العنوان مشاهد من مأساة الإسلام
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1975
مشاهدات 4
نشر في العدد 258
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 15-يوليو-1975
1 - مناورات مكاريوس
لما ركع الفرنسيون أمام تصميم الشعب السوري
على استرداد حريته في إضراب الستين يومًا عام 1936، تحرك ركب صديقهم «الشيخ تاج»
باتجاه باريس ليعرقل جهود الوفد السوري الذي سيتولى مفاوضة الاستقلال هناك.. وإلى
هذا أشار الصديق عمر أبو ريشة بقوله يومئذ:
ذهـب
الشـيـخُ والوقـيعـةُ تبدو بين
عينيـه والـدَّمـارُ الناقعُ
ليت
شِعـري مـاذا يُرقِّشُ عـنَّـا؟ قطعَ
الله كفَّه والأصابعُ!
وكأن
التاريخ اليوم يحاول أن يعيد نفسه في رحلة المطران القبرصي إلى (بعض) الدول
العربية..
لقد صرح
دون استحياء أنه يريد إقناع هذه الدول بتأييد موقف اليونانيين في نزاعهم مع
الأتراك.. مقابل أن يقف مع العرب في نزاعهم مع آل صهيون! مساومة مكشوفة على طريقة صفقة
العميان «قبضني أقبضك».. وقد عاد الشيخ من رحلته تلك ببعض الوعود التي ظهرت آثارها
فيما بعد بإلغاء فرنسا معاهدة الاستقلال الأولى، والعودة بسورية إلى الحكم المباشر..
إلا أن أمنية الشيخ لم تستكمل عناصرها؛ إذ سرعان ما استأنف الشعب جهاده حتى اضطر
حلفاؤه إلى إلقاء السلاح، ثم مغادرة سورية عسكريًا إلى غير رجعة.. ثم مات الشيخ وبقيت
سورية كما كانت، وسيموت كثيرون من ظالميها، وتبقى هي شامخة بأعلامها وعروبتها على
مدى الدهر بإذن الله..
والشيء
الذي لا نملك التنبؤ به من مكاسب هذه الرحلة (المكاريوسية) وخسائرها هو (الوعود)
التي وقف عليها هنا وهناك.. غير أن الذي نقطع به هو أن الحكام، مهما بلغ تجاوبهم
مع المطران، لن يستطيعوا إعلان مؤازرتهم إياه ضد الشعب التركي، وذلك لسببين هامين:
أولهما:
تفاعل الشعوب الإسلامية في كل مكان، وبخاصة في الربوع المحيطة بقبرص، مع حق
الأتراك المسلمين في أن يعيشوا بمأمن من العدوان الصليبي على أرواحهم وأموالهم
ومقدساتهم.. وثاني السببين رياضي بحت؛ إذ إن ربح نصف مليون يوناني -ربما غير مضمون
الاستمرار- لا يوازي في الحساب إلا واحدًا من ستة عشر في الجانب التركي، بدأوا
يقفون إلى جانبنا في كل مناسبة دولية، بعد أن استيقظ ضميرهم الإسلامي، وتراخت قبضة
السلطة الملحدة من حول أعناقهم..
على أن
العجب في أمر مكاريوس أنه يطالب المسلمين - كما تقول إذاعة لندن - بتأييده على
إخوانهم المسلمين، ناسيًا أن ذاكرة الشعوب الإسلامية لا تستطيع أن تنسى بسرعة
ألوان العدوان التي صبها وطغمته على هؤلاء الإخوة، والتي من أقربها دَفْنُ المئات
منهم في قبور جماعية دون تفريق بين الشباب والنسوة والشيوخ والأطفال.. ثم الغارات
المنظمة على المساجد، رغبة في الإسراع بمحو كل أثر للوجود الإسلامي في المناطق
التي يتمكنون من الاستيلاء عليها..
يقول
المطران، في تصريح من جانب واحد، أدلى به في مصر: إن وجهات النظر متفقة تمامًا على
اعتبار مشكلة قبرص جزءًا لا يتجزأ من مشكلة الشرق الأوسط.. ولم يتورع أن يكرر
الإعلان بأنه يساوم على تأييد العرب لليونانيين في قبرص.. وهو بذلك يتناسى أن
التأييد الذي ينفع العرب هو الذي يستمر على تقلب الأحداث والمصالح.. وهو لن يكون
أبدًا إلا منبثقًا من الإيمان بالحق وفوق الإيمان بالمصلحة..
وأتذكر
هنا، وأنا أُصغي لتصريح مكاريوس في مصر، برقية رؤوف دنكتاش إلى جمال عبدالناصر قبل
أحد عشر عامًا، وكان على وشك أن يستقبل مكاريوس في تلك الزيارة، التي أراد بها أن
يؤدي واجب شكره على مؤازرته عصائب كريفس في عدوانها الدامي على أنفس المسلمين
ومقدساتهم، وليستزيده من الأسلحة التي تمكنهم من القضاء على وجود الإسلام بالجزيرة.
لقد جاء
في تلك البرقية قول دنكتاش: نذكر أيها الرئيس أن اليد التي ستصافحها مخضبة بدماء
المئات من المسلمين، وأن صاحبها هو المسؤول عن تدمير مائة وكذا من مساجدهم، وفيها
مسجد -نسيت اسمه ولعله باسم أحد الصحابة- إن أشد ما يقض مضجع مكاريوس هو بقاء
الأقلية المسلمة على أرض الجزيرة، التي يريد أن يضمها إلى اليونان - في النهاية -
ليكمل الطوق المضروب على الدولة التركية.. وكان على أنصاره أن يتذكروا أن مجرد
صيرورة المسلمين أقلية في قبرص إنما تم بأمر إنجلترا التي استقدمت العنصر اليوناني
إلى الجزيرة حتى غلب عليها، كشأنها في سنغافورة وماليزيا؛ حيث استقدمت ملايين
الصينيين الذين أصبح لهم الأثر القاهر في توجيه سياسة البلدين واقتصادهما.. وكما
صنعت في باكستان حيث فصلت بين شطريها إعدادًا لتدمير وحدتها، وكما فعلت في كشمير
حيث تركتها للوثنية الهندية محالفة للتخطيط الذي على أساسه قامت تجزئة القارة
الهندية.. وكما عملت في جنوب اليمن حيث سلمت مقاليد الحكم إلى المنظمة الشيوعية للحيلولة
دون وحدة اليمن الطبيعية.
ومهما
ينس المطران، فليس له أن ينسى أن العنصر الإسلامي لن يكون أبدًا خطرًا على الأرض
التي يقطنها، ولا يُتوقع منه البغي على مواطن، سواء كان مواطنوه أقلية أو أكثرية..
وها هي ذي بلاد المسلمين، حيث يشكلون سواد سكانها الأعظم، تعيش الأقليات معهم على
قدم الإخاء والمساواة.. بخلاف الأمم الأخرى التي لا تستطيع وجود أقلية مسلمة
بينها، ولا تزال بهم حتى تشردهم أو تخرجهم من دينهم.. وهذا ما يريده لمسلمي قبرص..
وقد فاته القطار بعد أن قامت تركيا بالحد الأدنى من واجبها في حماية الأقلية
التركية، ووقف المعتدون عند حدودهم.. وحسب المطران ومن معه ما يلقونه من تأييد أرمن
بيروت والضالعين معهم من الخارجين على دينهم.
وحسبه
أخيرًا برقية السيدة الكبيرة(!) التي وجهتها إلى نساء قبرص، اللواتي قررن القيام
بمسيرة احتجاج على الغزوة التركية وجاء فيها قولها: «نحن معكن...».
أجل، حسْبه
من بلاد العرب أن يكون هؤلاء معه ضد المسلمين! أما أن يطمع بتأييد المسلمين لهم في
عدوانهم على أولئك الإخوة فحلم يتعذر تحقيقه بعد اليوم إن شاء الله.
لم يبق
سرًّا خبر الكتاب الذي ألّفه أحد صحفيي اليهود عن حرب رمضان، وقررت وزارة رابين
مصادرته قبل النشر، معللة قرارها بما في الكتاب من أنباء واقعية، تشكل خطرًا على
مركز كيسنجر.
وقد
تتابعت أخبار الكتاب ومضموناته، فكان بعضها ما نقله المؤلف من حديث كيسنجر عن رجال
العرب وهزئه بهم وضحكه منهم.
وتعترف
وزارة إسرائيل بأن الكتاب ينطوي على حقائق من محاضر المحادثات الرسمية مع المكوك
اليهودي، لو نشرت لاضطرته إلى الاستقالة، ولحرمت إسرائيل خدماته الجلى.
وفي
أثناء ذلك أذاعت لندن في برنامجها اليومي (الشؤون العربية في الصحف البريطانية)
خلاصة مقال لأحد كبار الساسة الإنجليز، يتهم كيسنجر بصراحة لا جمجمة فيها أنه هو
الذي يحول دون الوصول إلى تسوية سلمية في الشرق الأوسط، لأنه يريد كسب الوقت
لمصلحة إسرائيل فقط.
وأيّد
ذلك بعض نواب الكونغرس الأميركي الذين طالبوا بتنحية اليهودي لما يرتسم حول رحلاته
(المكوكية) من استفهامات لا تدع مكانًا للثقة فيه..
كل هذه
المؤشرات تنطلق نحو كيسنجر، فيراها ويسمع بها سكان الشرق والغرب، حتى الذين لا
اهتمام لهم بشؤوننا.. ولكن ذوي العلاقة من قادة العرب وحدهم لا يعيرونها أي
التفات، بل لا تزيدهم إلا تشبثًا بأذيال هذا الصهيوني الخبيث، وإعلانًا للثقة به،
ودعوة إلى استئناف رحلاته السندبادية.
لا
نستطيع أن نصدق أن هؤلاء القادة قد تجردوا من الذكاء إلى حد الجهل بحقيقة هذا
اليهودي، فلم يبق إلا القول بأن القوم إنما يقومون بدور تمثيلي في معاملته، استجرارًا
له إلى تأمين بعض المصالح العربية، غير أن هذا الظن يقابله ظن آخر أيضًا هو أن كيسنجر
لا يقل عنهم براعة في التمثيل.. وقد أكد ذلك بلسانه حين أعلن هزيمتهم في المحاضر
التي سجلت أحاديثه مع بني جلدته وخزائن أسراره في تل أبيب.
في معارك
الفتح الإسلامي بعث أمير المؤمنين الفاروق عمرُ بن الخطاب عمرو بن العاص لتحرير
فلسطين، وكان قائد الجيش الذي يتولى حماية الاستعمار الرومي هناك مشهورًا بالحكمة
والذكاء، فكان اختيار عمر لعمرو ملحوظًا فيه هذه الخصائص العقلية بالدرجة الأولى؛
لذلك أعلن عند توجيهه قائلًا: (رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب)، وقد أثبتت
الأحداث أنها كانت رمية محكمة أعطت القوس باريها.. فغلب العقلُ العربي العقلَ
الرومي، كما غلبت شجاعةُ العرب شجاعةَ الروم، وكانت النتيجة استخلاص فلسطين من
مخالب المستعمرين، واسترداد بيت المقدس لحماته الجدد من المؤمنين.
وها هو
ذا التاريخ ثانية يستعيد بعض مشاهده، فالقدس وما حولها من الأرض المباركة تحت
كابوس الغاصبين، يوسعونها إذلالًا وتشريدًا وتقتيلًا.. وكل ذلك على مرأى ومسمع من
مائة وخمسين مليون عربي وسبعمائة مليون مسلم، لا يملكون لها نفعًا ولا ضَرًّا،
لأنهم لا يواجهونها بالعقيدة التي زُوِّدَ بها عمرو وجنوده في الفتح الأول، ولا
يقاتلونها على نغمة واحدة كعمل المجاهدين الأولين، بل أوزاعًا متفرقين، لكل منهم
وجهة هو موليها.. وقد عرف عدوهم واقعهم هذا، واستغله أتم استغلال، فهو من أجل ذلك
يضحك منهم ويسخر من تناقضاتهم.. وإذا استمر الأمر على هذا المنوال من التنابذ والتناقض
والتطاحن، فستكون الخاتمة أسوأ من البداية، لأن الوحدة التي دخلنا بها معركة رمضان
أصبحت الآن على شفا التمزق، بفضل الثقة العمياء في سياسة كيسنجر..
المنشآت
الضخمة الحديثة على جوانب القناة وفي مشارف سيناء.. تعبير لا غموض فيه عن أن أسلوب
«السلم بأي ثمن» هو التصميم القاطع والخطة التي لا رجوع عنها.
وهذا
العدو يصرح صباح مساء، حتى بعد عودة رابين من واشنطن أخيرًا: أن لا عودة إلى حدود
67، ولا خروج من أهم المناطق الإستراتيجية في سيناء وشرم الشيخ والجولان، ويساوم الأردن
على المشاركة في الضفة الغربية بإقامة مستوطنات يهودية فيها، تكون له قلاع هجوم في
ساعة الصفر.. ولاسترضاء الفلسطينيين ينوه بطلائع مشروع مشاركة أوسع في إقامة اتحاد
فيدرالي، يعرف كيف يسيطر عليه بشباكه التي يسيطر بها على سياسة العالم.
إذن فأي
وحدة ستبقى للعرب إذا استمر كل من أطراف المواجهة في اتجاهه الخاص؟! ولعمري إن هذا
لهو الوضع الذي وصفه الشاعر بقوله:
هذا الذي
ترك الأذهانَ حائرةً وصيَّر
العالِمَ التحريرَ زنديقًا
ولعل أكبر
جوانب هذه الحيرة هو الذي يتمثل في فقدان التخطيط الحربي الصحيح في حياة العرب.
إن نظرة
عجلى إلى واقع هذه الحياة في كل مكان تؤكد أن القوم غارقون في غفلتهم عما يحيطهم،
وأن الناس في هذه البقاع من العالم الإسلامي يعيشون دون تدبير ولا تقدير.. وفي هذه
الغمرة من الضياع تنتشر الميوعة في الشباب ذكورًا وإناثًا، فيخبطون على غير هدى،
لأنهم لا يعرفون لهم هدفًا يستحق أن يقفوا طاقاتهم عليه، وكأنهم كلهم يرددون مع
الشاعر:
وما
الدهرُ أهلٌ أن تُؤَمَّلَ عنده حياةٌ
وأن يُشتاقَ فيه إلى النَّسْلِ
هذه
القوى الهائلة المعطلة، الضائعة، المشردة.. من المسؤول عنها؟ ومن الذي سيقف بوجهها
يوم تنتهي من ضياعها إلى الإصرار على التدمير، الذي صار إليه من سبقهم في هذا
المنحدر الرهيب، في الأميركتين وأوروبا واليابان؟! حيث تتفجر هذه الطاقات في
مغامرات فوضوية من الاغتيال والابتزاز وعشرات الظواهر الرهيبة الأخرى!
ليت شعري..
أبلغ الضياع بسياسة الأمة ألا يعلموا حتى الآن أن الطريق الوحيد لإنقاذ هذا الجيل
الضائع الذي يبتلعه تقليد الهابطين في الغرب الهابط، إنما هو شحنه أولًا بروح
الإيمان الحي، الذي يوضح له المثل العليا، ثم إعداده للجهاد في سبيل الله على وعي منير
مبين؟!
ألا ليت
هؤلاء الساسة يهبون بعض وقتهم لدراسة المنطلقات الإسلامية من خلال السيرة النبوية،
فيتعلمون - فيما يتعلمونه منها - حكمة الإسلام العظيم في استمرارية الجهاد،
واعتبار الاستعداد له فرض عين على كل مؤمن ومؤمنة -كل في نطاق اختصاصه وفطرته-
وكيف فهم الرعيل الأول هذه الحقيقة، حتى ليرى الشيخ منهم، وقد أثقلته السنون، لا ينفك
يتعهد قدرته على الرمي خشية أن ينساه، وحتى يقال للواحد من هؤلاء: أرح نفسك من الضرب
في الأرض بغية الجهاد فقد أعفتك الشيخوخة من ذلك، فيقول: ولكن الله لم يستثن أحدًا
من هذا الواجب إذ يقول: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
ورضي
الله عن الصديق القائل في خطبته الأولى بعد السقيفة: «لا يدع قومٌ الجهادَ في سبيل
الله فإنه لا يدعه قوم إلا ذلوا...»، وعن أخيه علي إذ يصرح في أعوانه المتخاذلين:
«قلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلا ذلوا»..
وهل نحن في حاجة إلى التدليل على صدق هذين العظيمين في تقدير قيمة الجهاد؟ اللهم لا.. ولكن المسؤولين الكبار عن هذا الجيل الضائع لا يريدون أن يصدقوا هذه الحقيقة، إيثارًا لجهاد اللسان على جهاد الأبدان.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل