعدم تغير الصدر من المخالفين في الرأي.

 وأخيرًا أن يبقى هذا الخلاف في نطاق المؤسسة الحاصل فيها حتى يُحسم، أما أن يهرع كل صاحب رأي إلى الصحافة ليعرض رأيه؛ ليعلم الناس أنه صاحب رأي أو أنه مختلف مع إخوانه، أو أنه من تيار معين، أو يحاول الضغط على إخوانه بالإعلام للنزول على رأيه فهذا ليس من المبادئ والشورى والالتزام في شيء، ولو سألنا من يفعل ذلك: هل تقبل إن نشب خلاف في بيتك أن يخرج ابنك إلى الشرفة ليذيع على الناس الخبر؟

 فلا أعتقد أنه يقبل ذلك، أما التذرع بالشفافية في هذا الموقف فهي كلمة حق يراد بها باطل، لا سيما من أولئك المتربصين والمتصيدين ،والشانئين ولقد حسم القرآن الكريم هذه القضية قضية نشر الأخبار التي تضر ولا تنفع فقال: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مَنَ الأمن أو الخَوْف أذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَىٰ أَوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلَمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لا تَبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلا قليلًا ﴾ (النساء: ٨٣)، والخلاصة أننا لا ينبغي أن ننزعج كثيرًا من خلافات الرأي ما دامت لدينا وسيلة حسمها.

وهذه الوسيلة إنما هي الشورى، وهي مبدأ إسلامي أصيل ليس في مجال السياسة ووسائلها فحسب ولكنها منهج حياة، كيف لا والنبي صلى الله عليه وسلم كان كما يروي لنا أبو هريرة :«ما رأيت أحدًا قط أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وكيف لا وقد أمر بها المولى تبارك وتعالى في أعقاب غزوة أحد؛ حيث كان من الممكن أن تُعزى نتائجها الأسيفة إلى الشورى، ولكن الله تعالى أنزل بعدها قوله تعالى: ﴿وشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ  فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ (آل عمران: ١٥٩).

فنحن- ولله الحمد - نسعى للالتزام بالشورى والنزول على رأي الأغلبية في كل أمورنا، ولذلك فنحن نسأل: هل رأيتم جماعة مطاردة محظورة – من قبل الحكومة - تحرص على الشورى، وتجري انتخابات وتخاطر وتضحي من أجل إقامتها؟ هل رأيتم في بلادنا حكومة أو مؤسسة ترفض تحقيق رغبة رئيسها ؟ هل رأيتم انتخابات يخرج فيها بعض الكبار ذوي السبق والتاريخ والجهد والجهاد في سهولة ويسر؟

طاعة مبصرة

والوجه الآخر للشورى هو الطاعة فما دام الرأي أقرته أغلبية أعضاء المؤسسة المنوط بها إجراء الشورى فلا بد للجميع أن ينزل عليه ويلتزم به، وهذا أيضا مبدأ إسلامي أصيل، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمر منكم﴾ (النساء: ٥٩)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني»، ويقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا...».

ويقول الفاروق عمر رضي الله عنه : «لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة»، ولا يمكن لبناء جماعي أن يقوم، ولا لعمل جماعي أن يتم إذا فقد هذا الركن، ولا إذا كانت الطاعة في حال دون حال أو ظرف دون ظرف.

أعلم أن كثيرين يعيبون علينا هذا المبدأ، وي صـفــونــه بالطاعة العمياء، وفي الحقيقة، إن الطاعة عندنا إما أن تكون التزامًا بنص قرآني أو نبوي، وهنا تكون طاعة لله ورسوله، وإما أن تكون طاعة لقرار سبقته ،شورى، ومن ثم تكون طاعة مبصرة وليست عمياء، ثم إنه لا يوجد على وجه الأرض تجمع بشري إلا وتحكمه الطاعة بيد أنها تختلف تسميتها من جماعة لجماعة، فالأحزاب تسميها الالتزام الحزبي وكلنا نعلم أن من يخرج على قرارات الحزب الذي ينتمي إليه يتم التحقيق معه وعقابه الذي قد يصل إلى حد الفصل من الحزب، وسائر المؤسسات الأخرى تضع لوائح وتسن قرارات منظمة للعمل فيها ، وعلى جميع العاملين فيها أن يلتزموا بها، ومن يخالفها ينزل به الجزاء، وهذه كلها طاعة لا تختلف عن طاعتنا إلا في الاسم، وفي القصد، فنحن نقصد بذلك وجه الله أولا ثم المصالح العامة ثانيًا، وهم يقصدون المصالح وحدها.

القمينة الواقية

ثانيًا: والدرس الكبير الذي نخرج منه أن الالتزام الصارم بالمبادئ واللوائح والقرارات هي القمينة الواقية من أي خلاف أو حسم أي خلاف في حال نشوبه، أما أن يتمسك كل صاحب رأي برأيه ولو خالف اللوائح أو خالف آراء الأغلبية، فذلك هو الهوى المدمر وكما علمنا القرآن أن الهوى هو شرّ إله يعبد من دون الله ﴿أَرَأَيْتَ مَن اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكونُ عَلَيْه وكيلا (٤٣)﴾ (الفرقان: ٤٣)، والرسول ﷺ يقول: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء برأيه».

إن الإعلام تلقف هذه الخلافات، وراح ينفخ فيها بغية شق الصف وتمزيق اللحمة، وللأسف الشديد ساعده بعض أفراد كانوا منا في وقت من الأوقات، فزعموا أن الانتخابات كانت مزورة أو شابها تربيط، وهي افتراءات ساقطة، فالذي يعمل لله ويتقيه لا يتطلع إلى منصب ولا جاه، فالمناصب عبء ومسؤولية ومخاطرة، وطالب الولاية لا يولى، ودين المرء منا بل رجولته تأبى عليه أن يلجأ لهذا الأسلوب الرخيص؛ كي ينجح في انتخابات أو يتبوأ منزلة على إخوانه ليس أهلا لها، ويبدو أن هؤلاء الإعلاميين يقيسون الناس على أنفسهم أو على ما يحدث في الانتخابات العامة أو الخاصة في النقابات والمؤسسات فيتوهمون الإخوان مثل بقية الناس.

صورة ذهنية

أنا لا أحب أن أتكلم عن أشخاص ولكني مضطر إلى ذلك؛ لأن الإعلام يستطيع أن يصور الملاك شيطانًا، والشيطان ملاكًا، ويخلق صورة ذهنية لشخص أو جماعة وينطلق منها ويظل يكررها حتى يصدق نفسه ويصدقه الآخرون، ولقد فعل ذلك في حق الأخ الكريم د. محمود عزت حتى يشوه صورته ثم يتوصل بها إلى تشويه صورة مكتب الإرشاد ثم الجماعة كلها، وأشهد الله أنني صاحبت هذا الرجل عقودًا عدةً فلم أجد منه إلا أطيب الخلق وأنبل السجايا والإخلاص لدينه ودعوته -ولا نزكيه على الله- والتواضع الجم والأدب المفرط والصبر الجميل المديد، وأنه لا هو صقر ولا هو حديدي ولا صانع مرشدين ولا زعيم لتيار أما صفة القطبيين التي رددوها كثيرًا في الآونة الأخيرة - نسبة إلى الأستاذ سيد قطب يرحمه الله - فنحن لا ننتسب إلى أشخاص أيا كانوا ومهما كان احترامنا لهم، بل إننا نرفض أن يسمى الإسلام الديانة المحمدية مثلما يفعل الغربيون وحسبنا أن سيدنا إبراهيم عليه السلام سمانا مسلمين ﴿...مَلَةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ (الحج : ۷۸)، ولقد اختار الأستاذ البنا عليه رحمة الله لنا هذه التسمية الموضوعية نسبة إلى المبادئ وليس إلى الأشخاص الإخوان المسلمون والسرُّ في تكرار الإعلاميين هذه الصفة أنهم يهدفون إلى رمينا بأننا نكفّر الناس، زعما بأن هذا ما يقوله الأستاذ سيد عليه رحمة الله - ونحن نرى أنه قطب لم يكفّر الناس، ولقد قرأنا كتبه ودرسناها ولم نقع في مزلقة التكفير، لأن عندنا أصولا نرجع إليها، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما»، والإمام البنا يقول في الأصل العشرين من أصول الفهم: «لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو معصية - إلا إذا أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر».

التصدي للتكفير

ولدينا كتاب كامل وضعه المرشد الثاني الأستاذ حسن الهضيبي- يرحمه الله - يحسم هذه القضية وهو كتاب «دعاة لا قضاة»، بل إن الإخوان الكبار، وكانوا وقتها في السجون يعانون فصلوا من الإخوان كل من قال بتكفير الناس، ولقد تصدينا لفكر التكفير في السبعينيات ونحن شباب، وحمينا - بفضل الله شبابًا كثيرًا وشابات من أن يقعوا في هذه الهوة، هذا هو موقفنا، أما ما يُقال: من أن الأستاذ سيد قطب كان يقول بتكفير الناس استنادًا إلى عبارات وردت في بعض كتبه، فالفيصل في هذا هو سلوكه وتعامله مع عامة الناس، وهناك إجماع ممن عايشوه أنه كان يعامل الناس أحسن معاملة حتى إن المسجونين الجنائيين والسجانين الذين خالطوه في السجن كانوا يكنون له كثيرًا من الحب والاحترام وظل بعضهم يتردد عليه في بيته في حلوان بعد خروجه من السجن سنة ١٩٦٤م، ثم إن بعض كبار الإخوان قابلوه في السجن قبل خروجه وسألوه أسئلة مباشرة عن الموضوع، فنفى لهم تمامًا أنه يقول هذه المقولة، فلا معنى للإصرار على هذه التهمة ونسبتها إليه أو نسبتها إلينا فهذا بهتان عظيم.

ثالثًا: كثر الحديث عن اللائحة، وأن بها قصورًا، بل وصل الهجوم إلى حد الزعم أنها معيبة، وأنا أقر بأن بها مواد تحتاج لتعديل، وأن يُعاد النظر فيها من قبل قانونيين وتنظيميين حتى تأتي مناسبة للظروف التي نعيش فيها وعلينا أن نعمل بهذا ، ولكن حتى نفعل ذلك لا بد أن نحترمها ؛ لأن مثلها مثل قانون المرور لو ألغيناه فجأة دون بديل خير منه أو على الأقل مثله، فسوف تتحول الشوارع إلى فوضى تتصادم فيها السيارات، وتكثر الحوادث وتتهدد حياة المارة وممتلكات الناس.

انهزام نفسي

رابعًا: لن يرضى عنا العلمانيون حتى نتبع مذهبهم، ولهم في ذلك سياسة واضحة، وهي أن يظلوا يهاجمون مبدأ من مبادئنا ويقبحونه في نظر الناس حتى إذا انهزمنا أمامهم نفسيًا، وتخلينا عنه وقلنا فيه مقولتهم تحولوا إلى مبدأ ،آخر وهكذا حتى نتخلى عن كل مبادئنا، ونصبح مجموعة من العلمانيين تحت لافتة إسلامية مثلما فعل بعض الناس.

ولكن هذا بإذن الله لن يكون وسنمتثل لأمر ربنا ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقيم (٤٣)﴾ (الزخرف: ٤٣)، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ مُؤْمِن وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، وسنظل معتصمين بكتاب ربنا وسنة نبينا ، فهما مرجعيتنا الثابتة والخالدة.

هذه هي بعض دروس الشدة الأخيرة، وردت إلى الخاطر على عجل، وإن كان الأمر يحتاج إلى دراسة أوسع وأعمق حتى نتفادى مثل هذه المواقف.

الرابط المختصر :