العنوان أدب
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1987
مشاهدات 53
نشر في العدد 841
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 03-نوفمبر-1987
خواطر وملاحظات حول المجموعة القصصية: ثورة الندم
للكاتب القصاص محمد السيد
·
استمرار العطاء من الكاتب هو الذي
يؤصل منهجه ويقوّم أسلوبه وطريقته.
- قضية
فلسطين وحدها أو ما يماثلها تمد القَصّاص المسلم بمئات من الصور والأحداث.
ضمن السلسلة القصصية التي تصدرها
«دار الفرقان» في عمان نشرت مجموعتان قَصَصيتان للكاتب القاصّ «محمد السيد» وهما: «ثورة
الندم» و«شاطئ الرؤى الخضر».
وسوف أتوقف قليلًا مع المجموعة
الأولى «ثورة الندم» والتي تحتوي على ست عشرة قصة قصيرة، وتقع في مئتين وست وثلاثين
صفحة من الحجم الصغير. وفي هذه الوقفة لن أستعرض هذه القصص وإنما سأجمل الحديث عنها
إن شاء الله([1]).
1-
إن أكثر هذه القصص تصور الواقع الذي يعيشه المسلم
في هذا العصر، وتعالج بعض المشكلات التي يواجهها، فهي إما تتعلق بقضايا الفرد المسلم،
والنفس الإنسانية التي يحملها المسلم وما يشغلها، أو يثور في داخلها من وساوس ومخاوف،
وإما تتعلق بالأسرة التي تنظر إلى الأحداث والتغييرات على مستوى الفكر والمجتمع والعالم
والدولة، فتقف مواقف متباينة إزاء المتناقضات التي يعيشها الناس وإزاء الأحداث التي
تنزل بالأمة أو تتعلق بالمجتمع وما فيه من أفكار وأحداث ورجال وأصدقاء وأعداء وعقائد
ومشكلات.. أو تتعلق بالسلطات الحاكمة.. وما تمثله بالنسبة للشعب.
أو تتعلق بالشعب الذي يعاني
المآسي، والويلات، وعدم الأمن، والملاحقات والفقر، والاضطهاد، باسم الوطن والحرية والعدالة..
أو تتعلق بقضايا الأمة أو... وهذه القصص تضع بين يدي القارئ نماذج وشرائح من حياة هذا
الشعب المسلم هنا أو هناك.. وتومئ أحيانًا إلى سبيل الخلاص مما يعانيه من آلام واضطهاد
ومشكلات.
2- وفي بعض هذه القصص تناول الكاتب قضايا مهمة
وكبيرة مثل: قضية الأرض المحتلة «فلسطين» والجهاد في سبيل تحريرها من يهود كما في «ثورة
الندم»، «المقاتل والهوية»، «وصفة دواء».
أو قضية الحكم والجور والطغيان
والحرية والكرامة الإنسانية، وموقف السلطة من الدعوة الإسلامية «قبيلة النجوم» و«هوامش
على متن الهواء» «القيمة ذات الذؤابات الحمر» «وتحطم الطاووس» «قرار صعب». وهذه القضايا
في نظري تحتاج إلى مساحات أكبر، ورؤية أشمل وأعمق لتأتي المعالجة أكثر دقة وتكاملًا،
ولتكون الطريقة أكثر طرافة وتأثيرًا أيضًا.
3- وهذه القصص تعبر عن رؤية إسلامية أدبية للمشكلات
التي طرحها الكاتب، وهي بالتالي تجربة من تجارب الأدب الإسلامي وخطوة من خطوات القصة
الإسلامية المعاصرة، وهي تتصدى للوقائع والواقع.. وتسجل الأحداث.. وتطرح المسائل المختلفة
من خلال تجارب مختلفة عاشها الكاتب أو سمعها أو عرفها بصورة من الصور، ولهذا فهي جديرة
بالتقدير والتعريف، مهما كانت درجة هذه القصص من النجاح والتوفيق، أو التعثر والتقصير.
وحري بالمهتمين بالأدب الإسلامي إعطاء التجارب الأدبية من القصص والشعر والمسرح والمقالات
وغيرها حقها من الدراسة والنقد، لتعميق هذا التيار وتأصيله ولاستخلاص الأطر الفنية
والمسارات الأدبية التي يرسمها الأدباء أنفسهم، على ضوء التجربة والواقع، وهذا- في
نظري- أجدى من التنظير الخيالي المرتبط بمعطيات النقد الغربي أو الشرقي، ومواصفات المذاهب
المختلفة التي تعارض الإسلام ابتداء.
4- وكاتبنا في هذه التجربة يحفل بأمور عديدة،
وتبدو لي واضحة في هذه المجموعة من قصصه ومنها:
- يحاول تحديد الإطار المكاني للقصة، ووصف الأرض التي تجري عليها الأحداث
ودائمًا تكون مشابهة للواقع.
- الاحتفال بالطبيعة وتوشية الأحداث بإطار طبيعي ملائم لها منسجم مع الأجواء
النفسية التي تخيم عليها، ومتناغم مع عواطف الشخصيات «هوامش على متن الهواء» «وصفة
دواء».
- استعارة التعابير الدالة على الطبيعة لوصف الأشياء وتصوير المشاعر والناس.
- الاهتمام بجانب التصوير، وقد يضطر أحيانًا لإيقاف حركة الأحداث من أجل الإمعان
في صورة طريفة، أو رسم جوانبها المختلفة «بائع الصحف» «القيمة ذات الذؤابات الحمر».
- الميل إلى طريقة تداعي الأفكار، والاستسلام إلى شريط الصور والذكريات «المنولوج
الداخلي» وكان ذلك كثيرًا في هذه القصص.
- تدبيج الصور بشتى الألوان، واختلاط المشمومات والمسموعات والمرئيات والألوان
والطبيعة والناس والجمادات والأحياء.. وهكذا.
- استخدام بعض الأسماء التاريخية
أو غيرها كرموز ذات دلالات خاصة تساعد في إلقاء الظلال على الأحداث.
5- وواضح في هذه القصص احتفال الكاتب بالأسلوب
الأدبي، وتحليقه في كثير من الأحيان في دنيا ذات الصور والخيال والشاعرية الشفافة،
حتى ليضطر إلى الخروج عن أسلوب القصة إلى أسلوب الشعر، ومن انسياب الحوادث إلى الغوص
وراء مكنونات النفس، والانفعالات إزاء الأحداث.
وهذه ميزة جيدة إذا كان الكاتب
قادرًا على التصوير والتحليق مع المحافظة على حركة الأحداث، وعلى تناميها، حتى لا يخرج
عن مسار القصة ليجبر القارئ على الإصغاء لأغنية النفس الشفافة، أو سماع قطعة أدبية
في الوصف، أو التركيز لإدراك أطراف الصورة التي يود أن يرسمها، أو الصبر على بعض التحليلات
التي تحتاج إلى كد الذهن.
فإذا استطاع الكاتب المحافظة
على التوازن بين مقتضيات القصة وترابط الأحداث وحركتها.. وبين الوصف والتصوير الذي
يوشي الأحداث، فإنه- حينها- يضفي على القصة عنصرًا جديدًا من عناصر النجاح.
6- والملاحظ في هذه القصص- أحيانًا- بعض الغموض،
وهذا ناتج من كلف الكاتب بالتحليل النفسي، أو الوصف، أو التخيل، الذي يؤثر على تتابع
الأحداث ويفقدها ترابطها حتى تصبح مفككة غير منسجمة.
والكاتب يملك الموهبة التي
تساعده على كتابة القصة الناجحة، ولديه الطاقة الشعورية والفكرية التي تمد من آفاق
تجربته، ولكنه -أيضًا- يحتاج إلى ممارسات مستمرة، ودربة متواصلة، ومتابعة دائمة للقصة
حتى تصبح أدوات القصة أكثر طواعية ونضوجًا بين يديه.
7- وكم أتمنى أن يمارس الكاتب تصوير الأحداث وطرح
القضايا في روايات طويلة، فربما كانت أكثر ملائمة لأسلوبه وطريقته من القصة القصيرة،
التي تحتاج إلى التركيز والدقة والحرص على استخدام عناصر القصة بإحكام، والموضوعات
كثيرة وعديدة، وتاريخنا الماضي وأحداث الحاضر كل ذلك مليء بالقضايا والموضوعات والتجارب
التي بقيت مطموسة، أو عرضت بطريقة مزورة ومشوهة.
واليوم أضحت كثير من الحقائق
واضحة، وانتهت تجارب الدعوات المستوردة إلى الخيبة والدمار الذي تعاني منه الشعوب،
ولكن ذلك بقي أحاديث وذكريات ولم تخرج لنا هذه الأحداث والتجارب في أعمال أدبية ناجحة،
تتناول حقبًا وزوايا من تاريخ هذه الأمة أو واقعها.
إن قضية فلسطين وحدها، أو ما
يماثلها من قضايا، تمد القّصّاص المسلم بمئات من الصور والأحداث، وتضع بين يديه أعدادًا
من الموضوعات التي لا تحصى على مستوى الأشخاص، والأفكار والأحداث، وهي بحاجة إلى المواهب
التي تتعمق في دراستها، وتعرف كيف تخرجها للناس صورًا أدبية تحفر في أعماقهم وتشد أنظارهم
وألبابهم حتى تكون ذات أثر في المستقبل المنشود.
فهل يستطيع كاتبنا أن يكون
من هؤلاء الذين سيحملون هذا العبء إزاء هذا التراث الذي ننتظره؟
إن يقيني بأنه يملك الموهبة
التي تؤهله لحمل هذا العبء مع غيره من الموهوبين ولكنه بحاجة إلى الجد في الطريق، والاستمرار
في التجربة.
وأخيرًا، فإن التجربة هي التي
تصقل الموهبة، واستمرار العطاء من الكاتب هو الذي يؤصل منهجه، ويقوم أسلوبه وطريقته.
وليست كلماتنا إلا إضاءات على
الطريق، ولكن تبقى الخطوات الحقيقية رهينة بممارسة الكاتب ذاته، الذي يحمل الأمانة
في هذا العصر الشائك، ولا أريد أن تكون هذه الكلمات ثناء، كما أنها ليست نقدًا بالمعنى
المعروف، وإنما هي خواطر وملاحظات عساها أن تكون مساهمة نافعة في طريق الأدب الإسلامي.
__________________
([1]) هناك دراسة مفصلة عن هذه المجموعة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل