العنوان أضواء على الوجه الآخر للاستشراق
الكاتب محمود ماضي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1408
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 11-يوليو-2000
▪ بعض المستشرقين ينكر الإسلام ويصف المسلمين بأنهم متوحشون
▪ كيف للمسلم أن يحترم أفكار المستشرقين التي تفتقر إلى الموضوعية والحياد؟
اختلفت نظرة المستشرقين إلى الإسلام فالقليل منهم تناوله بشيء من الإنصاف، أما الكثرة الكاثرة منهم فلم تستطع مجاوزة نطاق التعصب لمعتقدها وظلت حبيسة هذه الدائرة غير المحمودة في معايير المنهج العلمي.
حاولت الفئة الأخيرة الطعن في القرآن الكريم بتحليل نصوصه، وكذلك تحليل نصوص الأدب العربي الجاهلي علهم يجدون امتداد الأول عند الأخير، فأخفقت المحاولة.. ولجأ بعضهم إلى إثارة شبهة التأثر والأخذ من التوراة والأناجيل، فباءت محاولتهم أيضًا بالفشل، وفي عصرنا ظهرت محاولة- مغلفة بالعلمية والمنهجية- لإرجاع القرآن إلى عامل باطني داخلي، فليس ثمة وحي من خارج النبي- صلى الله عليه وسلم- المتلقي، وإنما انبعاث من داخله، أو كما توهم «مونتجمري واط» أن الوحي إلى نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- عبارة عن «تصور خلاق، فالوحي لا يعدو نوعًا من النشاط الذهني المتوقد كما هو الحال عند بعض الموهوبين»(1).
وبالنسبة لصنف آخر منهم فإن الإسلام فرية كبرى وعمل مختلق، والمسلمون ليسوا سوى نوع من المتوحشين، ومن المستشرقين من يقول: «في العالم فئتان نحن والبرابرة، والبرابرة في نظرنا أو الشرق هو كل آسيا وإفريقيا، أي أننا نضع في مكان واحد المسلمين والبوذيين والهندوس والوثنيين»(2).
▪ من تناقضات الاستشراق
ويقع كثير من المستشرقين في التناقض حين يثبتون الوحي إلى موسى وعيسى وينكرونه إلى محمد عليه الصلاة والسلام- رغم وحدة الصفات والخصائص، يقول الإمام الرازي: «وكما نقل إلينا ظهور الخارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء- عليهم السلام- نقل إلينا أيضًا ظهور الخارق على يد محمد له. فإذا رددنا التواتر قلنا: «إن المعجزة لا تدل على الصدق فحينئذ تبطل نبوة سائر الأنبياء، وإن اعترفنا بصحة التواتر، واعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق- ثم إنهما حاصلان في حق محمد- وجب الاعتراف قطعًا بنبوة محمد- صلى الله عليه وسلم- ضرورة، فعند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول» (3).
وعندما نتهم بعض المستشرقين بالبعد عن الموضوعية فلأن كثيرًا من دراساتهم للإسلام ولنبي الإسلام، جاءت من خلال دراساتهم للأناجيل أو اللاهوت، بل الواقع أن من هؤلاء المستشرقين من ينتظم باستمرار في سلك هيئات دينية وكنسية فضلًا عن وقوعهم في التحيز المقصود إلى درجة سوء النية المبينة والأهداف غير المعلنة.
وعلى سوء النية والقصد يشهد شاهد منهم فيقول: «وإذا حدث أن كانت بعض آراء العلماء الغربيين غير معقولة عند المسلمين، فذلك لأن العلماء الغربيين لم يكونوا دائمًا مخلصين لمبادئهم العلمية، وأن آراءهم يجب إعادة النظر فيها من وجهة النظر التاريخية الدقيقة» (4).
أما عن المنهجية الكاذبة عند معظمهم، فيقول الدكتور عبد الرحمن بدوي عن المستشرق اليسوعي «هنري لامانس»: «وأبشع ما فعله خصوصًا في كتابه «فاطمة وبنات محمد» هو أنه كان يشير في الهوامش إلى مراجع بصفحاتها وقد راجعت معظم هذه الإشارات في الكتب التي أحال عليها، فوجدت أنه إنما يشير إلى مواضع غير موجودة إطلاقًا في هذه الكتب، أو يفهم النص فهمًا ملتويًا خبيثًا، أو يستخرج الزامات بتعسف شديد يدل على فساد الذهن وخبث النية، ولهذا ينبغي ألا يعتمد القارئ على إشاراته إلى مراجع، فإن معظمها تمويه وكذب يتعسف في فهم النصوص ولا أعرف باحثًا من بين المستشرقين المحدثين قد بلغ هذه المرتبة من التضليل وفساد النية» (5).
ومن هذا القبيل «برنارد لويس»- اليهودي الصهيوني- فله «عادة غريبة في الاستشهاد بمصادر ومراجع غامضة مجهولة حين لا يكون ذلك ضروريًا، ولكنه يهمل توثيق معلوماته حين يتعلق الأمر بقضايا جدلية فيها أوجه نظر خلافية، فهو غالبًا ما يزين صفحاته بالتعابير والألفاظ الأجنبية».
أصوات منصفة وآراء معتدلة: ولكن الأمر لا يخلو من وجود معتدلين من المستشرقين يشهدون الحق، من هؤلاء الدكتور «فرانتز روزنتال» الذي قال: «ومن المزالق التي يندر أن يتحاشاها الباحثون الغربيون عند تقديرهم البحث العلمي عند المسلمين أنهم يضعون مقاييس صارمة يحكمون بموجبها على ما أنتجه الفكر الإسلامي، مقاييس أشد صرامة من تلك التي نطبقها على ذواتنا نحن الغربيين فإن العدل والإنصاف يقتضياننا أن نميز بين مختلف أنواع النشاط الأدبي ومراتبه التي من شأنها أن تترك أثرًا بعيد الغور في طبيعة النتاج العلمي الرفيع، على أننا قل أن ترى عالمًا غربيًا يراعي هذا التمييز عندما يحكم على البحث العلمي عند المسلمين»(6).
ويعترف «لانسون» بأخطاء بعض المستشرقين فيقول: «إن عيبنا المألوف هو رفع ما تنتهي إليه دراستنا من حقائق ناقصة درجات في مراتب اليقين، بل رفعها أحيانًا إلى مستوى اليقين المطلق وهكذا تصبح الممكنات احتمالات والاحتمالات ترجيحات، والترجيحات وقائع واضحة، والفروض حقائق ثابتة ويمتزج الاستنباط والاستقراء بالوقائع التي صدر عنها، فإذا بهما في قوة الملاحظات المباشرة (7).
ومما يدعو إلى شيء من التفاؤل أن الكنيسة البابوية في روما تعترف بهذا التجني من بعض المستشرقين، فأصدرت توجيهًا عام 1970م تطالب فيه «بمراجعة مواقفنا إزاء الإسلام وبنقد أحكامنا المسبقة»، «وعلينا أن نهتم أولًا أن نغير تدريجيًا من عقبة إخواننا المسيحيين فذلك يهمهم قبل كل شيء»، ويجب التخلي «عن الصورة البالية التي ورثنا الماضي إياها أو شوهتها الفريات والأحكام المسبقة»، كما «يجب الاعتراف بالمظالم التي ارتكبها ويجب الغرب المسيحي في حق المسلمين».
إن المستشرق الموضوعي هو الذي يبدأ موضوع بحثه من وجهة نظر أهله وأتباعه كما يعتقدونه، فمثلًا القرآن بالنسبة للمسلم هو كلام الله- جل وعلا- الأزلي، أوحاه عن طريق جبريل الأمين إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد ليس رسولًا فحسب وإنما خاتم الأنبياء هكذا دونما حذف أو إضافة، ثم يعرض لرأيه إما بالموافقة أو المعارضة المهم يضع الحقيقة من وجهة نظر المسلمين أمام القارئ فلا يمارس عليه ضغطًا بتشويه ثم بوضع رأيه بمقتضى هذا التشويه.
