العنوان القبض على البروفيسور«غلام أعظم»..رواية حفيدة
الكاتب أعظم
تاريخ النشر الجمعة 16-مارس-2012
مشاهدات 69
نشر في العدد 1993
نشر في الصفحة 34
الجمعة 16-مارس-2012
إلقاء القبض على شخصية بارزة من المعارضة في بنجلاديش هو تذكير صارخ أنه بغير اتباع الإجراءات القانونية اللازمة، فسرعان ما يصبح التحقيق في أخطاء الماضي فرصة للضغط السياسي في الوقت الحاضر.
في ١١ يناير ۲۰۱۲م، شاهدت مذعورة جدي البالغ من العمر ٨٩ عامًا، البروفيسور«غلام أعظم»، يعتقل من قبل السلطات البنجالية، وقد وجهت له ٦٢ تهمة ملفقة بارتكاب جرائم حرب خلال حرب الاستقلال ببنجلاديش عام ۱۹۷۱م، بما فيها التهمة-المضحكة والمبكية في آن معاً-والتي تحمله مسؤولية«كل الفظائع التي ارتكبت في جميع أنحاء البلاد ما بين ٢٥ مارس - ١٦ ديسمبر ۱۹۷۱م».
خلال الحرب كان جدي هو الزعيم السياسي لأكبر جماعة دينية في شرق باكستان في ذلك الوقت، والتي كانت-رغم ذلك-حزبًا صغيرًا يملك القليل من التأثير في الساحة السياسية، وكان يؤيد وحدة شرق وغرب باكستان، غير أنه كان دائمًا يعارض تماما العدوان العسكري على الأرض، بما في ذلك الجرائم التي ارتكبتها القوات الباكستانية العسكرية وشبه العسكرية، وعمل بلا كلل المساعدة أولئك الذين سقطوا في تبادل إطلاق النار.. ومع ذلك، وعلى الرغم من محاولاته اليائسة لتحقيق المصالحة في ذلك الوقت فقد جعل كبش فداء للجرائم التي ارتكبها الجيش الباكستاني والقوات شبه العسكرية وقامت وسائل الإعلام بحملة لتشويه صورته وتاريخه، ودفعت الكثيرين-بمن فيهم أولئك الذين ولدوا بعد الحرب-إلى إساءة الحكم على رجل لم يلتقوه أبدًا.
أهم الجماعات المعارضة
في الوقت الحاضر، يعد الحزب الذي أسسه جدي واحدًا من أهم الجماعات المعارضة الرئيسة في بنجلاديش، ويمثل هذا الحزب، بالإضافة إلى حزب معارض آخر، تهديدًا حقيقيًا للحزب الحاكم الذي نقوده«رابطة عوامي» الحزب الحاكم يجري مطاردة سياسية للمعارضة؛ محاولًا تحجيمها وشلها بدعوى السعي لتحقيق العدالة لضحايا جرائم الحرب.
المحكمة الدولية للجرائم (ICT)لا تظهر التزامًا بالمعايير الدولية التي تدعي أنها تتبع ويدين سياسيون بارزون كل الذين يدعمون المتهمين، معتبرينهم يستحقون الاعتقال، ويعد رئيس المحكمة نفسه شخصية منحازة في هذه القضية، حيث إنه كان في التسعينيات عضوًا في«لجنة تحقيق شعبية» غير شرعية أجرت تحقيقاتها خارج أي إطار قانوني، وحكمت على جدي بالإدانة.
وبالإضافة إلى ذلك، ففي حين تم القبض على أعضاء قياديين في حزب المعارضة وتعريضهم إلى ما يقرب من عامين من الاعتقال والتعذيب من دون تهمة ولا محاكمة لم يتعرض المقاتلون الموالون(للتحرير والانفصال عن باكستان) لأي من ذلك، وكثير منهم الآن جزء من الحزب الحاكم، وقد تم إعفاؤهم من أي تهمة أو محاكمة، وبالتالي فإن جرائم الحرب المرتكبة من قبل هؤلاء الناس كالتي تمت ضد«البيهاريين»، تواجه تجاهلًا واضحًا من قبل هذه الحكومة.
الكثير من الصحفيين والمحامين الدوليين، انتقدوا بشدة المخالفات القانونية الصارخة في المحكمة، بما في ذلك إجراءاتها المعيبة والرغبة الظاهرة في الانتقام بدلًا من تحقيق العدالة، حتى أن الأمم المتحدة أدانت اعتقال الستة المشتبه بهم-ومنهم جدي-واعتبرته اعتقالًا تعسفيًا يتعارض مع حقوق الإنسان الخاصة بهم.
أمام محكمة دولية، مثل The Hague تتبع الإجراءات القانونية التي تضمن معاملة عادلة، لن تتخوف عائلتي من هذه القضية في الواقع- وبغض النظر عن سن جدي المتقدم وحالته الصحية التي تتدهور بصورة سريعة بسبب الاعتقال-فإنه ليس لدينا أي اعتراض على عقد المحاكمة، ومطلبنا الوحيد هو أن تكون المحاكمة نزيهة وعادلة، ومع ذلك، فإن أي محاولة لمعالجة هذه المسائل أو حتى التعرض لها يعد(من قبل المحكمة في بنجلاديش) محاولة لتقويض المحكمة.
تم تقليص حرية التعبير وازدادت الرقابة على الحرّيات في البلاد وهذه حقيقة..وأي ناقد للحكومة يتم عقابه على وجه السرعة بتهمة التحريض وإثارة الفتنة
إن هذا الأمر يعكس تحولًا واسعًا في بنجلاديش من حيث تقلص حرية التعبير وازدياد الرقابة على الحريات في البلاد، وهذه حقيقة لا يمكن حتى لأشد مؤيدي الحكومة أن ينكرها، فأي ناقد للمحكمة أو للحكومة يعاقب على وجه السرعة بتهمة التحريض وإثارة الفتنة، وأثناء محاولات الحكومة اليائسة للحفاظ على بقاء المحكمة والتي إن تعرضت لأي تمحيص قانوني فسوف تسقط بسرعة-لم يسلم من غضبها نقاد كبار أجانب للنظام مثل «توبي كادمان»، وهو محام بريطاني من ذوي الخبرة في مجال حقوق الإنسان الدولية وجرائم الحرب، حيث لم يسمح له بدخول البلاد وتعرض للذم بسبب انتقاداته البناءة للمحكمة وإجراءاتها .
اعتقال داخل المحكمة
وفي الجلسة التي انعقدت في 9 يناير ۲۰۱۲م، أبلغ محامي جدي أنه يجب تقديم موكله(جدي) للمحكمة في 11 يناير، وإلا فسيواجه(جدي) الاعتقال، ومع ذلك، فعند ظهوره في المحكمة تم اعتقاله رغم عدم ظهور أي إشارات على نيته لمغادرة البلاد أو تجنب المساءلة طوال حملة التشويه التي لم تزد إلا قوة على مدى العامين الماضيين، ويبدو أن السلطات لا تزال تعتبر الرجل ذا الـ ٨٩ عامًا، والعاجز عن المشي بنفسه قادرًا على الهرب!! وقد تم تقديم طلب كفالة الجدي بسبب شيخوخته واعتلال صحته وتم منحها أول مرة، لكن المحكمة عادت وألغتها على الفور، وشنت وكالات الأنباء الموالية للنظام في جميع أنحاء البلاد هجومًا عنيفًا غير مبرر ودون دليل على جدي، وبذلك صدر الحكم في وسائل الإعلام حتى قبل أن تبدأ المحاكمة وتقول المحكمة كلمتها .
ويعد اليساريون في الحزب الحاكم القوة الفاعلة في هذه الحملة ضد جدي، وكطالبة ناشطة في بريطانيا، تعاملت لعدة سنوات مع الاشتراكيين الغربيين الذين كانوا العمود الفقري للحركات الدولية لحقوق الإنسان والعدالة، ولكن الاشتراكيين في بنجلاديش الذين يطالبون بحبل المشنقة مقدمًا بدلًا من المحاكمة العادلة(كحل المعاناة ضحايا الحرب) يتركونني حائرة في نوع الاشتراكية التي يمارسونها !
إن رغبة الحكومة في تحقيق العدالة بشأن أحداث حرب ۱۹۷۱م تصبح مشكوكًا فيها إلى حد كبير حينما نفكر في الحالات العديدة الجرائم العنف التي عانتها البلاد والتي ما زال يتم تجاهلها بشكل واضح، وهناك مثال بسيط وصارخ في حصار ۲۰۰۹م لمقر لواء البنادق البنجلاديشية(حرس الحدود) والقتل الوحشي لعشرات من ضباط الجيش واغتصاب نسائهم وقتلهن، ومثل قتل المثقفين في نهاية حرب عام ۱۹۷٧١م، ومقتل ضباط مميزين في الجيش من عمداء وجنرالات تم تدريبهم على مدى عقود بعد حدثًا آخر مأساويًا، ويمثل عارًا في تاريخ بنجلاديش، وحتى الآن لا يزال هذا الحدث دون حل ورد الفعل عليه شبه صامت، وقانونية الإجراءات مشكوك فيها .
المحاكمات الصغيرة الهزيلة تسير إجراءاتها ببطء في محاكم بديلة وتظل هذه الإجراءات غير كافية ومتواضعة جدًا بالنسبة إلى الإساءة التي تعرضت لها البلاد، وهؤلاء الضباط الذين تساءلوا وانتقدوا أداء رئيسة الوزراء الشيخة«حسينة»، في أحداث ۲۰۰۹م سرحوا من الجيش!
وحشيّة الشرطة في التعامل مع المعتقلين والوفاة أثناء الاحتجاز باتت أمرًا شائعًا..وهناك توسع في أحكام الإعدام
وإن وحشية الشرطة في التعامل مع المعتقلين والوفاة أثناء الاحتجاز أمر شائع في بنجلاديش، إضافة إلى المضايقات التي يتعرض لها الدفاع والتي تعتبر عادية جدًا في بنجلاديش، وقد سجلت منظمة«هيومن رايتس ووتش» تحرشات بالدفاع في حالات عدة، بنجلاديش من الدول القليلة التي لا تكتفي فقط بتنفيذ عقوبة الإعدام، ولكنها في الآونة الأخيرة توسعت في استخدامها، وإضافة إلى ذلك، فإن حملة الإساءة المطولة والتي تستخدم صورًا فظيعة وتنشر ملصقات الرسوم منفرة تدعو إلى تنفيذ عقوبة الإعدام في شوارع المدن الكبرى في البلاد، مما يوحي بأن نتائج المحاكمة تبدو أمرًا مفروغًا منه، خطورة الظلم وسوء المعاملة حقائق واضحة تدعو إلى القلق الشديد وبشكل حقيقي لما ستؤول إليه الأمور.
آخر زيارة الجدي
عندما رأيت صموده في زنزانة السجن أدركت أنه لا يمكن لرجل النزاهة أن يُهزم
في زيارتنا الأخيرة الجدي والتي حددت بنصف ساعة(كنا أربعة أفراد من العائلة) ورافقنا خلالها ۱۱ فردًا من رجال الأمن وكنا محاطين بكاميرات مراقبة عديدة، كان جدي ممددًا على سرير السجن، ولم يسبق وأن رأيته بهذا الضعف الجسدي من قبل في حياتي، غير أن الشجاعة كانت تنبع من عينيه وكلماته التي بالكاد تسمع.. وتذكرت آخر رسالة له قبل الاعتقال وهو يدعو أتباعه إلى إعطاء الأولوية لحماية وطنه وشعبه قبل أي قلق عليه أو لأجله، ويحثهم على الانصياع للقانون.. إخلاصه لبلده وحرصه على أمته، قوته الروحية وصموده-في وقت كنا فيه جميعًا ترتجف-هذه كلها أدلة على شجاعته في مواجهة الشدائد، لقد كان جدي دائمًا رجلًا صريحًا وصادقًا، ظل مصرًا على مبادئه ومثله وعمل لتحقيق أمنياته وآماله الخيرة لبلاده، أعطى حياته لأجل هذه الأهداف بطريقة لم أشهدها في شخص آخر من قبل.
عندما رأيت صموده في زنزانة السجن، أدركت أنه لا يمكن لرجل النزاهة أن يهزم.
نشر في:
The arrest of Professor Ghulam Azam: a grandchild's account openDemocracy
http://www.opendemocracy.net
(*) حفيدة البروفيسور«غلام أعظم» وكاتبة مقيمة في بريطانيا.