العنوان مناقشة هادئة لوزير العدل المصري.. لماذا يرفضون شريعة الله؟
الكاتب الدكتور علي جريشة
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1978
مشاهدات 71
نشر في العدد 394
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 11-أبريل-1978
منذ بضعة شهور، وفي لقاء له مع بعض الشخصيات بمكتبه في الوزارة صرح وزير العدل المصري ردًّا على سؤال حول سبب تعطيل القوانين الخاصة بالشريعة الإسلامية حتى الآن، قال: إن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يتفق مع الملاءمة السياسية.
وفي رد هادئ وهادف على معالي الوزير، لا نوجهه إليه فقط، بل نوجهه إلى كل من يستطيع أن يسائله، فنقول -بعون الله-:
إننا نحتاج أولًا أن نفهم ما المقصود بالملاءمة السياسية؟ ثم نحتاج ثانيًا أن نفهم: هل يتوقف الأمر على توافر الملاءمة السياسية ليتم السماح للشريعة الإسلامية بالتطبيق؟
ما المقصود بالملاءمة السياسية؟
لم يوضح معالي الوزير المقصود بالملاءمة السياسية.
• هل يقصد معالي الوزير الأوضاع السياسية الخارجية؟
هل يقصد أن الأوضاع الدولية، أو بعبارة أوضح، أن القوى الدولية المتعاظمة لا تسمح بعودة الشعب المصري المسلم إلى شريعته مرة أخرى.
قد أعذره من جانب إن ظن ذلك.. فمعلوم في تاريخ مصر أن إبعاد الشريعة الإسلامية عن التطبيق تم بفعل القوى الدولية المتحكمة في عصرها في مصائر الأمم والشعوب، فإدخال التشريع الوضعي إلى مصر سنة 1883م يقترن بدخول الاحتلال البريطاني البغيض أرضها سنة 1882، وإلغاء الامتيازات الأجنبية التي كانت قيدًا على سيادة مصر، والذي تم في معاهدة مونتريه سنة 1937 كان شرطه أن تستمد مصر تشريعها من التشريع الغربي، وبعبارة أخرى ألا تعود إلى شريعة الإسلام مرة أخرى.. ومثل مصر، الهند، وتركيا وغيرهما..
لكني لا أعذر سيادة الوزير من ناحية أخرى:
فلئن صح التدخل الدولي لغرض قانون، أو أوضاع على بلد في عصر الاحتلال، أو الاستعمار.. فلا يجوز ذلك في عصر ولبلد يرفع علم الاستقلال وشعار التمسك بسيادة الدولة والاستماتة في الدفاع عنها.
وأظن سيادة الوزير لا يخالفني في أن أول مظهر لسيادة الدولة واستقلالها، استقلالها باختيار القانون الذي تريده.
ومن ثم فإنني أستبعد أن يكون القصد من الملاءمة السياسية الأوضاع الدولية الخاصة برغبات الدول المتعاظمة.
يبقى من الأوضاع الدولية أوضاع الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني، والتي بدأت تتجه إلى السكينة، ولا أقول الاستكانة.. وقد يكون من عوامل تهيئة جو الصلح والسلام أن نطمئن العدو الصهيوني إلى أن الشريعة الإسلامية لن تحكمنا حتى لا يتعكر صفو الصلح والسلام.
فلتهنأ إسرائيل.
وقبل أن نقول رأينا في هذا الفرض نمضي فيه إلى نهايته.. فنسائل اليهود، وأحباب اليهود: لماذا ينقمون على الشريعة الإسلامية وهي التي أنصفتهم يوم تنكر لهم الناس، وهي التي آوتهم يوم طردهم وطاردهم الناس؟
لماذا ينقمون على الشريعة الإسلامية وهم يعلنون استمساكهم بتوراتهم، ويفاخرون بذلك، ويتخذون لدولتهم اسم أحد الأنبياء؟
ماذا ينقمون علينا وعلى الشريعة الإسلامية.. ونحن لم نطالبهم -حتى الآن- بالتخلي عن توراتهم المحرفة ودينهم غير الصحيح؟
لكن أعود فأستبعد هذا الاحتمال كذلك..
فلا أظن أننا نصل إلى هذا القدر من الاستكانة والمهانة؛ ومن ثم نستبعد الأوضاع السياسية الخارجية، وننتقل إلى تساؤل آخر:
• هل يقصد معالي الوزير الأوضاع السياسية الداخلية؟
ربما كان ذلك هو الراجح..
لكن يبقى بعد ذلك: أي الأوضاع الداخلية يقصد؟
- هل يقصد أن بعض الساسة لا يرغبون في حكم الشريعة الإسلامية؟ وإذا كان ذلك فلا أحسب أن الوزير يعني من دونه؛ لأن الإنسان عادة -خاصة أصحاب المناصب- لا يهتمون بمن دونهم.
وأبادر فأستبعد ذلك؛ لأن معنى ذلك أنه يتهم شخصية أو شخصيات بعينها، ولا أحسب أنه يقصد -بل أن يقدر- على ذلك.
- هل يقصد أن وجود أقلية غير إسلامية تتحقق معه عدم الملاءمة السياسية لتطبيق الشريعة الإسلامية؟
لا أستبعد ذلك واقعًا، وإن استبعدته منطقًا. أما عدم استبعاده واقعًا فأساسه ما تناقلته وكالات الأنباء من تأجيل النظر في قانون الردة الذي يمثل حدًّا من حدود الإسلام لاعتراض بني وطننا النصارى عليه؛ الأمر الذي تحقق لدي العلم به.
وأما استبعاده فأساسه أنني أعتقد أن ثمة لبس حدث في فهم بني وطننا النصارى لهذا الحد من حدود الله، فظنوه أنه ينطبق عليهم، مع أن هذا الحد لمن خرج عن دينه من المسلمين، وليس لمن خرج عن دينه من النصارى!
ثم أساسه بعد ذلك.. ما يزعمه أدعياء الديموقراطية من أنها تتحقق برضاء الأغلبية.. والأغلبية -من المسلمين- قد ارتضت شريعة الله وفي مقدمتها الحدود، ليس فقط بما تبدى في كل مناسبة شعبية يعرض فيها هذا الأمر، بل قبل ذلك بما تبدى من رضائهم الإسلام دينًا.. فالإسلام ليس صلاة وصيامًا وحجًّا فحسب؛ ولكنه قبل ذلك عقيدة وخلق، ومع ذلك تشريع ومعاملة.. وهم حين رضوا الإسلام دينًا بشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله، رضوا الإسلام كله.. بغير تفرقة بين أجزائه، وبغير تجزئة لأسسه وأركانه.
• ومن عجيب أن يجعل معالي الوزير من بين حججه أن الشعب لم يستفت أو لم يعرف رأيه في تطبيق الشريعة الإسلامية!
وقبل أن نرد على هذه الحجة موضوعًا نردها شكلًا..
فأما ردها شكلًا.. أنه ليس صحيحًا أن الشعب لم يبد رأيه.. لقد أبدى الرأي أكثر من مرة، وفي كل مرة يقبر الأذكياء رأي الشعب، ولا يسمحون له أن يجاوز حد الصياح.
وإلا فماذا كان رأي الشعب غداة وضع الدستور الدائم؟
ماذا كان رأي الشعب ممثلًا في طوائفه المختلفة حتى بني وطننا من النصارى؟ وماذا كان رأي الشعب ممثلًا في مؤسساته التي كانت قائمة، إن كنتم تعترفون لها بحق التمثيل؟
بل وماذا كان رأي الشعب إذا استطاع واحد فقط من أعضاء مجلس الشعب أن يجمع توقيع حوالي مائتي عضو من أعضاء مجلس الشعب الحالي المحترمين؟
أما الرد الموضوعي فنحتفظ به مع الرد على السؤال الثاني: هل يتوقف تطبيق الشريعة على الملاءمة السياسية؟
يا معالي الوزير:
لقد قال سلف لك من قبل لأحد الذين كلفوا بمهمة تقنين الشريعة: خذوا لكم فيها عشر سنين! فأخذه الله بعد عام، وبعض عام، لكنك اليوم تصل إلى الشجاعة أن تقول: إن تعطيل شريعة الله يرجع إلى عدم الملاءمة السياسية!
وأرجو ألا تلجأ في الرد على هذا الكلام لأسلوب لجأت له من قبل.. فتزعم أن ما قلت غير صحيح.. فأضطر إلى ما لا أريد.
لكني أرجو أن تكون شجاعًا كما عهدناك، فتعلن خطأ ما قلت حتى لا تحرج غيرك، أو تعلن أنك قلت وتذكر ما لا نعرف من البواعث والأسباب، وأنتظر في الإجابة على السؤال الثاني.. حتى نسمع منك، أو من المسئولين.
والله من وراء القصد، والله يهدي إلى سواء السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل