; هل اقتربت حرب المياه عند حوض النيل.. أم هناك حلول؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل اقتربت حرب المياه عند حوض النيل.. أم هناك حلول؟!

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 22-مايو-2010

مشاهدات 59

نشر في العدد 1903

نشر في الصفحة 22

السبت 22-مايو-2010

يوم 15 مايو الجاري وقعت دول منابع النيل الاتفاق الإطاري المفترض أنه بديل عن اتفاقات المياه لعامي 1929 و 1959م، وفي ظل رفض دول المصب »مصر والسودان« التوقيع على الاتفاق، سوف تمضي هذه الدول قدما في انتهاك الاتفاقيات القديمة التي تحفظ لمصر والسودان نسبة محددة من نصيبها من مياه النيل هي 5,55 مليار متر مكعب لمصر و 5,18 للسودان.

15 مايو... دول منابع النيل تنفذ تهديدها وتوقع اتفاقًا منفردًا يسقط حقوق مصر والسودان المائية.. فكيف سترد مصر؟

تراجع الدور المصري في أفريقيا خلال الـ 30 سنة الماضية مقابل تزايد النفوذ الصهيوني الغربي مما تسبب في شحن دول حوض النيل ضد مصر

 أزمة النيل لا تخص مصر والسودان وإنما الأمن القومي العربي ككل.. وهناك تقصير عربي خطير

نسبة الاكتفاء الذاتي العربي من الغذاء لا تزيد على %39 وبمياه النيل يمكن سد العجز عن طريق السودان.. سلة غذاء العالم العربي

وبعد هذا التوقيع سوف يقع المحظور وتمسك دول حوض النيل العشرة بتلابيب وخناق بعضها بعضًا بعدما أخفق اجتماع شرم الشيخ الأخير في أبريل 2010م في التوصل لاتفاق إطاري بين دول المنابع الثماني ودول المصب» مصر والسودان«وقررت دول المنابع التوقيع المنفرد على الاتفاقية الإطارية التي تتحدث عن »توزيع عادل للمياه» يستبعد «حصص» مصر والسودان، ولا تعترف بهذه الحصص.

الحلول المطروحة الآن -برغم التمنيات الطيبة، والوعد المصري باجتماع مقبل يحل الأزمة- هي حلول تصادمية بدليل ما قاله وزير كيني من أنه إن كان من حق مصر بيع الغاز  لإسرائيل، فمن حق دول النيل بيع المياه له »إسرائيل«، والتحذيرات التي أطلقها أكثر من مسؤول مصري على غرار تهديدات »السادات« في السبعينيات من القرن الماضي فضلًا عن تسرب أنباء من السودان أن دول حوض النيل تسير بشكل جدي في خطوات إلغاء الاتفاقيات التاريخية التي تحدد حصتي مصر والسودان في مياه النيل، خاصة اتفاقيتي 1929 و 1959م، وأن هذه الدول ستقدم طلبا بذلك

هذه الدول ستقدم طلبًا بذلك إلي محكمة العدل الدولية!

لا يختلف اثنان من المحللين على أن تراجع التواجد المصرى في أفريقيا خلال الثلاثين عامًا الماضية مقابل تصاعد النفوذ والتواجد الصهيوني والغربي، وكذا الصمت المصري تجاه تزايد أعمال إنشاء السدود في دول حوض النيل، وقبول العديد من مشاريع السدود بعد ظهور الخلافات الأخيرة قبل عشر سنوات، والذي أدى لتقلص نسبي في المياه الواردة لمصر، خاصة أن هناك 10 سدود أخرى مزمع إنشاؤها على مجرى النيل هو أحد الأسباب الرئيسة لتفاقم هذه الأزمة، بعدما أصبحت المسافات الدبلوماسية والعلاقات والروابط التاريخية والاقتصادية والسياسية ضعيفة بين هذه الدول وبين مصر والسودان.

ولكن ما لم يقله أحد أيضًا هو أن هناك تقصيرا عربيًا خطيرًا، فالأمر لا يخص أمن مصر المائي أو القومي فقط، وإنما الأمن العربي القومي ككل، ومثلما قيل: إن العرب مقصرون فيما يخص تنمية جنوب السودان ومن ثم تشجيع عدم انفصاله عن شمال السودان يجب أن يقال أيضًا: إن غياب الاستثمارات العربية عن منابع النيل هو سبب آخر مهم لهذه المشكلة.

فبرغم أن هناك صناديق استثمار عربية تعمل في أفريقيا، فهي أغفلت -ربما الأسباب أمنية أو لأخطاء إستراتيجية- الاستثمار في مشاريع النيل ليتكرر الخطأ العربي في إهمال الاستثمار في جنوب السودان لجعل الوحدة جاذبة مع الشمال، ثم الخطأ في إهمال الاستثمار في مشاريع السدود والري في منابع النيل للصهاينة والأمريكان ما يؤكد الخلل في الفكر الإستراتيجي العربي وعدم استغلال سلاح المال في تدعيم الأمن القومي العربي.

وكي لا يقال هنا: إنه »لا ناقة للعرب ولا جمل« في مسألة مياه حوض النيل هنا نشير إلى أن السودان لا يزال مرشحًا ليكون هو سلة غذاء العالم العربي، وأن هناك فجوة غذائية في العالم العربي تصل إلى حوالي 60 مليار دولار سنويًا هي الفرق بين الصادرات والواردات العربية، وأن نسبة الاكتفاء الذاتي العربي في مجال الغذاء لا تزيد على %39، والغذاء لا يأتي بدون مياه! فقد ارتبطت سياسة مصر الخارجية على مر العصور بمعطيات «جيوستراتيجية» أملتها عوامل جغرافية وتاريخية اتسمت بثبات نسبي، أبرزها اعتماد مصر شبه الكامل على مياه نهر النيل الذي ينبع من خارج أراضيها ويجري داخل دول عدة قبل أن يصل إلى حدودها الجنوبية، ومن ثم اعتبار المساس بحصة مصر من مياه النيل خطًأ أحمر، وكذا تحول حدودها الشمالية الشرقية »جهة سيناء« لبوابة لغزو مصر فأصبح أحد أهداف السياسة المصرية هو حماية هذه الجبهة بكل السبل واعتبار قضيتي المياه والأمن قضايا إستراتيجية لا جدال أو خلاف حولها أيا كانت الأنظمة الحاكمة؛ لأن القضية قضية وجود لا توجهات أو خلافات.

وكان من الطبيعي -وفق هذه الحقائق- أن تشكل منطقة حوض النيل منطقة أمن ومجال حيوي لمصر، ولكن ما حدث في السنوات الماضية هو أن مصر انكفأت داخليًا، وتقوقعت بفعل الضغوط الأمريكية التي كبلتها منذ توقيع اتفاقية »كامب ديفيد». فانسحبت ليس فقط من المناطق الحيوية التي تهم أمنها القومي، مثل السودان أو الا فلسطين، وإنما من أفريقيا كلها تقريبًا وباتت الروابط معها ضعيفة برغم أن هذه الدول بدأت تتململ منذ عدة سنوات وتطالب بمنع مصر والسودان من الحصول أن على حصتهما الحالية من المياه.

«حلول» بدل «حروب» المياه

 ولكن ماذا نفعل وقد وقع المحظور وباتت المعارك بين دول النيل أو السهام الطائشة تنال من الطرفين وتعد مقدمة لنيران المدافع التي تسعى أطراف أجنبية أو وصهيونية لتلقيمها مجانًا بأساليب خبيثة من أجل حرق الأمن القومي المائي المصري والسودان وتفتيت البلدين؟ وماذا نفعل بعدما أصبح الصراع على المياه أشد خطرًا من الصراع الذي دار لحقبة طويلة في العالم على البترول وارتفاع أسعاره، وما أحدثه في العالم من أخطار وانقلابات وحروب؟

 أول الحلول المقترحة لحل الأزمة هي المصارحة: ووضع كل الحقائق على مائدة الحوار.. ما تفعله دول منابع النيل اله وما يمكن أن تفعله، وما تستطيع مصر والسودان أن تقدماه من حلول.. مطلوب مزيد من الصراحة حول حقيقة التدخلات الأجنبية والصهيونية في دول منابع النيل، خصوصًا أن الأمر لم يعد سرًا، وهناك معدات وحفارات لشركات «إسرائيلية» تعمل بالفعل في إثيوبيا، ومطلوب من دول منابع النيل أن تضع نفسها موضع دول المصب وتحل مشكلة إرواء عطش شعوب مصر والسودان وزراعة أراضيهم ولا تقول: إنها لا شأن لها بهذا!

فلو  جرت هذه الصراحة فسوف يكتشف الإثيوبيون والكينيون وغيرهم من دول أعالي النيل أن حرمان مصر والسودان من حصتهما معناه الانتحار والقتل والإبادة الجماعية لمواطني مصر والسودان، وسيكتشفون أن هناك حلولًا أخرى للاستفادة من مياه النيل التي تسقط على الهضاب الإثيوبية ولا يستفاد سوى بـ 4% منها، وسيكتشف المصريون والسودانيون أن هذا«الغضب المكنون» في صدور دول أعالي النيل وراءه شحن غربي وصهيوني، وأنه يمكن حله بحلول مشتركة مثل التوافق على بناء سدود. بشرط أن يستفيد من كهربتها مصر والسودان، ولا تؤثر على حجز مياه النيل... وهكذا .

أما ثاني الحلول: اعتبار أمن دول حوض النيل كتلة واحدة: ووضع أسس لهذا الأمن تقوم على تكافل وتكامل دول المنابع والمصب على تلبية احتياجات بعضها بعضًا والتكامل فيما بينها في توفير المياه أو الكهرباء وتبادل السلع والبضائع والأغذية وحماية أمنها المشترك.

وهناك خطط مصرية وضعت في هذا الصدد، ولكنها لم تكتمل أو تلقى حظها من الاهتمام بسبب عدم توافر مناخ الثقة بين هذه البلدان مثل فكرة استفادة دول الحوض بجزء من الفواقد المائية للتساقط المطري على حوض النيل، وإنشاء صندوق لتمويل المشروعات يلحق بالبنك الأفريقي للتنمية بصورة مؤقتة، فضلًا عن مساعدة مصر لدول أعالي النيل في بناء السدود كما يجري حاليًا، بشرط عدم حجزها المياه واستفادة دول الحوض منها .

وثالث هذه الحلول: إعطاء ملف المياه أولوية قصوى لدى حكومات حوض النيل: وتناوله عبر المستويات العليا الأمنية والإستراتيجية وليس فقط المستويات الدنيا ووزراء المياه أو مسؤولي المياه.

 ورابعها: الاتفاق على عدم تدويل أزمة حوض النيل: واعتبارها شأنًا أفريقًيا خاصًا بدول النيل العشر، بما يمنع أساليب التدخل الغربية والصهيونية وتحريضها وتأليبها الدول بعضها على بعض.

بعبارة أخرى، سيكون من السهل على الجميع أن يرفع حنجرته بالتهديد والوعيد وستكون الحرب هنا محتومة؛ لأنها تتعلق بالحياة وكيان هذه الدول جميعًا، وسيكون هناك من يرحب بها، خصوصًا الصهاينة وتجار الحروب والمرتزقة، ولذلك من الضروري تحكيم العقل وعدم الاندفاع في التهديدات والسعي لتعظيم«دبلوماسية المياه» لا «عصا المياه».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 836

95

الثلاثاء 29-سبتمبر-1987

حَذار مِنَ الخطَر القَادم

نشر في العدد 1380

103

الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

المجتمع المحلي عدد 1380