العنوان في ظلال انتفاضة الأقصى الكُرَّار هم أصحاب القرار!
الكاتب د. عيد عبد الحميد
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2002
مشاهدات 51
نشر في العدد 1484
نشر في الصفحة 46
السبت 12-يناير-2002
بموازين القسط والعدل، قامت السموات والأرض، فما يحيد عنها بعد ذلك إلا كل فتان ذي ضلالة، أو خوان ذي غرض، أو امرئ ذي هوی استحكم في قلبه مرض، فليس يعبأ بعد ذلك إن هو تاجر بالذمة والضمير لقاء أرب رخيص وغرض.
من هنا فهؤلاء الذين صنعوا من دمائهم قناديل لأمتهم تنور لهم المسالك، وتهديها سبلها إذا ما اكتنفتها الظلمات الحوالك، وتربأ بها أن تنزلق في مساخط توردها موارد المهالك، هؤلاء ينبغي أن تقتفى آثارهم، وتتبع خطواتهم، ويسمع صدى لصيحاتهم.
أليس من سل سيفه يروم السمو، لا يبغي الفساد في الأرض ولا العلو، إنما هدفوا نحورهم للعدو، نصرة لمبادئ امتثلوها، وحقوقًا مسلوبة هموا أن ينتزعوها، وأرضًا مغصوبة عزموا على أن يحرروها، ومقدسات مدنسة تقاسموا أن يطهروها، أليسوا حقيقين بأن يكونوا أهل حل وعقد، وجديرين بأن يكونوا أهل تقييم ونقد؟ لا سيما إذا ما حمي الوطيس، وجد الجد، بالتالي فكل ما من شأنه أن يقدم بين أيديهم، أو من صنع القرار يستثنيهم فهو رد.
فأيما جماعة مجاهدة هذا ديدنها، وهذه مقاصدها، وتلكم وجهتها، كافأها العزيز الغفار بأن أسند إليها القرار، بعد أن حباها بملكات وحقها بنفحات، وخصها بفتوحات تمكنها من حل المعضلات والخروج بمواقف نيِّرات في خضم الفتن والأزمات، حيث قال جل شأنه: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (العنكبوت :69)، قال ابن زيد: «قوله جاهدوا فينا: أي قاتلوا فينا» (تفسير الطبري: ١٥/٢١).
لذا قال سفيان بن عيينة: «إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (تفسير القرطبي: ٢٤٢/١٣)، ذلك أن لأهل الجهاد من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة، ممن هم في جهاد الهوى والشيطان، لأنه لا يوفق في جهاد العدو الظاهر إلا من هو لعدوه الباطن قاهر، من هنا يكون المولى عز وجل «قد علق الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل منه» (ابن القيم: الفوائد/ ٥٩).
وقد فطن السلف الصالح -رضوان الله عليهم- لهذه الأمور، فها هم جهابذة علمائهم يحيلون على أهل الثغور، ما أشكل عليهم من مسائل ونزل بساحتهم من معضلات الأمور، وحسبك في هذا قول ابن المبارك والأوزاعي: «إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر -يعني أهل الجهاد- فإن الله تعالى يقول: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ﴾ (العنكبوت: ٦٩)، (ابن القيم- مدارج السالكين 1/510).
قال السعدي: «هذا كله يدل على أن أولى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد» (تفسير السعدي ٦٣٦).
فإذا كان ذلك كذلك توجب المسير إليهم للوقوف على وجهات نظرهم، لنتلقفها منهم فيكون عليها التجمع والتلاق، إذا ما عجت الساحة بالجدل والشقاق، وخيمت على الأمة بوادر انشقاق، أما أصحاب الهوى وأهل الأهواء فلا انجراف وراء آرائهم ولا انسياق، إذ لا يعقل أن يستمع إلى الفرّار في حين يصيب الآذان وقر إذا ما تكلم الكُرار! إن ما يصوغون بدمائهم القرار، وهم مرابطون على خطوط النار يحرسون شرف الدار، ينشدون بذا مرضاة الواحد القهار، لهم آمن على مصالح الأمة، وأقدر على محو الثلمة، وأصدق في كشف الغمة، ممن يهرولون الاصطناع كيانات هزيلة، في ظلال قوى دخيلة، يأتمرون بأمرها وينتهون بنهيها.
وبعد: فإذا كانت المواقف البهية ثمرة ناجمة عن دماء زكية، يجود بها بررة، فأي عدالة تسوغ أن يهيمن على القرار رويبضات فجرة، في حين يجرد منه مَن مهروا دماءهم لعز أمتهم، وباعوا لله أنفسهم، لتحرير أولى قبلتهم ومسرى نبيهم ﷺ؟! فإن لم يكن بذل النفس مخولًا لتبوُّؤ مقعد اتخاذ القرار والإدلاء بالرأي، وحجة دامغة تلجم من يريد أن يستأثر به من أهل الزيغ والغي والبغي.. فبأي حديث بعده يؤمنون وبأي حجة بعدها يحاجون؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل