; المشكلة التركية الكردية هل هي بداية انهيار الوفاق التركي – الكردي؟ | مجلة المجتمع

العنوان المشكلة التركية الكردية هل هي بداية انهيار الوفاق التركي – الكردي؟

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1993

مشاهدات 89

نشر في العدد 1075

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 16-نوفمبر-1993

ما زالت الأحداث تتسارع في تركيا... بعضهم يربط تسارعها بوفاة أوزال مهندس الإصلاحات الإدارية والاقتصادية.. وبعضهم يربطها برغبة القوى المتحكمة في تفتيت تركيا كدولة كبرى في المنطقة فالتعامل مع الدول الممزقة أسهل وأيسر.. وبعضهم يربط تسارعها بأحداث الشرق الأوسط، والاتفاقيات الأخيرة بين إسرائيل ومنظمة التحرير فيما عرف باتفاق غزة أريحا أولًا.. ولدى كل فريق ما يبرر أسبابه... ولا يستبعد الكثيرون أن تكون الأحداث المتفجرة بين حزب العمال الكردستاني والسلطة التركية ذات علاقة بكل هذه الافتراضات...

أما على صعيد العلاقات الكردية التركية فلا يكاد يمر يوم دون مذبحة.. والأكراد يشكلون أقلية كبيرة... فهم جميع سكان شرق وجنوب تركيا.. ويقدر عددهم بـ 12 مليون نسمة بينما يزعم الأكراد أنهم نصف عدد سكان تركيا.

مراحل القضية الكردية

وحتى نفهم الأمور على حقيقتها لابد من استعراض القضية الكردية في مراحلها المختلفة... فالأكراد شعب مسلم موزع على تركيا وإيران والعراق وسوريا.. وبعد أن أقرت لهم معاهدة سيفر «1920م» التي أنهت الحرب العالمية الأولى بدولة كردية مستقلة.. عادت القوى المتحكمة لتنقض قرارها في لوزان عام «1923م» ولتقرر بقاء الأكراد موزعين على الدول المذكورة.. وتعالت الصيحات القومية المتطرفة في هذه الدول قومية فارسية في إيران، وعربية عنصرية في سوريا والعراق وطورانية في تركيا.. أما الأحزاب القومية العربية فتقول في دساتيرها صراحة: «يجلى عن الوطن العربي كل من دعا إلى تكتل عنصري آخر، أما القومية التركية الطورانية.. فتقول: «إنه لا يوجد في تركيا غير الأتراك ولا يحق لأحد أن يتكلم بغير التركية».

وهكذا عاش الكردي في هذه البلدان.. منبوذًا متهمًا محرومًا من أبسط حقوقه الإنسانية لا يحق له الكلام أو الكتابة بلغته وحتى أبناؤه مجبرون على التكلم بلغة الآخرين.

 كان عقلاء الأكراد عبر التاريخ الحديث يعزفون على اللهجة الإسلامية، وأن الإسلام لا يُقِرُّ هذا التطرف، وأن الإسلام يجمع بين هذه الشعوب كإخوة متحابين، ولكن الأمر تفاقم في السنوات الأخيرة وعلت نغمة العنصرية فوق كل النغمات.. وبدأ الكردي يردد ما يردده العربي من أن العرب فوق الجميع، وما يردده التركي: «ما أسعد أن تقول إنني تركي» وما يردده الفارسي... فبدأ ينسج على منوالهم ويطالب بدولة كردية ذات حكم ذاتي في العراق وتركيا.. ثم بدأ يطالب بدولة مستقلة كما يفعل حزب العمال الكردستاني في تركيا اليوم.

حزب العمال الكردستاني

أما حزب العمال الكردستاني فهو حزب قومي يساري يطالب بإنشاء دولة مستقلة في تركيا.. مضى على تمرُّدِهِ قرابة ثماني سنوات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تصعيدًا سريعًا في عدد هجماته وعدد ضحاياه، ولم تتفاقم أزمة التمرد الكردي في حدتها فحسب، بل توسعت رقعتها إلى مدى أبعد بكثير من ذي قبل حتى وصلت إلى ضرب المراكز التركية في داخل المدن وفي خارج تركيا أيضًا.

عندما تسلم سليمان ديميرل رئاسة الحكومة في أكتوبر 1991م أعلن عن جملة من الإصلاحات القضائية والدستورية، كما وأعلن أن القضية الكردية تأتى على رأس أولويات حكومته.. وقام بجولة في المنطقة، وسمح بنشر صحيفة باللغة الكردية، وأقيم معهد كردي لدراسة الثقافة والتاريخ الكرديين واعتبر ذلك من مقتضيات النظام الديمقراطي الذي تعيشه البلاد. بعد ستة أشهر أي في أبريل 1992م عادت الأمور إلى التوتر من جديد وعاد بالتالي حزب العمال الكردستاني إلى مزيد من التصعيد.

المحللون يعتقدون أن من أسباب هذه النكسة، الجيش والأمن التركيين اللذين يعتقدان أن الحل الوحيد لهذه الأعمال الإرهابية هو الإرهاب المقابل، أما بعض المحللين فيعتقدون أن تنازع الأجنحة في داخل السلطة ومحاولة كل جناح أن يلعب بالورقة الكردية لصالحه هو سبب التصعيد المستمر في القضية الكردية. في أبريل 1992م قدّم معظم النواب الأكراد الاثنين والعشرين الذين كانوا انتخبوا ضمن قائمة الحزب الاجتماعي الديمقراطي «أنينو» استقالاتهم من الحزب، وكان ذلك احتجاجًا على المذابح التي ارتكبتها قوات الأمن يوم عيد النيروز في 21/3/1992م وسقط من جرائها أكثر من تسعين كرديًا، هذه الأحداث ساعدت على توتر الأجواء ويقال إنها أوصلت الفريقين إلى نقطة اللا عودة. حتى أولئك الأكراد الذين كانوا ينظرون بتشكك إلى حزب العمال الكردستاني بدأوا يتعاطفون معه.. فلم يبق أمامهم خيار آخر....

مع بداية تسلم تانسو شيللر رئاسة الحكومة تفاقم الأمر أكثر... فالحكومة ضعيفة مستسلمة بالكامل للجيش... والأكراد يصفون هذه الحكومة بأنها حكومة رئيس الأركان، ولقد شن الجيش عدة عمليات ضخمة استخدم فيها كافة أنواع الأسلحة وحاول ضرب قواعد حزب العمال الكردستاني في داخل العراق وإيران... ومع ذلك فلم تزد هذه العمليات الأكراد إلا تصميمًا واندفاعًا نحو تحقيق أهدافهم.

أما قائد حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان الذي أنشأ الحزب ودرّب معظم عناصره في سهل البقاع اللبناني في المنطقة التي لا تخضع للنفوذ السوري.. فإنسان وصولي انتهازي بدأ مع الاستخبارات التركية وانتهى مع أكثر من جهة.. استغل الموقف العراقي ضد تركيا بسبب حرب الخليج، فنقل قواعده إلى الحدود مع العراق، واستغل إشكالات التفاهم بين إيران وتركيا فأقام له قواعد في الحدود مع إيران... واستغل العداء التاريخي بين سوريا وتركيا فأقام تحالفًا استراتيجيًّا بينه وبين النظام السوري. بعض الأحزاب التركية تتهمه بأنه ينسق مع الأرمن كذلك.

السياسة التركية الرسمية القائمة على الحل العسكري للقضية الكردية، ساعدت في تحويل قوة حزب العمال الكردستاني المكونة من خمسين رجلًا عام 1980 إلى عشرة آلاف مقاتل تدعمهم ميليشيا شعبية يزيد عددها على خمسين ألفًا. ولا طريق لحلها إلا برفع شعار الأخوَّة الإسلامية التركية الكردية بدون تمييز عرقِي أو قومِي أو طورانِي.. هذه هي شعارات حزب الرفاه لحل المشكلة وهي الملاذ الأمن= الآمن والعاقل الذي بدأ الشعب يدركه.

ولكن لماذا التصعيد الأخير

هناك من يتصور أن سلام الشرق الأوسط قد أغرى حزب العمال الكردستاني بحل مماثل.. فالحزب يَعتبر الاتفاق الإسرائيلي- الفلسطيني حول الحكم الذاتي في الأراضي المحتلة.. نموذجًا يطالب بتحقيق مثيل له في الصراع بينه وبين الدولة التركية، كما اعترفت إسرائيل بالرئيس ياسر عرفات. فلِمَ لا تعترف أنقرة بالقائد عبد الله أوجلان وإقرار المطالب الكردية في حقوق سياسية وثقافية في إطار حكم ذاتي.

تشيللر وورقة المياه التركية

الورقة الرابحة التي تراهن عليها تانسو شيللر رئيسة وزراء تركيا، هي قضية مياه دجلة والفرات التي أقامت عددًا كبيرًا من السدود في منطقة شرق وجنوب تركيا لاستيعاب مياه هذين النهرين.. وهي تهدد سوريا والعراق بقطع المياه عنهما لمدة سنة على الأقل ريثما تملأ خزانات السدود... وتلوح من جهة أخرى بإمكانية إعطاء هذين البلدين ما يحتاجانه من المياه مقابل تعاونهما في القضاء على حركة التمرد الكردي... والأمر الآن في شدٍّ وجذب، وتصعيد كردي وتهديد تركي... والمنطقة كلها على كف عفريت فهي في طور تشكل استراتيجي تدخل فيها إسرائيل كلاعب جديد.. فهل من مقتضيات هذه الاستراتيجية تصعد القضية الكردية في بداية انفصام (كردي- تركي) وتحطيم وحدة الدولة التركية... أم هي مرحلة إعادة ترتيب الأوراق على الطاولة في مرحلة ما قبل المفاوضات...؟

 

الرابط المختصر :