العنوان مؤتمر بودابست والعبث السياسي
الكاتب محمود صالح
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1987
مشاهدات 70
نشر في العدد 824
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 07-يوليو-1987
في الحادي عشر من شهر يونيو 1987 عقد في بودابست- هنغاريا اللقاء الثاني بين مسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية، ووفد مكون من «21» شخصية إسرائيلية تمثل عدة أحزاب إسرائيلية، وقد ترأس الوفد الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وترأس الوفد اليهودي شارلي بينون عضو الكنيست.
وبنظرة عابرة لبنود هذا المؤتمر وأهدافه يتبين أن المنظمة تقول: إن هدفها إلى توسيع الشقة بين اليهود الغربيين والشرقيين، من خلال الضغط على اليهود الشرقيين، والالتقاء معهم لتوضيح مواقف منظمة التحرير دون الحاجة لوسيط ثالث، وبغض النظر عن مدى صحة مثل هذا الرأي، إلا أن المنظمة لا زال فيها من يعترض على مثل هذه المؤتمرات، وأنها لا تفيد شيئًا من الناحية السياسية، ومن هذا القبيل فقد صرح هاني الحسن أثناء زيارته الأخيرة للكويت قائلًا: «أعتقد أن ما جرى في بودابست هو عبث سياسي، ولا يمثل سياسة معقولة».
ولعل السبب الرئيسي لتأييد عقد مثل هذه المؤتمرات هو عدم فهم الداعين لها لطبيعة العقلية اليهودية، وطبيعة الخلاف الذي ينشأ بينهم، فعندما يختلف يهوديان؛ فإنهما يختلفان حول أنسب السبل لتحقيق مصلحة «يهود»، وأفضل مثال على ذلك هو الصراع بين شامير «رئيس الوزراء» وبيريز «وزير الخارجية» حول عقد المؤتمر الدولي، ذلك الخلاف الذي بلغ ذروته، مما أدى إلى رهان البعض على سقوط الحكومة اليهودية، ولكن كانت النتيجة تجاوز الأمة فيما بينهما للحفاظ على مصلحة «إسرائيل»!،.... وهذا أيضًا ما حدث في لقاء «بودابست» حيث جاء في بيان الوفد اليهودي في أعقاب المؤتمر: «إن على إسرائيل الإعتراف بالحقوق الفلسطينية للشعب العربي الفسلطيني، بما في ذلك حقه في دولة مستقلة إلى جانب «دولة إسرائيل».. ورغم التقرير بحقوق الشعب الفلسطيني في هذا البيان، إلا أنه جاء مصحوبًا بانتقاص تلك الحقوق بإعطاء الشرعية لـ «يهود» بحق الوجود ككيان على التراب الفسلطيني المسلم وهذا ظلم وبهتان.
أما عن المزاعم التي تقول بأن اليهود الشيوعيين الشرقيين لا زالوا متأثرين بالثقافة والحضارة العربية، فما هو مبرر هجرتهم إلى فلسطين، والانضمام للكيان الصهيوني ومحاربة الدولة العربية التي كانوا جزءًا منها في يوم من الأيام؟ وما مدى تأثيرهم على الوضع الداخلي للكيان الصهيوني إذا علمنا أنهم يمثلون الأقلية بالنسبة لليهود الغربيين؟
أقول: لن تجدي مساعي السلام ما دامت الأوضاع على ما هي عليه الآن من ضعف وهوان وابتعاد عن الصراط المستقيم، وكل محاولات تقديم التنازلات فاشلة؛ لأننا نقف موقف الضعيف، والسلام يفرضه صاحب الموقف الأقوى، فلا داعي للاستعداد بالاعتراف بكيان العدو، ولا جدوى من الدعوة لدولة «فلسطينية- يهودية» عرقية، وتجديد دعاوي العلمانية من جديد، فكل ما خالف الإسلام فهو رد، وماذا سيكون موقف نصارى فلسطين من هذا المشروع؟.. ورغم كل هذا فلا يجب أن ننسى موقف العدو الصهيوني الرافض لكل مساعي السلم والاعتراف بكل ما يتعارض مع أطماعه ومصالحه الاستراتيجية.
وفي الوقت الذي كان فيه بعض أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير يجلسون مع شخصيات يهودية، كانت دولة الكيان الصهيوني تعيد العلاقات مع خمس دول أفريقية، ولعل موقفنا الآن أكثر إحراجًا عندما نحاول الضغط على مثل تلك الدول حتى لا تقيم علاقات ثنائية مع دولة العدو، وبخاصة ونحن نجلس مع أشخاص بارزين في المجتمع اليهودي، أو أعضاء في الكنيست، وهناك بعض الدول العربية لها تمثيل دبلوماسي متبادل مع دولة العدو، ومنها من استقبل شخصيات بارزة في حكومة العدو على أراضيه، فماذا سيكون ردنا تجاه حركة «يهود» الجديدة في الانفتاح على المجتمع الدولي، بعد أن لجمت أفواه بعض الحكومات العربية بعلاقات ثنائية معها؟ ونحن هنا لا نبرر موقف الدول الأفريقية التي أقامت علاقات مع «يهود»، ولكن نبين خطر التقائنا مع «يهود»، وكيف أنه يصب في مصلحة العدو أولًا وأخيرًا.
ومن الأولى لمنظمة التحرير عقد المؤتمرات مع القوى الإسلامية والعربية «الشعبية» لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، وتحديد طبيعة المرحلة القادمة ومتطلباتها، ولوازم السير الصحيح في معركة التحرير وضوابطه..
أما غير هذا.. فهو الذي سيعيد الأمور للدخول في الحلقة المفرغة من جديد.