العنوان الأسلحة العراقية: هل ستصفي مستقبل بلير السياسي؟
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر السبت 26-يوليو-2003
مشاهدات 57
نشر في العدد 1561
نشر في الصفحة 20
السبت 26-يوليو-2003
الأسلحة العراقية: هل ستصفي مستقبل بلير السياسي؟
تجددت الانتقادات الموجهة إلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بشأن الطريقة التي تعاملت بها حكومته مع ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية بما يوحي بأنها ضللت الرأي العام البريطاني بخصوص مبررات الحرب وهي الخطر الكيماوي والبيولوجي الذي كان يشكله ذلك النظام على أمن بريطانيا، في حين لم تعثر القوات الأمريكيةوالبريطانية حتى الآن على أي أدلة ملموسة تؤكد هذا الخطر.
ولم تنحصر الانتقادات لبلير على مستوى أجهزة الإعلام البريطانية وإنما شملت مسئولين سابقين في حکومته كوزير الخارجية السابق روبن كوك الذي استقال من منصبه كزعيم لمجلس العموم اعتراضًا على قرار شن الحرب دون تخويل من الأمم المتحدة ووزيرة التنمية الدولية السابقة كلير شورت التي اتهمت الحكومة بالعبث في المعلومات الاستخباراتية بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية وتهويل الخطر العراقي ومؤخرًا نشرت صحيفة «صنداي تايمز» اللندنية (13 يوليو) نبأ دعوة شورت لبلير للاستقالة وترك المجال مفتوحًا أمام حزب العمال لانتخاب قيادةجديدة.
وإزاء الانتقادات المتزايدة سعت حكومة بلير لتخفيف حدتها والاعتراف بأنها استندت إلى معلومات استخباراتية غير دقيقة بشأن الأسلحة العراقية لكنها لم تكن تنوي مطلقًا تضليل الرأي العام أو العبث بصورة مقصودة بالملف الذي نشرته حول خطورة الأسلحة العراقية على بريطانيا. لكن مساعي الحكومة فشلت في تبرئة ساحتها أمام الرأي العام الذي لا يزال يطرح علامة استفهام كبيرة عن المبررات الحقيقية للحرب ومصير الجنود البريطانيين الذين راحوا ضحيتها.
وفي لقاء نشرته صحيفة «الإندبندانت» اللندنية (13 يوليو) اتهم كبير المفتشين السابق لأسلحة الدمار الشامل العراقية هانز بليكس رئيس الوزراء بلير بأنه ارتكب خطأً كبيرًا بادعائه أن بمقدور صدام حسين إطلاق رءوس صاروخية تحمل أسلحة كيماوية وبيولوجية في خلال 45 دقيقة، كما زعم الملف الذي نشرته الحكومة البريطانية. وتساءل بليكس مستنكرًا: «كيف حسبوا هذه الـ 45 دقيقة؟» وشكك بليكس الأدلة التي زعمتها حكومة بلير، وقد عبر عن شكوكه هذه لبلير شخصيًا ولبقية أعضاء مجلس الأمن، لكنه قال إنه كانت لدى بلير قناعة قوية عن وجود أسلحة دمار شامل بالعراق.
وحول الـ 45 دقيقة التي زعمها الملف البريطاني قال بليكس إنه من الناحية النظرية قد يكون ممكنًا التحول من إنتاج مواد بيولوجية إلى إنتاج أسلحة بيولوجية إلا أن المسألة ليست مقتصرة على إمكانية تحويل المواد البيولوجية وإنما نقلها لمسافات بعيدةبالصواريخ، مشيرًا إلى شكوكه في أن بغداد كانت تمتلك إمكانات إطلاق صواريخ تحمل رءوسًا كيماوية أو بيولوجية. وتعليقًا على رفض سلطات الاحتلال في العراق السماح بعودة المفتشين الدوليين لاستئناف عملهم قال بليكس إن وجود مفتشين دوليين سيعطي عملية البحث «مصداقية أكبر» من الاقتصار على خبراء بريطانيين وأمريكيين.
وحول مصير أسلحة الدمار الشامل العراقية وأسباب عدم العثور عليها طرحت «الإندبندانت» مجموعة سيناريوهات من بينها:
1- أن يكون صدام قد خبأها أو دمرها قبل اندلاع الحرب بفترة وجيزة.
2- أن يكون صدام قد فكك ترسانته العسكرية إلى حين رفع الحظر الاقتصادي على العراق ثم استئناف عملية بناء الترسانة لاحقًا. ونقلت الصحيفة هذا السيناريو عن الخبير الأمريكي السابق في الشئون الاستخباراتية ريتشارد شولتز الذي يعتقد أن صدام فكك أجزاءً من ترسانته نهاية التسعينيات أملًا في إقناع المجتمع الدولي بإنهاء الحظر إلا أن أحداث 11 سبتمبر 2001 لفتت انتباه الإدارة الأمريكية مجددًا للعراق.
3- أن يكون صدام تخلص من أسلحته البيولوجية والكيماوية في أعقاب حرب الخليج سنة 1991، وهو سيناريو مبني على اعترافات حسين كامل صهر صدام حين فر إلى الأردن سنة 1995.
وفي جميع الأحوال فإن الحكومة البريطانية لم تسلط الضوء كاملًا على الملف العسكري العراقي مما يزيد من حرجها السياسي أمام الرأي العام.
حقيقة القدرات النووية العراقية
وفيما يركز المحللون على مصير الأسلحة البيولوجية والكيماوية العراقية فإن أحدًا لا يعتقد أنه كانت لدى العراق أي قدرات نووية: إلا أن ادعاءات الاستخبارات البريطانية بشأن قيام بغداد بشراء مادة اليورانيوم المشعة من النيجر لتطوير ترسانتها النووية قد أثار جدلًا واسعًا، سيما بين الأجهزة الاستخباراتية البريطانية والأمريكية فقد شككت وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي. أي ايه» في صحة المزاعم البريطانية على الرغم من أن الرئيس الأمريكي بوش اعتمد عليها في خطابه الأخير عن «حالة الاتحاد».
وقال متحدث باسم الوكالة: إن ذكر بوش هذه المعلومة غير الدقيقة كان خطأ ما كان له أن يحدث وقد فتحت الشكوك الأمريكية في صحة المزاعم البريطانية باب الانتقادات واسعًا بين الأجهزة الاستخباراتية البريطانية والأمريكية حيث أكدت بريطانيا صحة ادعائها بشأن نوايا صدام بناء أسلحة نووية، مشيرة إلى أنها لم تسرب هذه المعلومات للاستخبارات الأمريكية لأسباب خاصة لم تذكرها وتنص معاهدة ثنائية بين أجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية «معاهدة أوسكا» على أن يتعاون الجهازان في تبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة إلا أن المعلومات حول محاولات العراق شراء اليورانيوم من النيجر لم تخضع لهذه المعاهدة لأسباب غامضة. وعلى الرغم من أن وزير الخارجية البريطاني جاك سترو اعترف بأن الاستخبارات الأمريكية طلبت من بريطانيا شطب هذه المعلومات غير المؤكدة من الملف الذي نشرته لندن في سبتمبر الماضي، إلا أن الحكومة البريطانية رفضت الطلب الأمريكي لأنها كانت واثقة من صحة المعلومات التي لم تبلغ بها الاستخبارات الأمريكية. وقال سترو: إن المعلومات حول يورانيوم النيجر لم تأت من خلال الاستخبارات البريطانية وإنما من استخبارات دولة أخرى لم يذكر اسمها.
وتسجل هذه الانتقادات بداية الخلاف العلني بين الولايات المتحدة وبريطانيا حول ملف الأسلحة العراقية التي يعتقد بعض المراقبين أن المعارضين البريطانيين سيستغلونها بشأن إدارة بلير لملف الحرب، حيث أكد وزير الخارجية السابق روبن كوك تعليقًا على أنباء الخلاف أن الوقت حان كي تقوم الحكومة البريطانية بالكشف عن المزيد من الأدلة التي تبرهن على صفقة اليورانيوم العراقية مع النيجر، مطالبًا الحكومة بالإجابة عن الانتقادات الأمريكية بشأن صحة المعلومات المزعومة. وأضاف كوك أنه كلما تأخرت الحكومة في الرد على هذه الانتقادات ازدادت الشكوك بأن بريطانيا نفسها لا تصدق مزاعمها ومن المؤكد أن الخلاف بين بريطانيا وأمريكا سيدخل الحكومة البريطانية في دوامة جديدة من الجدل من المحتمل أن تؤثر على المستقبل السياسي لرئيس الوزراء بلير.
تحريض بلير على «الدول المارقة»: وفي الوقت نفسه لا يبدو أن موجة الحرج السياسي التي يتعرض لها بلير ستثنيه عن استعداده لخوض نفس تجربة العراق مع أي نظام آخر مستقبلًا، حيث كشفت بعض الصحف البريطانية عن أن بلير ناشد رؤساء الحكومات الغربية الاتفاق على نظام عالمي جديد يبرر الحرب على العراق حتى لو لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل، ويخول القوى الغربية سلطة شن الحرب على أي دولة ذات سيادة إذا كان الحاكم يتسبب في قمع شعبه وكشفت الصحف عن وثيقة خاصة وزعتها الحكومة البريطانية على جميع الزعماء الغربيين الذين اجتمعوا في قمة لندن مؤخرًا تطالب بالتخلي عن سياسة «عدم التدخل في الشئون الداخلية» في حالة الأنظمة الديكتاتورية التي تقمع شعوبها وتبني سياسة جديدة مبنية على المسئولية الدولية لحماية الشعوب! ومن المتوقع أن يرفض المستشار الألماني جيرهارد شرودر المقترحات البريطانية، مما سيسجل خلافًا جديدًا بين بريطانيا وألمانيا لطريقة بريطانيا في إدارة الشئون الدولية. وقد دلت الوثيقة البريطانية الجديدة على أن بلير الذي خاض في عهده السياسي (ستة أعوام)، خمسة حروب على استعداد لخوض المزيد.
ويرى البعض أن بلير يقوم بدور الوسيط الأوروبي لتوريط بقية دول الاتحاد الأوروبي في المنظومة الأمريكية المرتقبة لإعادة ترتيب المنطقة والتعامل مع الأنظمة التي تراها أمريكا «مارقة» وإذا ما نجح بلير في توسيع مجال المشاركة الأوروبية في المنظومة الأمريكية فإن النظام في سورية وإيران سيكون على قمة أجندة الدول المارقة التي سيتوجب تصفيتها، سيما وأن «إسرائيل» تقوم بجهود حثيثة لتخويف كل من أمريكا وبريطانيا من خطر التسلح النووي الإيراني وتطالب بالقضاء عليه.