الثلاثاء 22-يوليو-1986
- الفاتيكان تغزو القارة الأفريقية عبر الإذاعات التبشيرية.
- قام البابا بثلاث رحلات أفريقية لمواجهة المد الإسلامي الذي عم القارة.
- أفتتح البابا في ساحل العاج بغرب أفريقيا أكبر كاتدرائية في العالم بعد الفاتيكان.
ظلت أفريقيا طيلة قرون عديدة لا تعرف إلا الدين الإسلامي الذي دخل القارة بدون سيف أو غزوات أو تأثير مادي آخر من أي نوع كان. بل وجد الأفارقة في الإسلام كل الأخلاقيات التي تسمو إليها النفس البشرية من حرية وصفاء ويسر ووضوح، وظل الإسلام يتقدم بخطى ثابتة يكتسح معاقل. الوثنية في كل مكان، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية من شمال القارة إلى شرقها وغربها، وظلت اللغة العربية لغة التعليم والمراسلات. طيلة قرون في معظم الدول الأفريقية.
الاستعمار والتنصير:
لم تعرف القارة الأفريقية الديانة النصرانية إلا مع قدوم طلائع الجيوش الاستعمارية من إنجليزية وفرنسية وبرتغالية تلك الجيوش التي حملت معها الصليب والقهر والاحتلال وسلب الحريات العامة، وكانت الفاتيكان قبلتها ومصدر تعليماتها الرامية إلى القضاء على الإسلام والمسلمين في جميع أنحاء القارة الأفريقية. لقد استنهض الاستعمار الغربي كل قواه المادية بالتعاون مع الفاتيكان للعمل الدؤوب لتنصير الشعوب الأفريقية. وقد أنشأوا من أجل تحقيق ذلك الهدف مؤسسات تعليمية عديدة ومستشفيات وملاجئ حيث يتم تقديم الخدمات فيها كوسيلة للتنصير. ومن أضخم المؤسسات الكنسية التي أفرزها عهد الاستعمار التنصيري في أفريقيا مجلس دراسة الإسلام في أفريقيا ومقره في نيروبي، وقد أنشئ في عام ١٩٥٨بواسطة ممثلين عن جميع الكنائس العاملة في أفريقيا، وتتلخص أهداف هذا المجلس في محاولة تعريف المبشرين بطبيعة المجتمعات الإسلامية في أفريقيا بقصد تنصيرها.
وسائل تبشيرية:
تستعمل الفاتيكان والمؤسسات التبشيرية التابعة لها وسائل متعددة للتنصير في أفريقيا ومن هذه الوسائل أجهزة الإعلام المختلفة من إذاعة وصحف ونشرات لأن تلك الوسائل تغني عن الاتصالات المباشرة التي تكلف وقتًا وجهدًا مكثفًا في حين أن التبشير بالراديو يصل إلى ملايين المستمعين في لحظة واحدة. وقد بدأت تجربة الإذاعات التبشيرية في أفريقيا منذ عام١٩٥٤عندما بدأ بث البرامج. التبشيرية من الإذاعة الدولية التي تبث برامجها الآن من سوازيلاند، وتعتبر هذه الإذاعة من أقوى الإذاعات المسيحية وأقدمها، وهي تبث الآن خمس ساعات في الأسبوع باللغات الإفريقية وإحدى وخمسين ساعة بالإنجليزية، وثمانيًا وعشرين ساعة بلغات أوروبية أخرى، ومن الإذاعات التبشيرية في أفريقيا:
- إذاعة صوت البشارة التي بدأت بث برامجها التبشيرية من أديس أبابا عام ١٩٦٦.
- ورابطة إذاعات الشرق الأقصى ومقرها في جزر سيشيل الواقعة في المحيط الهندي وتبث برامجها باللغات المحلية إلى البلاد الأفريقية وخاصة الواقعة منها في منطقة المحيط الهندي.
- وراديو الفاتيكان يرسل برامجها باللغات الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية وبلغات أفريقية، وتركز هذه الإذاعة على تعليم الإنجيل والموضوعات الروحية بجانب المشاكل الإنسانية العامة.
- وإذاعة الحب الأبدي لكسب أفريقيا ومقرها في متروفيا بليبيريا وتضم هذه الإذاعة ثلاث محطات داخلية، وتتمتع بموقع استراتيجي في القارة الأفريقية مما جعل لها تأثيرًا كبيرًا في الأوساط الأفريقية بغرب القارة، وقد أنشئت هذه الإذاعة بعد الاجتماع الذي عقده بعض رجال الدعوة الأمريكية في ولاية الينوي الأمريكية عام ١٩٥٠ وبدأت تبث برامجها عام ١٩٥٤.
- وإذاعة لاغوس في نيجيريا وهي إذاعة داخلية تقع في منطقة ذات أغلبية مسيحية بشمال نيجيريا وتبث برامجها يوميًا بثلاث لغات هي الإنجليزية والهوسا والفولاتي.
- وإذاعة كادونا بشمال نيجيريا أيضًا وهي تذيع دروسًا تبشيرية يوميًا باللغة الفولاتية.
- وإذاعة سيراليون التي تبث برامجها التبشيرية من العاصمة فريتاون بلغات أفريقية إلى جانب الإنجليزية.
- وإذاعة الغابون التي يوجد بها قسم خاص باللغة الفولاتية وتعمل هذه الإذاعة الآن كبديل لإذاعة صوت البشارة بأديس أبابا.
ومن الوسائل التي يستخدمها المبشرون في أفريقيا أجهزة التسجيل الكاسيت حيث يقوم المبشرون بتوزيع هذه الأجهزة وشرائط التبشير على المواطنين البسطاء بغية تنصيرهم.
استغلال الكوارث:
من عادة الفاتيكان وأجهزتها التبشيرية في العالم استغلال الكوارث الطبيعية للقيام بتقديم الإغاثة للمنكوبين من مأكل وملبس ومسكن وعلاج وأدوية، لكن مقابل اعتناقهم للنصرانية إن الفاتيكان استغلت كارثة المجاعة في القارة الأفريقية فأرسلت الإرساليات التبشيرية إلى شتى البلاد الأفريقية لمباشرة التنصير عبر المشاريع الزراعية ودور الحضانة المجانية وملاجئ التنصير والمستشفيات الكنسية وحفر الآبار الارتوازية في المناطق النائية.
وقد جاوز عدد البعثات التبشيرية في أفريقيا ٥٠ ألف بعثة تبشيرية في السنوات الأخيرة، كما ارتفع عدد الكنائس في القارة بشكل ملحوظ. وقد افتتح البابا بولس الثاني خلال جولته الأفريقية الثالثة أكبر كتدرائية في العالم بعد الفاتيكان والتي أنشئت في أبيدجان عاصمة ساحل العاج بتمويل كلي من الفاتيكان وتتسع لثمانية آلاف شخص، وقد بلغت تكاليف إنشاء هذه الكاتدرائية مبلغ ١٠ملايين دولار أمريكي. لتقوم صرحًا شامخًا للتبشير في القارة الأفريقية التي أصبحت تمثل مركز اهتمام الفاتيكان في التبشير بعد طغت الماديات على الروحانيات في أوروبا معقل المسيحية التقليدية.
زیارات البابا الأفريقية:
منذ أن تربع البابا بولس الثاني على كرسي الفاتيكان وضع نصب عينيه منافسة الإسلام، بل محاربته في جميع أنحاء العالم وخاصة في أفريقيا التي وضعت الفاتيكان خطة تبشيرية مكثفة لتنصير أغلب سكانها من هنا إلى مطلع عام ٢٠٠٠ ومن أجل وضع هذه الخطة موضع التنفيذ قام البابا بولس الثاني بثلاث رحلات شملت معظم دول القارة الأفريقية، وذلك في ظرف خمس سنوات. وكان أهم هدف له في تلك الزيارات كلها العمل عن كثب لوقف المد الإسلامي الذي عرفته القارة مع سنوات الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي.
وقد طلب البابا من رجال الكنيسة في أفريقيا أن يضاعفوا جهودهم التبشيرية للوقوف أمام تعاظم المد الإسلامي الذي يعم القارة. وحث البابا رؤساء الدول الأفريقية النصارى مثل رؤساء الكاميرون وكينيا وساحل العاج بمساعدة الكنيسة في نشاطاتها التبشيرية.
وقد حاول البابا خلال جولاته الثلاث في الدول الأفريقية كسب ود المسلمين الأفارقة حيث تحدث مطولًا عن العلاقة بين الإسلام والنصرانية وركز على ضرورة التعايش بين الفريقين احترام كل منهما المعتقدات الفريق الآخر. وأبرز البابا دور الفاتيكان في مواجهة مشاكل الدول النامية بمختلف أنواعها وذلك في محاولة ماكرة منه لكسب أحاسيس شعوب تلك البلاد.
البابا في المغرب:
وقد اختتم البابا زيارته الأفريقية الثالثة بزيارة دولة عربية مسلمة تقع في شمال القارة هي المغرب تلبية لدعوة الملك الحسن الثاني وقد ناقش البابا مع العاهل المغربي مسألة تدويل مدينة القدس ومستقبل الحوار المسيحي الإسلامي. وألقى البابا خطابًا تاريخيًا في جموع غفيرة من الشباب المغربي المسلم باللغة الفرنسية دعاهم فيه إلى التمسك بالتسامح بين الديانات السماوية.
وإذا لم يكن الأمر كذلك فكيف تمكن اليهود من انتزاع وثيقة مهمة من الفاتيكان في يونية ١٩٨٤ تؤكد حق إسرائيل في فلسطين وتهدف إلى تنظيم العلاقات بين اليهود والفاتيكان. وما زيارة البابا الأخيرة لكنيس يهودي في العاصمة الإيطالية وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي للفاتيكان عام ١٩٨٤ إلا براهين دامغة على التحالف المتين بين الفاتيكان واليهود، فأي حوار ذلك الذي يدعو إليه البابا بين المسلمين والمسيحيين، إذا لم يكن الغرض الوحيد من ذلك الحوار هو تعطيل المسلمين عن مواصلة المد الإسلامي في جميع أنحاء العالم وخاصة في أفريقيا.
واجب المسلمين:
أمام هذه الهجمة التبشيرية الشرسة على معاقل الإسلام في آسيا وأفريقيا يجب على المسلمين أن يعدوا العدة لمواجهة التحدي التبشيري الذي أعلنته الفاتيكان في السنوات الأخيرة على العالم الإسلامي، ويتم ذلك الإعداد بتكوين الدعاة المسلمين المخلصين من جميع الاختصاصات العلمية من أساتذة وأطباء ومهندسين وعلماء اقتصاد وغير ذلك. وكذلك يجب القيام بجولات منتظمة من الدعاة في مناطق تواجد المبشرين في العالم الإسلامي لمراقبة تحركاتهم المشبوهة والسعي لتلبية احتياجات المسلمين في تلك المناطق بإنشاء المدارس والمستشفيات ودور الحضانة لسد الطرق أمام المبشرين الذين من دأبهم استغلال تلك الحوائج الطبيعية للإنسان للتأثير على معتقداته وسلوكه الديني. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف لا بد من تكاتف الجهود الخيرة في العالم الإسلامي والتنسيق فيما بين الهيئات الإسلامية الممولة لهذه المشاريع الإسلامية حتى تتنوع وتزدهر دون خلل أو تكرار.