ويشير المستشرق الفرنسي «بوكاي»، إلى عدم الموضوعية والتشويه المتعمدين من بعض المستشرقين بقوله: «إن الأحكام المغلوطة تمامًا التي تصدر في الغرب عن الإسلام ناتجة عن الجهل حينًا وعن التسفيه العامد حينًا أخرى ولكن أخطر الأباطيل المنتشرة تلك التي تخص الأمور الفعلية، وإذا كنا نستطيع أن نغفر لأخطاء خاصة بالتقدير فإننا لا نستطيع أن نغفر لتقديم الوقائع بشكل ينافي الحقيقة»، ويؤكد بوكاي «أن نشر أكاذيب من هذا النوع يساهم في إعطاء صورة زائفة عن القرآن والإسلام والعرب».
▪ نحن والمستشرقون أي حوار؟
من خلال هذه الصورة الزائفة عن القرآن والإسلام والعرب، عرف هذا الفريق من المستشرقين الثقافة العربية والإسلامية وقدموها إلى المجتمعات الغربية، فهل أدى عملهم هذا إلى رفع مكانة العرب والمسلمين كما ذهب بعض بني جلدتنا؟ أو أن عملهم هذا أدى إلى تحقير الغرب لنا ولحضارتنا وتراثنا؟
وعلى ذلك نتساءل: كيف للمسلم أن يحترم آراءً وأفكارًا لا تحترم المنهج العلمي، كيف لنا احترام آراء ووجهات نظر تطعن في عقيدتنا، وتسب نبينا وتسعى إلى إدخالنا في القوقعة الأوروبية بوصفها- عندهم- مرجعًا لكل شيء يقع خارج أوروبا؟
إننا نرى أن الذي تردى فيه هذا الفريق من المستشرقين كفيل بأن يجعلهم غير صالحين لمحاولة الجدال والمحاورة، وهذا كله يحط من قيمة جهودهم الثقة في أبحاثهم.
أما الذين يكتبون- منا- منافحين عن فكر هذه الفئة من المستشرقين أن يحقق مصداقيته بأن يرفض المركزية الأوروبية، فلا يقسم العالم إلى مركز- أوروبا- وأطراف، وأن يتخلى عن قوالب وتصورات ورؤى المستشرقين القدامى عن الإسلام والمسلمين أي لا يبدأ دراسته للشرق بأحكام سابقة، وإذا تم هذا- وغيره- يكون الحوار بين أكفاء وأنداد، أما أن يسعى بعض المستشرقين إلى المحاورة من موقع المحورية المسيحية، قصد ترويض الإسلام واحتوائه أي رده في آخر الأمر إليها، كما يرد الفرع إلى الأصل فإن ذلك لا يكون حوارًا وإنما يكون استكبارًا بغرض الهيمنة.
وأخيرًا فنحن لا نريد من المستشرق أن يكون مسلمًا- إلا إذا انتهت به أبحاثه ودراساته إلى ذلك- يعتقد ما يعتقده المسلم، ولكننا نقول ليس من الصعب- بل هو من المنهج العلمي- أن يضع المستشرق مفهوم المسلم لدينه في تعبير المسلم واصطلاحه، وهو حين يفعل ذلك لن يكون أكثر اقترابًا من المنهج العلمي ومحققًا الموضوعية فحسب، ولكنه سيجعل نفسه في مركز أفضل لكي يدرك مكان نبوغ الإسلام بين أحداث التاريخ.
▪ الهوامش
(1) مونتجمري واط محمد في مكة، ص 98 - 100 تعریب شعبان بركات بيروت (بدون).
(2) جان بول رو: الإسلام في الغرب، تعريب نجده هاجر، ص 7، بيروت 1960م.
(3) الفخر الرازي: مناظرة في الرد على النصارى، ص 22، تحقيق د. عبد المجيد النجار، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986م.
(4) مونتجمري واط: محمد في مكة ص9.
(5) د. بدوي: موسوعة المستشرقين، ص 347 – 349.
(6) د. فرانتز روزنتال: مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي، ترجمة د. أنيس فريحة، ص 19، دار الثقافة. بيروت 1400هـ . 1980م.
(7) لانسون، ومابيه منهج البحث في الأدب واللغة، ص 419، ترجمة محمد مندور، ملحق بكتابه «النقد المنهجي عند العرب» دار النهضة بمصر.
(*) أستاذ مشارك بكلية الدعوة بجامعة الإمام محمد بن سعود المدينة المنورة .