العنوان الانشقاق داخل حزب العمل إلى أين؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1989
مشاهدات 77
نشر في العدد 912
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 11-أبريل-1989
من غير المعقول أن تتسع الشرعية القانونية
في ظل الملك فاروق والاحتلال البريطاني لجماعة الإخوان ولا تتسع لها تجربة التعدد
الحزبي في ظل الاستقلال
لم يكن من السهل
أن يمر ما حدث في المؤتمر العام الخامس لحزب العمل من تأكيد الهوية الإسلامية
للحزب، ونجاح قائمة التيار الإسلامي في الفوز بالمقاعد الثلاثين للجنة التنفيذية،
لم يكن من السهل أن يمر هذا المؤتمر مرور الكرام، فالمتآمرون كثيرون!
من خارج الحزب
هناك المتربصون الذين سعوا بكل الوسائل لتوسيع حركة الانشقاق ورفض الشرعية، ومن
داخل الحزب استنكر عدد من القيادات التي فشلت في الانتخابات -برغم مشاركتها في كل
شيء وقبولها لكل الإجراءات التي سبقت عقد المؤتمر العام- استنكروا النتائج،
وأعلنوا خروجهم على القيادة الشرعية للحزب وتمكنوا -بمساعدة الدولة ممثلة في وزارة
الداخلية- من عقد مؤتمر يفتقد إلى كل مقومات شرعيته، أسموه استكمال المؤتمر العام
الخامس، وأعلنوا ضمن مسلسل التهريج والعبث إقصاء م. إبراهيم شكري، زعيم المعارضة رئيس
الحزب، وتنصيب أحمد مجاهد، ممثل الجبهة الاشتراكية نائب رئيس الحزب السابق متزعم
الانشقاق حاليًا، رئيسًا للحزب، وإقالة عادل حسين، رئيس تحرير صحيفة «الشعب» لسان
حال الحزب، وتعيين حامد زيدان خلفًا له، كما أعلنوا تعيين أعضاء جدد في اللجنة
العليا واللجنة التنفيذية وانتخاب هيئة مكتب جديدة.
كل ذلك حدث في
ظل حماية أجهزة الأمن ومساعدة بعض الصحف الحكومية في نشر أخبار هذا الفريق والزعم
بأن هناك الآن حزبين.
اجتماع
باطل
وحول اجتماع
المنشقين عن الحزب في المقر الفرعي بحدائق القبة بالقاهرة، أصدر حزب العمل بيانًا
أكد فيه بطلان عقد الاجتماع، وكذلك ما صدر عنه من قرارات.
وأكد البيان
الصادر عن حزب العمل أن المنشقين لو توافر لديهم ثلث أعضاء المؤتمر العام وليس
أكثر من نصفهم -حسب مزاعمهم- لكانوا تقدموا إلى رئيس الحزب بطلب عقد المؤتمر
الطارئ غير العادي، أما عن الزعم بأن اجتماعهم يأتي استكمالًا للمؤتمر الصحيح
السابق انعقاده، فهو زعم مردود.
يقول د. محمد
حلمي مراد، الأمين العام للحزب: أعلن أمام الله وأمام التاريخ أن متزعمي حركة
الانشقاق قبلوا أمامي، وفي جلسة تضم جميع الأطراف قبيل المؤتمر العام الخامس بناء
على دعوة وجهت إليَّ، وكنت متخليًا عن العمل الحزبي ما يلي:
أن يدخلوا
المؤتمر العام وفق التشكيلات الإقليمية التي تم انتخابها، وكانوا يعترضون على
تشكيل ثلاث لجان فقط من بين اللجان الممثلة لكافة المحافظات (26 محافظة)، وقد تم
انتخاب م. إبراهيم شكري بموافقة جميع الحاضرين بالتزكية وبدون منافس رئيسًا للحزب،
ثم أجريت الانتخابات لاختيار 30 عضوًا للجنة التنفيذية من بين 75 مرشحًا، وكان لا
بد ألا يفوز 45 من بينهم، وهذه هي الديمقراطية، وما إن أعلنت نتيجة الانتخاب -كما
علمت إذ لم أحضر المؤتمر ورشحت غيابيًّا- حتى ثار من لم يفوزوا من بعض العناصر
القيادية.
ويقول الأمين
العام: إن في الأمر مؤامرة مرسومة، وإن اجتماع هؤلاء المنشقين باطل من كل الوجوه
وبكافة المقاييس.
ويتحدث مجدي
أحمد حسين (ابن أحمد حسين، رئيس حزب مصر الفتاة)، الأمين العام المساعد للحزب عضو
البرلمان، بوضوح عن رؤيته لما حدث من المنشقين عن الحزب فيقول: كل هذا الحق وكل
هذا العداء الموتور، ضد حزب العمل لأنه أكد هويته الإسلامية.
التقى البعض
اليميني والبعض اليساري، التقى نفر من الشيوعيين مع أمن الدولة ليعلنوا الحرب على
الله ورسوله، بمساندة المنشقين الذين لا يمثلون أكثر من 1% من أعضاء المؤتمر
الشرعي، و1% من عضوية الحزب بأسرها، ونحن نقول: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء
وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) (الرعد: 17).
من
مصلحة النظام الاعتراف بالإخوان
ويؤكد مجدي أحمد
حسين أن قضية الإخوان المسلمين موضوع بسيط للغاية، وعلى الدولة أن تعترف بالجماعة
كجمعية أو كحزب شرعي، لأنها قوة موجودة وممثلة في البرلمان لا ينكرها أحد، ولا
يستطيع، بل إن بيانات المرشد العام وخطاباته تنشر في الصحف المصرية أحيانًا، وهذا
الاعتراف هو من مصلحة النظام السياسي الحاكم، أكثر منه لمصلحة الجماعة، حتى يصبح
نظامًا واقعيًّا، لا نظامًا وهميًّا يعترف بشرعية أحمد الصباحي، دون هذه الحركة
الأصيلة، ومن غير المعقول أن تتسع الشرعية القانونية في ظل الملك فاروق والاحتلال
البريطاني لجماعة الإخوان، ولا تتسع لها تجربة التعدد الحزبي في ظل الاستقلال.
إن الموقف في
حزب العمل هادئ والأمور تجري في إطارها الطبيعي، ولكن النظام السياسي هو الذي
يحاول اختلاق المشكلات بمساندته لمجموعة الفاشلين في الانتخابات أو المفصولين
لخروجهم عن الانضباط الحزبي، وعلى حزب العمل أن يعد العدة لمواجهة أمثال هذه
التحديات وتلك المؤامرات مادام قد عزم على تأكيد هويته الإسلامية وتدعيم فكرته
الإيمانية.
ومن أجل تسليط
مزيد من الضوء حول ما جرى في حزب العمل، كان هذا اللقاء مع الأستاذ إبراهيم شكري
رئيس الحزب.
«المجتمع»:
هل كان لتحالفكم مع الإخوان أثر في وضوح هذا التوجه نحو الإسلام؟
- شكري: قد يرى
البعض أن تحالفنا مع الإخوان في انتخابات أبريل 1987م
أمر يمكن أن
يكون موضع ملاحظة، وأقول: إننا كنا منذ البداية حركتين منفصلتين لكل منا قيادة
وأسلوب ومنهج، وكنا كثيرًا نتناقش في سبيل الدعوة للمبادئ القويمة التي يحض عليها
الإسلام، وأذكر موقفًا تاريخيًّا معروفًا، ففي عام 1950م عزمت وزارة الوفد على
إلغاء الأحكام العسكرية (قانون الطوارئ)، ففكرت في تقديم مشروع قانون للجمعيات
الأهلية يحظر عليها الاشتغال بالسياسة، بما يعني منع جماعة الإخوان المسلمين من
نشاطها، بعد أن أوقف نشاطها بأمر عسكري صدر عقب مقتل رئيس الوزراء وقتها النقراشي
باشا، فقام أفراد من الإخوان بمظاهرة خارج مجلس النواب حاملين المصاحف ومعهم مذكرة
مطبوعة يريدون أن يقدموها إلى أعضاء البرلمان توضح وجهة نظرهم بالنسبة لهذا
القانون، وحقهم المشروع في التصريح لهم بالوجود.
فخرجت إليهم
وأخذت المذكرة المطلوبة ودخلت بها المجلس ووزعتها على أعضاء المجلس فردًا فردًا،
وقد انتشر هذا الموضوع في جميع أنحاء البلاد ووجدنا أنه من المناسب أن نترك هذا
الأمر للمسؤولين في البلد.
ثم كانت حركتنا
ضد «البغاء الرسمي» الذي أدخله الإنجليز في مصر، بأن تأخذ «المومسات» رخصًا
لممارسة الرذيلة، وقد سقط أحد شهدائنا بالرصاص عندما فرقت الشرطة مظاهرة قامت في
أحد الشوارع التي كان بها بعض بيوت الدعارة.
وقد ألغت
الحكومة هذا القانون بعد فترة قصيرة، وكان أول استجواب قدمته عندما دخلت البرلمان
في مصر سنة 1950م كان موجهًا إلى وزير الشؤون الاجتماعية بخصوص تصريحه لحفلات تقام
باسم البر وجمع الأموال لأغراض الخير، ولكن يسمح بشرب الخمر فيها ولعب الميسر،
ووصل الأمر إلى أن تقام الحفلات خصيصًا لكي يحضرها الملك فاروق وأميرات البيت
المالك، استجوبت الوزير، وكان الاستجواب قويًّا منصبًّا على وجوب إيقاف هذه
المحرمات.
«المجتمع»:
البعض يرى أن ما حدث في المؤتمر الخامس للحزب كان مفاجأة، فما رأيك؟
- شكري: في
المؤتمر العام الرابع للحزب والذي عقد في 22/ 1/ 1987م تقدمت ببياني السياسي
لتوضيح خطنا الإسلامي وتفكيرنا، وهذا البيان الذي أقره المؤتمر الرابع كوثيقة من
وثائق الحزب، ليس فيه خلاف أو تعارض في التوجه أو الهدف عما تحدثت به في المؤتمر
الخامس، تحدثت في الذي ألقيته في المؤتمر الخامس عما أؤمن به وآراء المسلك الذي يعبر
عن حزب العمل، والطريق الذي يمكن أن يجمع مصرنا.
وقد طُرح في
المؤتمر أيضًا ورقتان فكريتان وضعتا النقاط فوق الحروف بالنسبة للبيان الذي
ألقيته، وهذه الأوراق قد تم إعدادها من مجموعة من أعضاء الحزب، بما فيهم بعض الذين
يغضبون الآن من نتائج الانتخابات.
كما أن شعار
المؤتمر الذي كان «إصلاح شامل من منظور إسلامي» كان موضع اتفاق كامل بين اللجنة
التحضيرية للمؤتمر، ثم اللجنة التنفيذية، ثم اللجنة العليا التي انعقدت قبل
المؤتمر.
وكان هناك
اقتراح بأن نسمي حزبنا حزب العمل الاشتراكي.
«المجتمع»:
وماذا عن أخبار التحالف الإسلامي؟
- شكري: التحالف
الإسلامي قائم، ولكن كل العناصر التي انتُخبت كأعضاء في اللجنة التنفيذية ليسوا من
قيادات الإخوان المسلمين، وللإخوان تجمعهم وقيادتهم، ولحزب العمل تكوينه وقيادته
ولجانه والتحالف مستمر، والغاضبون كانوا يسعون دائمًا لمحاولة كسر هذا التحالف،
الأمر الذي لا أراه محققًا لأي مصلحة، لا للحزب ولا لإيجاد طريق صحيح للمشاركة في
العمل العام لهذا التوجه الإسلامي المنتشر في الشارع المصري.
ولا يمكنني أن
أتجاهل الاستقبال الكبير للشعب المصري لقوائم حزب العمل الاشتراكي، والتي كانت
تجمع «العمل والإخوان والأحرار» تحت شعار التحالف، وأن الإسلام هو الحل، لا يمكنني
أن أتجاهل كيف استقبلت هذه القوائم بترحيب كبير، وفازت بأصوات كبيرة جدًّا، بأكثر
مما أظهرته النتائج المعلنة للانتخابات، كما أن التفسير الخاطئ للقانون قد ضيع
علينا الكثير من المقاعد، والتي حكم لنا بها القضاء الإداري بمجلس الدولة، ولم
ينفذ الحكم حتى الآن.
«المجتمع»:
كان المؤتمر العام للحزب صراعًا بين الخط الإسلامي والخط العلماني انتصر فيه الخط
الإسلامي بفضل الله، فما هي رؤيتكم لحجم الخط العلماني داخل الحزب الآن؟
- شكري: عندما
كنا نتناقش ونتحاور، لم يكن هناك خلاف بيننا من حيث الوصول إلى نوع من التعبير عن
هوية الحزب من أنه حزب له توجه إسلامي، ولكن الواضح أن البعض من حيث جذور تفكيره
لم يكن متصلاً بحركة مصر الفتاة أو مدرسة الأستاذ أحمد حسين، ومن هنا كان هناك خط
رفيع بين أجنحته، كان في الإمكان أن يسيروا معًا في حزب واحد، ولكن هذه المحاولة
التي قاموا بها للاعتصام بأحد مقرات الحزب، ثم حديثهم عن دعوتهم لمؤتمر عام جديد
مخالفين اللائحة والإجراءات التي شاركوا فيها، مع أن ترتيبهم جاء بعد الفائزين
مباشرة في اللجنة التنفيذية، فالأمر إذن لم يكن فيه محاولة لإبعادهم أو إسقاطهم،
ومن هنا كنت أرجو أن تكون معالجة الأمر بالنسبة لهم لو رأوا ملاحظات أن تكون في
إطار لائحة الحزب، خاصة وأحمد مجاهد، نائب رئيس الحزب السابق وأحد المنشقين الآن،
وقف بعد انتهاء المؤتمر، وتحدث عن عدم شجبه لعملية الانتخابات وإنما تحدث عن بعض
الملاحظات.
ويجب ألا نهون
من قوة العلمانيين ولا نساعد على تقويتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وعلى التيار
الإسلامي أن يتفهم الموقف بأبعاده الصحيحة، وأن يحاول ألا يساعد أحدًا من الذين
يريدون محاربته، بأن نعطيهم السلاح الذي يضربوننا به، ونحن في مصر عشنا ما يزيد
على ألف وأربعمائة عام ونحن نتعايش مسلمين وأقباطًا في وحدة وطنية يتمسك بها حزب
العمل، بل ويفخر بأن صفوف حزبه تتسع للمسلمين ومعهم الإخوة الأقباط.
«المجتمع»:
حزب العمل هو حزب ذو توجه يساري، إلى أي مدى تنطبق هذه الصفة الآن؟
- شكري: إنني لا
أميل إلى هذه التقسيمات، إنما أفهم مدى تمسك الحزب بمبادئ تحقق التكافل الاجتماعي
بين أفراد المجتمع، ونعرف أنه إذا كان الإسلام قد احترم حق الملكية وجمع المال
بالطرق المشروعة عن طريق الإنتاج بشتى صوره، والتجارة، فإنه في نفس الوقت نعرف أنه
لا مال لأحد إذا جاع المسلمون، ونحن نرى أن الإسلام قد عالج الأمور كلها من حيث
التوازن المطلوب بين حريات الفرد وحقوق المجتمع، ونحن حريصون على هذه المعادلة.
«المجتمع»:
ما الخطوة القادمة على المستوى الفكري والسياسي لحزب العمل؟
- شكري: علينا
أن نوضح كيف يمكن أن نجعل من أفكارنا ترجمة عملية في كل المجالات، سواء كان ذلك في
السلوكيات أو في وجوب الاعتماد على النفس وعدم مد الأيدي للغير، وإننا لنؤمن
تمامًا أن مسلك الفرد هو الذي يشكل في النهاية شكل المجتمع، وما يمكن أن يحققه من
خير ونمو وأمن، ومن هنا نستبق دائمًا إلى تبيان المسائل العملية والبرامج التي
تحقق ذلك بإذن الله.