العنوان أخيرًا .. عدوى الانشقاق تصيب أقدم أحزاب اليسار المغربي
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1258
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 15-يوليو-1997
حدث أخيرًا ما كان متوقعًا منذ مدة الانشقاق الأول في حياة أقدم أحزاب اليسار المغربي حزب التقدم والاشتراكية، فمباشرة بعد أن أخذت حمى الانتخابات الجماعية طريقها نحو الهدوء، وقبل بدء الاستعداد للانتخابات التشريعية أعلنت مجموعة من أطر الحزب انفصالها عن التقدم والاشتراكية، وتأسيسها لتنظيم جديد هو جبهة القوى الديمقراطية، بزعامة التهامي الخياري عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية الأستاذ بالمعهد الوطني للزراعة والبيطرة.
والحقيقة أن هذا الانشقاق ليس وليد اليوم. ولم يأت بنفس الفجاءة التي أتى بها منذ شهور خلت انشقاق أصحاب الحزب الاشتراكي الديمقراطي عن منظمة العمل الديمقراطي والشعبي العضو الآخر في منظومة اليسار المغربي ولا بنفس فجاءة انشقاق محمود عريشان عن الحركة الوطنية الشعبية من يعين الوسط وتأسيسه الحركة الديمقراطية الاجتماعية.
ذلك أن النوايا الانفصالية للتهامي الخياري وأصحابه كانت لها إرهاصتها الأولى منذ أزيد من سنتين عندما تراجع زعيم الحزب على يعته عن استقالته في المؤتمر الخامس بدعوى تشبث الرفاق بزعامته فبادر التهامي الخياري العضو البارز في المكتب السياسي للحزب إلى إصدار جريدة المنعطف تحت إدارته الخاصة وبشكل مستقل عن صحافة حزبه وأخرج على صفحاتها النقاش الذي ظل داخليًا في دهاليز الحزب إلى العلن ليتكشف للرأي العام بوضوح أن أمر تشبث القواعد بزعامة الزعيم لم يكن إلا مسرحية المراد منها «عودة دار لقمان إلى حالها، وفي ظروف أصعب وأسوأ من تلك التي كانت قبل المؤتمر» على حد تعبير التهامي الخياري.
وظاهرة الانشقاق قديمة في الأحزاب المغربية قدم هذه الأحزاب، ومتابعتها تصيب المرء بالدوار ولعل أهم أسباب الانشقاقات داخل أحزاب اليسار يكمن في غياب الديمقراطية الداخلية فهذه الأحزاب التي ما فتئت تطالب السلطات بمزيد من نهج اليات الشفافية والديمقراطية والحريات العامة لا تتوانى في ممارسة أساليب التعيين داخل كل أجهزتها. وتتجنب أي نقد ذاتي أو فسح المجال للأطر الشابة لتولي المسؤولية أو حتى التعبير عن رأيها مما دفع بالعديد إلى البحث عن فضاءات أخرى لطرح أفكارهم وتوجهاتهم، ولو أدى الأمر إلى تأسيس أطر تنظيمية أخرى سرعان ما تصبح كذلك منغلقة على رأي وقرار الزعيم الجديد وبطانته الجديدة، وعلى ممارسة ما أنشقت بسببه عن أحزابها الأم.
غير أن حزب التقدم والاشتراكية ظل منذ تأسيسه بعيدًا عن حمى الانشقاقات، وربما يعود ذلك إلى انحصاره في بدايات الاستقلال. على نخبة من الأطر المغربية العليا المشبعة بالفكر الماركسي الشيوعي والمنسجمة فيما بينها بعيدًا عن هموم الواقع المغربي لدرجة أن البعض كان يسميه في الستينيات بحزب مدخني السيجار الكوبي ومناضلي الصالونات المغلقة، ومع بدايات انفتاحه على المجتمع ومشاركاته السياسية المباشرة ودخول دماء جديدة من المثقفين الماركسيين المغاربة إلى صفوفه سرعان ما بدأ يعرف هو الآخر تباينات وجهات النظر والتوجهات الفكرية والمواقف ومع. تشبث زعاماته التقليدية بـ: «كارزميتها»، ونفوذها عرف الحزب أول بوادر الاختلاف منذ كان يتهيأ - لعقد مؤتمره الرابع في الثمانينيات ولكنها ظلت - كامنة إلى أن ظهرت على السطح خلال المؤتمر الخامس سنة ١٩٩٥م وبعده، ليعرف الحزب أول انشقاق له منذ تأسيسه.
ويعود أول ظهور للعناصر التي ستكون هذا الحزب فيما بعد إلى فترة الثلاثينيات، وذلك في - إطار الحركة الشيوعية الفرنسية، ثم كان إحداثه رسميًا على يد اليهودي «ليون سلطان»، تحت أسم - الحزب الشيوعي في المغرب، وانحصرت نضالاته آنذاك على معاداة الفاشية، داخل إطار الحركة الشيوعية الفرنسية وفي سنة ١٩٤٥م وبعد موت «ليون سلطان»، تمت مغربته على يد «علي بعته» «ليتحول من الحزب الشيوعي في المغرب» إلى «الحزب الشيوعي المغربي».
وبعد استقلال المغرب صدر في حقه قرار قضائي من محكمة الاستئناف بالرباط يقضي بمنعه من مزاولة نشاطه السياسي، وذلك التعارض الأيديولوجية الماركسية اللينينية التي يتبناها مع تعاليم الإسلام دين المملكة الرسمي وتم كذلك توقيف جميع منابره الإعلامية، ولكنه عاد بعد ذلك في سنة ١٩٦١م إلى الظهور بعد أن غير اسمه إلى حزب «التحرر والاشتراكية»، وبعد أن عمل على تليين مواقفه السياسية ومرتكزاته الأيديولوجية للتناغم مع طبيعة المرحلة في البلاد بعد استقلالها، وهكذا تخلى عن أطروحة الخيار الثوري متبنيًا أطروحة النضال الديمقراطي في إطار المؤسسات الدستورية، وعن مرجعتيه الأيديولوجية المتمثلة في «الماركسية اللينينية»، التي أصبحت تسميتها الاشتراكية العلمية.
غير أن علاقاته الوثيقة بالمنظومة الشيوعية العالمية والتي بلغت ذروة علانيتها بمشاركته في يوليو ١٩٦٩ في مؤتمر الأحزاب الشيوعية والعمالية بموسكو، غذت الشكوك التي كانت تحوم حوله وهكذا تعرض الحزب مرة أخرى للمنع، وذلك في عام ١٩٦٩م استنادا إلى تعارض منطلقاته الأيديولوجية مع تعاليم دين الدولة وإلى التعامل مع القوى الأجنبية والولاء لها.
ومع بداية الانفراج السياسي الذي عرفه المغرب في منتصف السبعينيات حصل الحزب من جديد على الشرعية القانونية تحت أسمه الذي لازال يحمله إلى الآن «التقدم والاشتراكية».
لكن قواعد الحزب ظلت تعقد أمالًا كبيرة على أن يحسم المؤتمر الخامس الذي أنعقد في يوليو ١٩٩٥م بالرباط في العديد من القضايا العالقة خصوصًا مسألة الديمقراطية الداخلية، ولكنه على العكس من ذلك لم يعمل إلا على تعميق التردد الذي كان يطبع مواقفه في العديد من القضايا وكاد المؤتمر أن يعرف الانفجار بسبب الفوضى العارمة التي ميزت أشغاله.
وانبثقت عن ذلك المؤتمر خريطة حزبية جديدة؛ بحيث تشكلت داخله تحالفات وأجنحة جديدة أهمها جناح التهامي الخياري.
ویری مهندسو هذا التنظيم الجديد المنبثق عن الانشقاق كما جاء كذلك في إحدى افتتاحيات المنعطف «أن محاصرة هذه الظواهر تكمن في عملية التجديد الحزبي، فلا الزعامات التاريخية ولا الرصيد النضالي قادران على ضمان النفوذ السياسي للأحزاب التقليدية، وأن التجديد ليس أفكارًا جاهزة، بل ممارسة وسلوكًا ينبغي ترجمتهما على أرض الواقع».
وقد خطط التهامي الخياري للانشقاق منذ سنتين من خلال ممارسات من داخل حزبه القديم قادته إلى إنشاء مركزية نقابية جديدة تحت قيادته بعد أن أصدر منبرًا إعلاميًا خاصا به، وهو لا يزال آنذاك داخل الحزب وأنتظر إلى ما بعد الانتخابات الجماعية الأخيرة ليعلن عن تشكيل حزبه الجديد «جبهة القوى الديمقراطية».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل