; الابتكار في حياة النبي ﷺ (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان الابتكار في حياة النبي ﷺ (1 من 2)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2007

مشاهدات 72

نشر في العدد 1747

نشر في الصفحة 61

السبت 14-أبريل-2007

لا يمكن أن ترى ناجحًا في هذه الحياة دون أن ترى جانبًا من جوانب الابتكار في حياته، وإذا كنا نعتقد بأن خاتم المرسلين محمدا في مقدمة هؤلاء الناجحين فلا تعجز أن نرى الابتكار بارزًا في معظم جزئيات حياته البشرية، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الابتكار بمفهومه الذي تعارفنا عليه وهو الجديد الذي لم يسبقه إليه أحد، إما بالإيجاد أو بالزيادة على الموجود، أو بتنقيص شيء من الموجود، لا يخضع لما كان يتلقاه من وحي، فلا يجوز التصرف به ألبتة، بل يبلغه كما جاء من الله تعالى بالصورة التي أرادها الله. 

وإنما الابتكار الذي نعنيه في حياة النبي هو ذلك المتصل بوسائل الإيضاح البشرية التي يعرض فيها النبي ما بلغه به الله تعالى ليسهل على المتلقين فهم الرسالة، وكذلك في الوسائل البشرية البحتة فيما لا علاقة له بالوحي مثل طرق الحرب والزراعة والطب وغيرها من الأمور إلا أننا في هذه الحلقة سنركز فقط على وسائل الإيضاح.

ما هي الوسيلة؟

الوسيلة هي طريقة مادية أو معنوية يستعين بها الداعية لإيصال مفهوم ما إلى المدعو، تكون أكثر تأثيرًا بالمدعو من الكلمة المجردة. 

أقسامها عند النبي ﷺ: 

  1. وسائل الإيضاح البعيدة.

  2. وسائل الإيضاح القريبة. 

  3. استغلال الظواهر الطبيعية، وبعض أعمال الصحابة الكرام. 

أولًا: وسائل الإيضاح البعيدة 

  • التربية على حب الصلاة 

وذلك لقول الرسول ﷺ: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل به كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: ما يبقى من درنه شيء، قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا».([2])

إن هذه الوسيلة المرئية القريبة من جميع الناس مشترك في فهمها الفقير والغني والأعرابي والحضري، والجاهل والعالم، والصغير والكبير ومن هنا يبدو ذكاء النبي في استخدام وسائل الإيضاح فالوسيلة لا يمكن أن تؤثر التأثير الكبير والواسع ما لم تكن مفهومه لدى معظم شرائح المجتمع وبلغة بسيطة سهلة تتدفق بسهولة ويسر للجميع. 

يقول الإمام ابن حجر: وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس ([3])، وقال ابن العربي وجه التمثيل أن الإنسان كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تطهر العبد من أقدار الذنوب([4]). 

والابتكار لا يمكن فقط باستخدام وسيلة قريبة من الناس ويفهمها الجميع، بل في استخدامه لنوعية، الوسيلة فالماء هو أساس الحياة حيث يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡء حَيّۚ (الأنبياء: ۳۰)، فكما أن الماء يسبب الحياة في الأمور الملموسة كالأرض والزرع والإنسان والحيوان وجميع الكائنات، كذلك الصلاة تسبب الحياة لإيمان الإنسان وأموره النفسية، فتارك الصلاة كالميت الذي يدب على الأرض، وهو جاف من الأحاسيس الإيمانية، وحلاوة الإيمان والراحة النفسية، والسعادة الروحانية كجفاف الأرض عند انقطاع المياه عنها.

تصحيح أوضاع الصلاة: 

ويستخدم في هذا المثال، وسيلة يستخدمها معظم المزارعون من أهل المدينة، وهي الكلاب الحراسة مزارعهم وللتواجد الكبير لهذا الحيوان بين الناس يضرب الرسول هذا المثل في إصلاحه لأوضاع الصلاة فيقول: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط ذراعيه كالكلب، وإذا بزق فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، فإنما يناجي ربه([5])، فما إن يسمع هذا المثل المخالف، حتى يأنف أن يكون كالكلب في بسطه ليديه أثناء السجود فيبادر لإصلاح وضع اليدين. 

التربية على حب الله

ويستغل النبي ﷺ إحدى الوسائل البعيدة كل البعد عن الإنسان، ولكنها مضرب المثل للجمال والكمال، وأحد إلهامات الشعراء والأدباء، كما أنها لا تحتجب عن كل شرائح المجتمع، ألا وهي « القمر ».

فيقول مقربًا إليهم إمكانية رؤية الله تعالى يوم القيامة وطريقة هذه الرؤية، فيقول فيما رواه البخاري عن جرير إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإذا استطعتم ألا تغلبوا على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ  (ق: 39)([6] والابتكار هنا أنه لم يسبقه أحد من الأنبياء في تقريب رؤية الله تعالى لأتباعه بمثل ما فعل وفيه أيضًا التحفيز الرائع للمحافظة على الأذكار والصلاة كلما رؤوا البدر متألقا فوقهم فيحدوهم الأمل لرؤية وجه الله تعالى من خلال المحافظة على هذه الأعمال. 

التربية على الإنفاق:

إنه يعلم أن أغلى ما يحرص عليه المؤمن في هذه الحياة رضا الرب سبحانه والخوف من غضبه باقتراف مسببات هذا الغضب من ذنوب يعرفونها، ومما تخفى عليهم... فيذكر حقيقة ربانية وذلك بابتكار وسيلة مرئية وملموسة وهي قدرة الماء على إطفاء النار فيشبه النار بالخطيئة، والماء في الصدقة، فيقول والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار([7])، مما جعل الصحابة الكرام يتسابقون فيما بينهم بالصدقات لتطفئ خطايا يعرفونها، وخطايا نسوها أو مما خفي عليهم، فهذا أبو بكر ينفق ماله كله في سبيل الله، وهذا عمر ينفق نصف ماله، وهذا عثمان t يشتري الجنة أكثر من مرة بكثرة إنفاقه إنه ابتكار التوجيه والتربية للجيل الفريد، وإنه فن صناعة الرجال العظماء من خلال ابتكار طرق التوجيه والتربية.

([1]) رئيس جمعية بشائر الخير - الكويت.

([2]) البخاري «فتح الباري  ٥٢٨» عن أبي هريرة السلفية. 

([3]) فتح الباري ١١/٢ - ط السلفية.

([4]) فتح الباري ١١/٢ - ط السلفية.

([5]) البخاري - فتح الباري ٥٣٢. 

([6]) البخاري - فتح الباري ٥٥٤.

([7]) طرف من حديث رواه الترمذي (٦١٤) وصححه الألباني (صحيح الترمذي 1/189).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 72

97

الثلاثاء 10-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (72)

نشر في العدد 1506

54

السبت 22-يونيو-2002

المجتمع التربوي (العدد 1506)