العنوان المجتمع تحاور د. وليد قزيها أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.. لا توجد غير الحركات الإسلامية تمثل المجتمع المدني الحقيقي.
الكاتب عمرو عبدالكريم
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998
مشاهدات 103
نشر في العدد 1299
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 12-مايو-1998
في كتابه عن «المجتمع المدني في الشرق الأوسط» يقول أوجست ريتشارد نورتون، أستاذ العلوم السياسية في الأكاديمية العسكرية الأمريكية إنه: «بغض النظر عن الجدل العلمي، فالمجتمع المدني هو بؤرة النقاش والحوار في الشرق الأوسط»، وإذا كان المجتمع المدني هو بؤرة النقاش والحوار في منطقتنا الآن، فإن الرؤى تتعارض وتختلف، وفي بعض الأحيان تتناقض حول ما يدل عليه مفهوم المجتمع المدني، ونحن في هذا العدد نعرض لرؤية أحد أهم أبرز أساتذة العلوم السياسية في الوطن العربي، والتي تتناقض تناقضًا كبيرًا مع رؤى أخرى مطروحة لمفهوم المجتمع المدني، وبخاصة رؤية د. سعد الدين إبراهيم التي عرضنا لها في العدد الماضي.
● د. وليد، ترى ما العوامل وراء بروز مصطلح المجتمع المدني وشيوعه ضمن سياقات الخطاب العربي المعاصر؟
• أنا أرجع ذلك للأوضاع السياسية التي يمر بها الوطن العربي ووضع المثقف العربي في خضم هذه الأوضاع، فبعد هزيمة ١٩٦٧م كانت هناك محاولات عديدة لفهم سبب الهزيمة، ووصل المثقفون العرب إلى نتائج متعددة ومختلفة، وكان أحد أهم هذه النتائج: أن المواطن العربي بالقدر الذي كان فيه مقهورًا ولا يتمتع بحريته، كان حجم الهزيمة، أي أن الهزيمة سببها الرئيس ليس أمريكا، ولا قدرات إسرائيل العسكرية، ولا التخلف العربي بقدر ما كان المواطن العربي الذي خاض المعركة، مواطنًا لا يتمتع بأي نوع من الديمقراطية، ولما كان مقهورًا كان عبدًا للسُلطات التي ورطته في هذه المعركة دون أن يؤخذ رأيه، ودون أن يجند التجنيد الحقيقي لمثل هذه المعركة، ولذلك نشأ -بعد الحرب- تيار بين المثقفين العرب يدعو إلى إقامة المجتمعات العربية على الديمقراطية، ونُظر إلى الديمقراطية على أنها مفتاح حل معظم المشاكل العربية مثل التخلف والهزيمة، وأصبحت الديمقراطية شعار المثقفين العرب، وفيها كتبت المقالات، وعقدت الندوات، وفي الثمانينيات زاد التململ من عدم تحقيق الديمقراطية في الواقع العربي، بل إن معظم الأنظمة العربية «وبخاصة بعد ٧٣» قد ثبّتت وجودها، وأدخلت قوانين الطوارئ لمنع أي بصيص من الديمقراطية، ومما ساعد على الحديث المتزايد عن المجتمع المدني الموجة العالمية للتحوّل الديمقراطي التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، وهي الموجة التي كانت تقول أن الديمقراطية ستصبح نظامًا دوليًا، إلا أنها لم تؤت ثمارها في الوطن العربي.
ثم حدثت نقلة تدريجية إلى خط الدفاع الثاني، فكان الحديث عن «المجتمع المدني» الذي عُرف بأنه مجتمع مستقل عن السُلطة السياسية، وأن المجتمع المدني هو مجتمع لمؤسسات وأفراد ومجموعات عربية قادرة على أن يكون لها فعلها في النظام السياسي العربي.
● يبدو أن قضية تعريف المجتمع المدني تثير كثيرًا من النقاش، حيث يتبنى بعض المفكرين العرب تعريفًا محددًا للمجتمع المدني يتفق مع رؤيتهم الأيديولوجية، ثم يحددون موقفهم من باقي التكوينات الاجتماعية على أساس هذا التعريف، فهل لكم أن تحدثونا عن هذه القضية؟
• بداية أقول إن مقومات المجتمع المدني التي يتحدث عنها د. سعد الدين إبراهيم وغيره هي مقومات غير موجودة، أي أن تعريفهم مؤسساتي، بمعنى لا بد من أن تكون هناك مؤسسات في المجتمع المدني تلعب دورًا حقيقيًا ومستقلًا عن السُلطة، فإذا نظرت إلى هذا التعريف المؤسساتي وجدت أن د. سعد الدين إبراهيم والمدرسة التي يمثلها نقدوا أنفسهم عندما تحدثوا عن عدم فعالية تلك المؤسسات، فقالوا إن هناك (٧٠) ألف مؤسسة عربية غالبيتها صغيرة جدًا وبعيدة عن أن تؤدي دورًا مؤثرًا في الحياة العامة في البلاد المختلفة، وممن لهم باع في تأسيس هذه المدرسة د. أماني قنديل، ود. مصطفى كامل السيد، كما روج د. سعد لهذه المدرسة.
وأقترح أن يكون تعريف المجتمع المدني مبنيًا على النظر إلى المبادرات الفردية والمجتمعية التي لها تأثير سياسي، وأن تكون ناشئة من جذور المجتمع، وأخيرًا أن تكون هذه المبادرات مستقلة ولها فعاليتها السياسية، فكل سلوك أو تصرف في المجتمع له أبعاده السياسية حتى الطريقة التي تفطم بها الأم ابنها، وإلى الآن ليست هناك أي دراسة ترصد وتحلل لهذه المبادرات فعاليتها السياسية المباشرة أو عدم فعاليتها، باستثناء بعض المبادرات السياسية لبعض الأحزاب و«الجمعيات السياسية السرية».
الضغوط الخارجية ليست لإعطاء المجتمع حريات حقيقية أو إفساح المجال لتطور المجتمع المدني بقدر ما هي للقضاء على الدور الاقتصادي للدولة.
ما يجري حاليًا ليس تحطيمًا لدور الدولة، وإنما قصره على أمن النظام وتثبيت موقع النُخب السياسية.
● قضية الحركة الإسلامية والمجتمع المدني، هل تعد الحركات الإسلامية عامل ترسيخ أم عائق أمام المجتمع المدني؟
• بداية من عيّن د. سعد الدين حاكمًا حتى يدخل أو يخرج من المجتمع المدني من يشاء؟
● د. سعد يقول إن هذا تعريف علمي والتعريف عقد بين الكاتب والقارئ؟
• التعريف يأتي عن طريق البحث الحقيقي، وليس عن رأي الكاتب إلا إذا كان يكتب قصة وليس بحثًا سياسيًا، وأي تعريف هذا الذي يتحدث عنه الكاتب؟ تعريف المجتمع المدني تعريف علمي لم يخترعه د. سعد ولا وليد، وهو ترجمة عن المجتمعات الغربية، ثم أضاف له شروطًا تحكمية وراءها معتقداته، ولا يصلح أن تأخذ تعريفًا ثم تفصله عن اتجاهك السياسي، أنا لست من الحركات الإسلامية، ولكن لا يمكن القول إنها غير موجودة في المجتمع العربي، ولا تدخل ضمن المجتمع المدني.
● كيف إذن يمكن أن نفرّق بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي؟
• علماء السياسة بحثوا هذه التعريفات عندما تحدثوا عن أن المجتمع السياسي هو مجتمع الأحزاب ومجتمع النخب التي تتعاطى السياسة من فوق، أما المجتمع المدني فهو المبادرات السياسية المباشرة من جذور المجتمع.
● إذا كان شرطًا أن تكون مبادرات ناشئة من جذور المجتمع، فأغلب الأحزاب العربية ليس له جذور؟
• لذلك هي أحزاب نخب تتعاطى السُلطة، ولا تتعاطى سياسة المجتمع، والحقيقة أنه لا توجد غير الحركات الإسلامية يمثل المجتمع المدني الحقيقي، وانظر إلى المقاومة الفلسطينية تجدها تتلخص في الانتفاضة التي هي في فعل سياسي ناشئ من جذور المجتمع، كما أن الحركات الإسلامية مستقلة عن الدول، ولا تلعب اللعبة السياسية عن طريق النخب، بل تمارس السياسة عبر جذور المجتمع.
● عملية تفكيك المجتمع التقليدي في الغرب اقترنت ببناء مجتمع حديث، فهل يمكن تكرار التجارب الاجتماعية عبر سياقات مختلفة؟
• لا أعتقد، لكن لا شك في أن المجتمع التقليدي العربي يتلاشى من منتصف القرن التاسع عشر، ونعيش من ساعتها حالة تخبط، ولا أقول حالة مخاض؛ وذلك لأن المجتمعات العربية فقدت بنيتها التقليدية، ولم تكتسب بنية حديثة.
● ولماذا؟
• أتصور ذلك عائدًا لسببين:
الأول: العنصر الخارجي الذي يلعب دائمًا دورًا فعالًا في وضع المجتمع العربي والإسلامي بشكل عام في موقف الدفاع عن النفس وباستمرار يعمل على شرذمته.
الثاني: أن النخب السلطوية تتصدى لمشروع بناء تحديثي، وبالعكس اتخذت موقف شريعة وعزل الأكثرية الكبرى من أبناء المجتمع، وفي الحقيقة تواجه المجتمعات قوتين تودي بها: الأولى داخلية، والأخرى خارجية، وهما معًا يعملان لإحباط أي محاولة لتحديث هذه المجتمعات، ولا يمكن أن يكون هناك نظام سياسي مستقل، ولا يقوم بعملية تحديث للمجتمع، بعض الأنظمة العربية لها في الحكم فوق العشرين سنة، لكن أين التحديث؟
● تعمل بعض التوجهات على تصفية دور الدولة بحجج كثيرة، أهمها الرغبة في بزوغ مجتمع مدني قوي؟
• ما يجرى حاليًا ليس تحطيم دور الدولة، وإنما قصر دورها على «أمن النظام» وتثبيت موقع النخب السياسية، والتراجع الذي يجري في دور الدولة إنما هو في القطاع الاقتصادي فقط، كما أن الضغوط الخارجية ليست لإعطاء المجتمع حريات حقيقية أو إفساح المجال أمام تطور مجتمع مدني بقدر ما هو للقضاء على الدور الاقتصادي للدولة فقط، بل بالعكس العنصر الخارجي يحاول أن يقوّي الدول أمنيًا للمحافظة على مصالح القوى الخارجية داخل المجتمع، أي أنه تقليص من ناحية، وتعميق من ناحية أخرى، وليس في ذلك مصلحة للمواطن، بل إن تقليص الدور الاقتصادي للدولة جعل هَم المواطن العربي الأول هو أبواب الرزق وليس السياسة، ذلك أن رجال الأعمال الذين يشهد دورهم بروزًا واستقواء لا يطالبون الدولة بقسط من الحرية السياسية، بل يطالبون بضرب العمال.
● برأيكم د. وليد: ما أهم العوائق أمام المجتمع المدني في بعض بلدان الوطن العربي؟
• عملية الداخل والخارج وتعاونهما معًا لهضم حقوق الإنسان السياسية، وتأقلم المواطن مع هذه الحالة حتى أصبح خائفًا في ذاته، وهموم الحياة اليومية التي أغرقته بحيث أصبح تكوينه الذهني يتبلور بشكل يمثل عائقًا أمام بروز المجتمع المدني.
● تتلخص المسألة إذن في الثقافة السياسية؟
• الثقافة السياسية تفترض وجود مدارس تتصارع ليس على صعيد الفكر بقدر ما يكون على صعيد السُلطة، وطالما السُلطة غير متوافرة، فأين تكون؟ بل إن الثقافة السياسية عن طريق الحزب تتصارع على السُلطة أيضًا، أما الثقافة السياسية التي نقرأ عنها في الكتب فليست هي المقصودة.
● كيف تقيّمون تأثير العامل الدولي في دفع الأنظمة العربية للتحول الديمقراطي الذي قد يؤدي إلى تداول سِلمي للسُلطة؟
• الذي يبدو أحيانًا أن الحاصل هو العكس، فالعامل الدولي دوره هو محاولة الاحتواء والتأطير أكثر مما هو إفساح المجال لتداول السُلطة.
● عودة لقضية الحركات الإسلامية والمجتمع المدني، هل هناك فرص قائمة للعمل المدني أمام الحركات الإسلامية؟
• في بعض البلدان موجودة، وإن كانت تحت رحمة السُلطة، عندك الأردن مثلًا، لكن أقول إن الحركات الإسلامية اليوم هي محاصرة، وبالتالي هذا يؤثر على فعاليتها على المدى البعيد، وعلى الحركات الإسلامية أن توجه جهودها للمجتمع.
● وهل يمكن الفصل بين الدولة والمجتمع؟ • ممكن الفصل.
● الدولة تحاول السيطرة على المجتمع؟
• الدول لا تمثل جذور المجتمع، وتمثل نخبًا سياسية في موقع السلطة، وليس لها جذور سياسية، إذن هي منفصلة عن المجتمع، وتتعامل معه بطريقة القهر، ولا يحكم علاقتها بالمجتمع أي صلاحيات سياسية.
● أقصد آليات السُلطة في دفاعها عن نفسها عن طريق اختراق مؤسسات المجتمع المدني؟
• هناك محاولات للسيطرة وهي دائمة، أحيانًا تزيد وأحيانًا تنقص، لكن ليست هناك علاقة تفاعل بين المجتمع والدولة، إذن هي علاقة سيطرة عليه، والمجتمع يتبنى طُرقًا لتفادي هذه السيطرة مثل القوانين التي لا تنفذ؛ أي أن المواطن يسمع للدولة فقط، عندما يكون لها سيطرة عليه، فينضبط في مجالات وأخرى لا، مثلًا المواطن يخاف التعاطي بالسياسة، ولكن إذا استطاع التحايل على القوانين التي تشرعها الدولة، فإنه يتحايل عليها ولا ينفذها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل