العنوان الحرية السياسية فريضة ثابتة في النظام الإسلامي
الكاتب د. محيي الدين عبدالحليم
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993
مشاهدات 84
نشر في العدد 1045
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 13-أبريل-1993
· حرية الرأي في الإسلام جعلت
بعض المسلمين يجاهرون بالرأي لرسول الله بالرغم من إجلالهم له إجلالًا لا يقف عند
حد.
الإسلام، دين الفطرة، يتعامل مع
الطبيعة البشرية، ويخاطب الخلق الإنساني بمعناه الأصيل. ومن أهم العوامل التي تعطي
للإنسان مكانته وسط المخلوقات الأخرى هي حريته في اختيار نمط الحياة التي يحياها
بمفهومها الشامل، وهي حق طبيعي للإنسان وضرورة حيوية لاستمرار حياته وسط البشر.
وقد أكد الإسلام على احترام الشخصية
الإنسانية، والشخصية الإنسانية لا تكتمل في غيبة حرية الإقامة، وحرية الانتقال،
وحرية التدين، وحرية الفكر والرأي، وحرية التعبير؛ ولذلك كان الإسلام والتحكم
نقيضين لا يجتمعان، فليس لإنسان أن يتحكم في غيره، وليس للدولة أن تتحكم في الناس،
ولكن لها أن تحكم عليهم إذا اشتطوا أو تجاوزوا حدودهم. وحتى العقوبات في الإسلام
لا تتجه إلى تقييد الحرية؛ لأن التقييد يعني منع الحركة، والحركة هي الحياة،
والإسلام دين الحياة. والحرية هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، وبالتالي فهي حق
طبيعي من حقوقهم، وهي منهج حياة وبرنامج عمل لأنظمة الحكم الليبرالية، وتقوم عليها
سيادة الأفراد وسيادة الأمة.
وبقدر ما تصون الحكومات هذا الحق
بقدر ما يكون لها من منزلة في نفوس الشعب. والدعوة الإسلامية جاءت قبل أن ترى هذه
الأنظمة النور لتطلق حرية الإنسان وتحافظ عليها من العبث، سواء كانت حرية دينية أم
سياسية أم فكرية أم حرية العمل والتصرف وحرية التعبير والاعتقاد، وغير ذلك من
الحريات التي تشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر الشخصية الإنسانية. وقد جعل الإسلام
الحرية الفردية دعامة لجميع ما سنه الله للناس من عقائد ونظم وتشريع، وتوسع في
إقرارها، فلم يقيد حرية الفرد إلا في الحدود التي يقتضيها الصالح العام أو يدعو
إليها احترام حرية الآخرين، وعارض كل نظام يتعارض مع هذه المبادئ ولفظه. وقد حرص
الإسلام على تطبيق مبدأ الحرية في هذه الحدود التي أقرها في مختلف شؤون الحياة،
وأخذ به في جميع النواحي التي تقتضي كرامة الفرد أن يأخذ به في مختلف شؤونه، وهي
النواحي المدنية والدينية، والتفكير والتعبير، والنواحي السياسية والحكم، ووصل به
في كل هذه الأمور إلى شأن رفيع لم تصل إلى مثله شريعة أخرى من شرائع العالم قديمه وحديثه.
والنظام الإسلامي هنا يلتقي مع النظم
السياسية التي تحفل بالحريات الإنسانية وتضعها على رأس اهتماماتها، وتنص عليها
كأحد الأصول السياسية في دساتيرها ونظمها لتقيم بها سيادة أفرادها؛ وبالتالي فإن
الدعوة الإسلامية هنا ستجد عالمًا من التفاهم المشترك يمكن أن يتم بينها وبين هذه
النظم لإقامة حوار مشترك في مختلف المنابر. ويتم في هذا الحوار تقديم المفهوم
الإسلامي للحرية بأبعادها المختلفة. والنصوص القرآنية وسنة محمد صلوات الله وسلامه
عليه، وسيرة الخلفاء من بعده يمكن أن تشكل رصيدًا طيبًا يثري الفكر الغربي في هذا
المجال، ويزوده بالرؤية الإسلامية السليمة، ويصحح الصورة الشائهة عنه لدى الكثيرين
منهم، ويقدم الحقيقة لمن يجهلها من خلال خطة منظمة تأخذ في اعتبارها مختلف متغيرات
الحياة في المجتمع الذي تتوجه إليه؛ فلا مجال هنا لإعطاء حرية دينية دون الحرية
السياسية، أو حرية التفكير دون حرية الاعتقاد، فالحرية جزء لا يتجزأ، وأي مساس
بجانب منها هو عدوان على كرامة الإنسان وشرفه، وتعطيل لمسؤولياته في الحياة،
وإجهاض لدوره على هذا الكوكب.
والحرية العامة مناقضة للرق، ذلك أن
حق الحرية يتقرر أصلًا انطلاقًا من أن جوهر الدين كله هو عبادة الله وحده لا شريك
له.
وبهذا يمكن القول: إن حقوق الإنسان
كما تطلق الآن في المحافل والمنظمات الدولية لا تأتي في القرآن بصفة حقوق، وإنما
هي فروض ملزمة وتكاليف واجبة؛ والفرق بين أن تكون حقوقًا، وأن تكون فروضًا، هو أن
الإنسان يملك أن يتنازل عما هو حقه، وأن يفرط فيه، على حين لا يحل له أن يتخلى عما
كلف به وفرض عليه. فالإنسان في الإسلام ليس مخولًا أن يفرط في حرية العبودية لغير
خالقه وحده، وليس من حقه أن يتخلى عن أمانة الكلمة وفريضة الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، ولا أن يعطل حرية عقله وفكره تحت أي ضغط من إرهاب أو إغراء، كما ليس له
أن يقبل الإكراه في الدين. وهذه الحرية لا تتناقض بشكل أو بآخر مع إرادة الله؛
فحكم الله لا يلغي إرادة الإنسان ولا يعفيه من تبعة اختياره الحر لعقيدته وعلمه،
بل إن الحكم الإلهي يكمن في إلزامنا تبعة اختيارنا إلزامًا جبريًا لا مفر منه.
إلا أن الإسلام يرفض الحرية التي لا
ضوابط لها، والتي تؤدي إلى الفوضى وعدم المبالاة وقلة الاكتراث؛ فالحرية بهذا
المفهوم هي عين الهمجية، وهي تسوق المجتمع إلى الدمار، وتعرض مؤسساته ومقدساته
للخراب. ومن أجل تماسك المجتمع والحفاظ على أمن وحياة وحرية الآخرين، وضع الإسلام
للحرية مفهومًا يدعم الروابط بين الناس، ويؤكد احترام مصالح الآخرين ومشاعرهم؛ فلا
حرية لأي إنسان في عمل يضر غيره أو يعرضه هو للفساد أو الهلاك والخطر.
وقد أرسى الإسلام أسسًا ثابتة للحرية
الإنسانية، وهي أسمى ما يمكن أن تشكل مجالًا مشتركًا للنقاش والحوار مع غير
المسلمين، وتضع النقاط على الحروف حول أبعاد هذه الحريات؛ وهي حرية التفكير
والتعبير، وحرية العقيدة ورفض العنف والإكراه في تبليغ الدعوة والإعلام بالرسالة.
والحرية السياسية بهذا ليست من نافلة القول ولكنها فريضة إسلامية؛ والفرائض
الدينية لا يجوز لأي مسلم، حاكم أو محكوم، أن يتنازل أو يفرط فيها، والتفريط فيها
أو التنازل عنها يعني الإخلال بحق من حقوق الله يتحمل المسلم مغبة تركها أو
المساومة بشأنها.
وإذا كانت الحرية السياسية تقوم على
أساس المشاركة في الحكم بالترشيح أو التصويت أو غير ذلك من الصور التي تحقق هذا
الهدف، سواء تم ذلك في انتخابات أم استفتاءات، كما تقوم على أساس مراقبة أعمال أولي
الأمر وصناع القرار وتقويمها وإبداء الرأي فيها، فقد أقر الإسلام هذه الحقوق؛
فالمشاركة في الحكم بالترشيح أو التصويت حق مباح لكل مسلم، فمن حق أي فرد أن يرشح
نفسه للمشاركة في الحكم والإسهام في إصدار القرار، كما أن من حقه أن يعطي صوته لمن
يرى أنه الأصلح لحمل هذه الأمانة. والإسلام يوجب اختيار أولي الأمر وصناع القرار
عن طريق البيعة، سواء تم ذلك بواسطة أهل الحل والعقد أم الصفوة الممثلة للأمة أم
بواسطة الانتخابات العامة.
ولا يحق لأهل السلطة بعد اختيارهم أن
يبرموا أمرًا إلا إذا رجعوا للأمة، وأخذوا رأيها في هذا الأمر، وحصلوا على
موافقتها عليه؛ لأنهم وكلاء هذه الأمة، ومطالبون بترجمة آمالها وطموحاتها،
وبالتالي فإن تصرف هؤلاء الوكلاء يجب أن يأتي تعبيرًا عن إرادة الموكلين لهم، وإذا
تصرفوا تصرفًا لا يعبر عن الإرادة الصادقة لأفراد هذه الأمة فإن هذا التصرف يصبح
باطلًا، بل ولا يلزم أحد به. وقد كان نبي الإسلام نفسه مثالًا ونموذجًا لهذه
الحقيقة، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ.
لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: ٢١-٢٢)، ويقول كذلك: ﴿وَمَا أَنتَ
عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ (ق: ٤٥). ويقول آمرًا نبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ
وَاحِدٌ﴾ (الكهف: ١١٠).
وحق إبداء الرأي وحرية النقد ومراقبة
أعمال الحكام وأولي الأمر أمر قرره الإسلام وأعطاه لكل فرد من أفراد الأمة. وقد
كفل الإسلام لكل مسلم أن يقول رأيه بصراحة، ويبدي وجهة نظره دون تردد أو خوف؛ فليس
في الإسلام قيد على الحرية، ولا كبت للرأي، ولا إجبار على السكوت.. ولكل مسلم أن
يتحدث بما شاء سواء أخذ برأيه أم لم يؤخذ به، وسواء كان رأيه خطأ أم صوابًا. وحرية
الرأي في الإسلام جعلت بعض المسلمين يجاهرون بالرأي لرسول الله بالرغم من إجلالهم
له إجلالًا لا يقف عند حد.
وتتمثل الحرية السياسية في الإسلام
في حق كل المسلمين جميعًا في اختيار قادتهم وزعمائهم بإرادتهم الحرة، ورضائهم
الكامل دون قهر أو تسلط؛ فلا يجوز أن يسوسهم أحد رغمًا عنهم ويفرض ولايته عليهم،
ولا يجب أن يتم حكم المسلمين إلا برضاهم وعن قناعة كاملة منهم؛ لأن هذا الأمر يقوم
وفق نظام البيعة، أي عن رضا الجماهير وموافقتها.
والإسلام لم يعط المسلمين الحق في
اختيار الحكام فقط، ولكنه يعطيهم الحق في مراقبتهم ومحاسبتهم، ولم يطلق لهؤلاء
الحكام العنان ليصنعوا ما يشاؤون دون رقيب أو حسيب، أو يصنعوا ما يتفق مع أغراضهم
وأهدافهم في حاضر الجماهير ومستقبلهم. وإذا كان الإسلام قد أعطى المسلمين حريتهم
الكاملة في اختيار حكامهم ومحاسبتهم، فإنه أعطاهم أيضًا حق عزل هؤلاء الحكام؛ لأن
من يملك حق التعيين يملك حق العزل منعًا لأذاه وحفظًا لكيان الأمة.
وإذا كان الحق تبارك وتعالى قد منح
أمة الإسلام هذه المساحة الواسعة من الحرية السياسية وكفلها لهم، وطالب المسلمين بالالتزام
بها والحفاظ عليها وعدم التفريط فيها تحت أي ظرف ومهما كانت الأسباب والمسببات،
وكانت حياة الرسول وخلفائه من بعده نماذج واضحة وعلامات مضيئة على هذا الطريق،
فلماذا يفرط المسلمون في حق منحه الله لهم وفريضة فرضها عليهم؟
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل