; غزة.... الله أكبر من أجل المقدسات | مجلة المجتمع

العنوان غزة.... الله أكبر من أجل المقدسات

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

مشاهدات 107

نشر في العدد 847

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 15-ديسمبر-1987


 

·        الدبابات الإسرائيلية تهاجم مستشفى الشفاء بغزة وتعتقل الجرحى

·        طائرات الهليكوبتر تطلق النار على أسطح المنازل

للمرة الثانية خلال بضعة أسابيع تنطلق انتفاضة الجماهير الفلسطينية في قطاع غزة المحتل لتمتد إلى الضفة الغربية، ثم إلى منطقة المثلث والجليل في تناغم وتواتر يدل على أصالة هذا الشعب وقوة شكيمته وتلاحمه كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء.

للمرة الثانية يثبت قطاع غزة الأضيق مساحة والأكثر فقرًا وازدحامًا أنه يمثل الطليعة في مواجهة العدو اليهودي الصهيوني، وهو القطاع المهمل المنسي أبناؤه من حملة الوثائق، يعانون الأمرين حين يريدون التجوال أو العمل.

على أرض قطاع غزة ولدت فكرة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وعلى أرضها أيضًا أنشئت أول جامعة إسلامية في فلسطين، ومن سجنها تمكن ستة من المجاهدين أن يحرروا أنفسهم وإن سقط اثنان منهم بعد ذلك في معركة مواجهة حامية مع قوات الاحتلال الصهيوني، كانت حصيلتها أربعة من الشهداء من سرايا الجهاد الإسلامي وضابط صهيوني وعدد من الجنود.

وهب قطاع غزة بأسره في ذلك الحين يتحدى الاحتلال، ويواجه الرصاص بالحجارة والقنابل الحارقة والطعن بالسكاكين، وهبت الضفة الغربية تنصر القطاع الثائر، وهبت الأرض المحتلة منذ عام ١٩٦٧ تشارك في الانتفاضة.

وما أشبه الليلة بالبارحة.. ففي ذكرى قرار تقسيم فلسطين في ٢٩ نوفمبر، وهو يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، هب الشعب في الوطن المحتل يعلن عن رفضه للاحتلال ويهتف: «الله أكبر والموت للمحتلين».

وما إن هدأت المواجهة قليلًا حتى قامت إحدى الشاحنات العسكرية بالصعود على إحدى السيارات الفلسطينية المليئة بالركاب، فعادت الانتفاضة في كل أرجاء القطاع، ويستخدم الفلسطينيون الحجارة والعصي وكل ما تقع عليه أيديهم، وتعجز قوات الاحتلال عن إخماد لهيب الانتفاضة رغم استخدامها القذائف المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والرصاص الفعلي.

وحين ينقل المصابون الفلسطينيون إلى مستشفى دار الشفاء في غزة تلاحقهم الدبابات إلى داخل المستشفى وتعتقل الجرحى.. وحين يتمترس المتظاهرون فوق أسطح المنازل تلاحقهم طائرات الهليكوبتر برشاشاتها حتى أصبح قطاع غزة الذي لا يتجاوز طوله 50 كيلومتر وعرضه ٧ كيلومترات ساحة معركة بين شعب أعزل إلا من الإيمان، وبين قوات احتلال مدججة بكل أنواع الأسلحة الفتاكة.

ودارت مواجهات عنيفة امتدت إلى القدس بين المصلين من المسلمين الذين توافدوا لأداء فريضة الجمعة وبين الجنود الصهاينة، كما امتدت المواجهات العنيفة الى مخيم بلاطة قرب نابلس، وسقط خلال ثلاثة أيام حوالي ١٣٥ بين شهيد وجريح.

وأعلنت سرايا الجهاد الإسلامي «العصيان المدني المفتوح وليذهب الكيان اليهودي الى الجحيم».

سرايا الجهاد الإسلامي المتنامية في الأرض المحتلة ظهرت على مسرح الأحداث لأول مرة يوم الأربعاء ١٠ صفر ١٤٠٧ هـ الموافق ١٥ أكتوبر (تشرين الأول) ١٩٨٦ حين صدر البيان الأول لها تعلن فيه مسؤوليتها عن عملية البراق الجريئة في القدس، والتي كان حصيلتها حوالي سبعين إصابة من قوات العدو بين قتيل وجريح قامت بها مجموعة من «قوات الأقصى» التابعة لها.

وقد بدأت بيانها بالآية الكريمة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ )الحج:٣٩). وقالت في بيانها: «لقد فرضت التجارب القاسية التي مرت الأمة الإسلامية ككل وشعبنا الفلسطيني بشكل خاص خلال نصف القرن الماضي أن يعود المجاهدون المسلمون إلى تحمل مسؤولياتهم على مختلف الأصعدة وفي مقدمتها قضية أرض الإسلام المباركة في فلسطين».

ومما يميز هذه الحركة الإسلامية الجديدة أنها بدأت نشاطها العملي الجهادي في الأرض المحتلة بعمليات نوعية وجريئة مبتدئة بالقدس الشريف، ولم تستخدم في بيانها أساليب الشتم والتجريح وإنما قالت: «إن قضايا الأمة المصيرية ستظل في مهب الريح يتقاذفها الأعداء كيفما شاءوا ما لم تهب الأمة الإسلامية بجماهيرها الغفيرة لترفع راية لا إله الا الله، وتأخذ بيديها زمام الدفاع عن عقيدتها وهويتها التاريخية وأرض وطنها الإسلامي متوكلة على الله، وماضية في طريق الفداء والجهاد».

وحين كثر الحديث عن هوية هذه الحركة الإسلامية الجهادية في الأرض المحتلة، وعمن يقف وراءها ومن يدعمها، وخاصة بعد ازدياد عملياتها وكثرة ما كتب عنها في صحف الغرب، أصدرت «سرايا الجهاد الإسلامي في فلسطين» توضيحًا قالت فيه: إنها ليست فرعًا فلسطينيا لتنظيم دولي ما، ولا تتبع أي طرف غير إسلامي على الساحة الفلسطينية، هي جماعة إسلامية مولودة حديثًا، وهي ليست على علاقة بأي فرع آخر أو بأي تنظيم خارج فلسطين المحتلة». وقالت: إن عملياتها العسكرية متصاعدة ومقاومتها الشعبية مستمرة، وإن خطتها وإستراتيجيتها واضحان وضوح القرآن الكريم والسنة النبوية. وأعلنت أنها تفتقد الدعم والعون الإسلامي، وتفتقد العناية بشؤون الشهداء والجرحى والمعتقلين، وتفتقد الارتباط بالثورة الإسلامية عمليًا وفعليًا، وتفتقد التنسيق والتشاور..

وبعد معركة الشجاعية في غزة أعلنت سرايا الجهاد الإسلامي أنها ليست جزءًا من منظمة التحرير الفلسطينية، وليست جزءًا من أية جماعة إسلامية أخرى خارج فلسطين المحتلة.

 ومنذ تلك المعركة وقطاع غزة بشكل خاص يشهد انتفاضات متوالية سرعان ما تمتد لتشمل الأرض المحتلة كلها، ورغم الاعتقالات الشاملة والجماعية في صفوف المواطنين من أبناء الوطن المحتل إلا أن الانتفاضات لا تزال مستمرة ومتصاعدة مما يدل على عمق روح الجهاد في صفوف الشعب الفلسطيني، وإن الحركة الجهادية أصبحت حالة أو ظاهرة عامة، ومع عدم التقليل من قوة التنظيم الجهادي إلا أن روح الجهاد لا تسري في فراغ بل لابد لها من تربة ملائمة.

ولقد وجدت التربة ووجدت النبتة وبقيت العناية والرعاية وكف الآفات عن هذه النبتة الصالحة إن شاء الله.

 إن العدو الصهيوني يسعى جاهدا للحصول على أي معلومات تخدم أغراضه التدميرية الخبيئة والصحف الغربية وإن كانت تتحدث بشيء من الموضوعية في كثير من الأحيان إلا أن الدس فيها واضح في كثير من الأحيان.

والغريب أن تنحو بعض الصحف العربية المنحى الغربي حتى في تسمية الإسلاميين بالأصوليين بعد أن استهلكت كلمة الرجعيين.

إن الأرض المحتلة الآن كلها تشتعل بالثورة، المظاهرات والإضرابات الشاملة والمواجهات والمصادمات تعم كل أرجاء فلسطين المحتلة بمدنها وقراها ومخيماتها ومن يطالع الصحف يقرأ كثيرا من التفاصيل التي لا يمكن أن يحتويها مقال كهذا.

وحتى لا تخبو جذوة هذه الانتفاضة، وحتى لا تذهب دماء الشهداء هدرا لابد أن تقف كافة القوى الإسلامية إلى جانب الأهل المجاهدين في الأرض المحتلة..

لابد أن تتحول هذه الانتفاضات المتواصلة إلى عمل جهادي منظم مدروس يشارك فيه كافة المسلمين بمسؤولية متكافئة.

إن قضية فلسطين هي القضية المحورية للمسلمين كافة ولقد بدأت حركة الجهاد الإسلامي فيها نقية صافية إن شاء الله وليس من المعقول أن يقف المسلمون موقف المتفرج على شعب مسلم يجاهد ويقدم دماءه زكية بلا خوف ولا وجل بينما أمة المسلمين تلهو بالمشاكل الجانبية والصراعات الإقليمية والحدودية والفلسفات النظرية والصدامات التي لا معنى لها ولا دوافع واضحة المعالم.

إننا نشعر بالخجل والتقصير ونحن نرى أطفال الحجارة أكثر إزعاجا لليهود من جنرالات المدافع والطائرات.

إننا نشعر بأن الإسلام يمشي على الأرض حين نسمع هتاف متظاهر في فلسطين يقول «الله أكبر.. لا إله إلا الله».

إن الرعب بدأ يدب في قلوب اليهود الذين وصفهم الله بالجبن ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ ووصفهم بالفرقة ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ووصف- جل شأنه - المسلمين بالعزة، ووصف العلاقات بينهم بالإخوة، ووصفهم رسوله الكريم بأنهم كالجسد الواحد، وقال فيهم رب العزة إنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.

فأين نحن من هذه الأوصاف المفروضة علينا والتي ليس لنا خيار إن أردنا الفلاح في الدنيا والآخرة.

فلتكن غزة صوت التغيير إلى الجهاد، ولتكن الانتفاضة العارمة في الأرض المحتلة بداية الجهاد لتحرير فلسطين.. والله أكبر.. وما النصر إلا من عند الله.

الرابط المختصر :