العنوان حول العلوم الإنسانية
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر الجمعة 01-فبراير-2013
مشاهدات 94
نشر في العدد 2037
نشر في الصفحة 66
الجمعة 01-فبراير-2013
(*) مفكر إسلامي - أكاديمي عراقي
ليس ثمة كالعلوم المسماة بـ«الإنسانية» أداة ذات قدرة عالية على التبديل والتفكيك وإعادة الصياغة في البنية الحضارية للأمة، بسبب من كونها تنبثق عن خلّفيات رؤيوية شاملة، وتنهض قائمة على منظومة من التصوّرات والمذاهب والفلسفات التي تغذيها، وتمنحها الملامح والخصائص، وتنحاز بها بالتالي صوب هذا المنظور أو ذاك.
إنها ليست محايدة كالعلوم الصرفة أو التطبيقية، ومن ثم فإن تقبّلها -بالكامل- في نسيج أي ثقافة مغايرة، سيقود تلك الثقافة -بدرجة أو أخرى- ليس إلى مجرد إضافة عناصر غريبة عن المناخ الذي تتنفس فيه وتتشكل، وإنما إلى أن تفقد شيئًا فشيئًا مقوماتها الأساسية، وتضحي بتميزها، وتمارس هي الأخرى انحيازًا قد يؤذن بتفككها وسقوطها.
كان هذا أحد مداخل الغزو الفكري عبر القرنين الأخيرين.. أن نتقبل عن الحضارة الغالبة معطياتها التي تتعامل مع الإنسان، والتي قد تتقاطع منذ لحظات تشكلها الأولى، ليس مع المفردات الإسلامية فحسب، وإنما مع أسسها وبداهتها.
ونحن نرى ونلمس كيف أن المنفعية «البراجماتية» الصرفة، وتعبّد الذات، وتعبيد الآخرين، وإرغام الكشف المعرفي المحدود، على أن يكون عقيدة شمولية، والنزوع المادي البيولوجي الصرف للمعرفة الإنسانية.. هذه كلّها وغيرها كثير، تأخذ برقاب مساحات واسعة من علوم غربية كالنفس والاجتماع والتاريخ والاقتصاد والسياسة والقانون وغيرها من المعارف الإنسانية، وهي في معظم الأحيان تفتقد الفضيلة الخلقية، فضلًا عن الرؤية الكونية اللتين يتحتم على المعرفة الإنسانية أن تقدمهما اليوم، أو غدًا، للإنسان من أجل أن يكون النشاط المعرفي مع الإنسان وليس في مواجهته.
من هنا تبدو أهمية الدور الملقى على جامعاتنا في ضرورة إعطائها اهتمامًا أكبر للمعارف الإنسانية التي تدرس في العديد من الكليات والأقسام، وأن تصاع مناهجها، أو تعاد صياغتها، بما يجعلها أكثر أصالة، وأقل استسلامًا المعطيات المعرفة الغربية التي لا يستطيع أحد الادّعاء بأنها تجاوزت احتماليتها، وبأنها علوم منضبطة وصلت درجة اليقين المطلق.
ها هنا يتحتم على الأساتذة والباحثين ومهندسي المناهج، أن يرموا بنقلهم لتحقيق هذا الهدف العزيز، ليس على حساب المطالب العلمية والمنهجية، وإنما احترامًا لهذه المطالب والتزامًا بها
أن يعطوا ويكشفوا ويبدؤوا هم أيضًا وألا يكتفوا بالأخذ عن الآخر وتقليده.
وثمة ما يجب التنبيه إليه -ها هنا- وهو أن الكثيرين من طلبة العلوم الإنسانية في جامعاتنا يعانون -للأسف الشديد- مما يمكن تسميته بعقدة الإحساس بالنقص إزاء الفروع والتخصصات العلمية الصرفة أو التكنولوجية، بينما نجد هؤلاء الطلبة في جامعات العالم المتقدم يتمتعون بأعلى وتائر الثقة والطموح والاعتقاد بأنهم يمضون للتخصّص في جوانب من أكثر فروع المعرفة البشرية أهمية وفاعلية. والكثيرون يعرفون جيدًا كيف أن العديد من قادة الغرب وساسته ومفكريه المهيمنين على مفاصل الحياة الحساسة فيه، هم من خريجي الفروع الإنسانية «التاريخ أو السياسة أو الاجتماع أو النفس أو الاقتصاد أو الإدارة.. إلى آخره».
هذه مهمة أخرى يتحتم أن توليها جامعاتنا الاهتمام المطلوب، من خلال تقديم المزيد من الإغراءات بالانتماء إلى الأقسام المعنية بالمعرفة الإنسانية ليس فقط على مستوى الضمانات المادية لخريجي هذه الأقسام، وإنما بالتأكيد على القيمتين الأدبية والعلمية لتخصصات كهذه، من أجل أن يتخرج الطالب وهو أكثر ثقة بشهادته واعتزازًا بالعلم الذي تخصّص فيه، وقدرة -بالتالي- على المساهمة الفاعلة في إعادة بناء بلده ومجتمعه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل