العنوان العنف السياسي.. والشرعية الغائبة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1273
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
الحالة العربية في العصر الحديث عانت وتعاني كثيرًا من العنف السياسي الذي عطل مسيرتنا وشتت جهودنا، وشرذم شعوبها، وكان بحق شيطانها الذي أفسد حياتها, وقادها إلي كوارث عدة, ولقد بدأ العنف السياسي في كثير من البلاد العربية على مستوى القمة بالانقلابات العسكرية التي استولت على الحكم وعسكرت الدولة فكرًا وعملًا وإدارة، وترتب على ذلك ما يلي:
1- ضياع حقوق الإنسان الأساسية وإخضاعه كرهًا لأحكام غير مدروسة أو معقولة.
2- إلغاء الدساتير والقوانين أو تعديلها بما يوافق التوجه العسكري الحاكم, واستخدام الأحكام العرفية في إدارة شئون الدولة.
3- هدم المؤسسات، وإلغاء النقابات والاتحادات، أو استعمال بدائل من تأليف وإخراج السلطة.
4- زعم النخبة العسكرية احتكار الحقيقة ومن ثم فإنها تتعامل مع المخالفين لها في الرأي من منطلق الخيانة, وليس من منطلق الخلاف في الرأي, وتصنف الخيانة على أنها خيانة للدولة، ومن هنا يتهم أصحاب الرأي المخالف بأنهم خارجون عن الشرعية الثورية، وأعداء للوطن ويجب القضاء عليهم.
5- التصاق السلطة العسكرية بالمؤسسات الاقتصادية وبالدخل القومي, وبالأرصدة المخصصة للإنماء، وتصريف أحوال الأمة، فأنفقت أموال الشعوب بسفه وعدم مسئولية، وبدون رقابة أو محاسبة، مما أدى إلي ضياع قوام الأمة الصناعي والزراعي والتكنولوجي, مما أدى إلى الاستدانة وتحميل الشعوب بل ورهنها بما لا تطيق من الديون.
6- استعمال القمع الفكري وتسخير كل أدوات الإعلام من صحف وإذاعات وتلفاز وإصدارات وشعارات لإخضاع الشعوب وسوقها لتوجهات الحكم وإلهائها عن مساوئه وعثراته.
7- استجلاب الأنظمة لمذاهب غريبة عن طبيعة الشعوب، وليسوا هم منظروها، ولا فلاسفتها، ولا يعرفون نفعها أو ضرها، مما أورث الأمة تيهًا في الهوية، وضياعًا في الفكر، وتشتتًا في الثقافة، وخلخلة في التعليم، وضياعًا في الأهداف والوسائل.
8- إدعاء الوصاية على الشعوب، وإشاعة عدم بلوغها الرشد، والتحدث نيابة عنها، وفعل كل تجاوز، واقتراف كل خطأ باسمها، كان هو الذريعة للتصرفات غير المسئولة وغير المدروسة وغير المصرح بها أو المرضي عنها من قبل الشعوب المغلوبة على أمرها.
9- الارتياح إلى سلبية الجماهير، واعتبار هذا تفويضًا دفعهم إلى مزيد من التجاوزات التي أدت إلى تصفيات كثيرة لمعظم العناصر الفاعلة، والمؤسسات الناهضة في الأمة.
10- اتصفت حياة العسكر بالبيروقراطيات العسكرية التي أدت إلى اختناقات اقتصادية اتسمت بالعجز والفساد، حتى أثبتت التحقيقات في الجزائر من وجهات نظر رسمية اختلاس 22 بليون دولار في صفقات سلاح على مدى «عشرين سنة» وما جرى في قطاعات عدة كان أدهى وأمر في بلاد تحتاج إلى كل قرش في التنمية.
11- صار المثقف العربي جبانًا لا يستطيع مواجهة سطوة الجيوش أو المخابرات أو الاتهام بالعمالة، كما أصبح لا يقدر على الانعتاق من النفاق، ومدح الفساد حفاظًا على نفسه وراتبه في وسائل الإعلام المؤممة.
12- أصبحت شرعية الدولة وشرعية الفئة الحاكمة محل شك، خاصة أن السلطة الحاكمة وصلت إلى الحكم لا عن طريق الشعب أو عن طريق شرعي آخر، أو كانت فيما بعد محل رضًا من الأمة أو قبول من الجماهير، خاصة بعد فشل هؤلاء في تحقيق المهام الرئيسية لوجودهم، فلا حققوا التنمية، ولا احترموا توجه الأمة، ولا صانوا استقلالها.
13- انتشار الأمية السياسية، واعتبار السياسة منطقة خطرة لا يجوز الاقتراب منها، وقصرها على طبقة معينة تستطيع معرفة توجهات الحكم وتقدر على تنفيذ أهوائه.
14- ترحم كثير من الناس على أزمنة الاستعمار الذي كان أخف وطأة من حكم هؤلاء العسكر، وأكثر احترامًا لحقوق الناس، وأكثر تدبيرًا لأمورهم المعيشية والاجتماعية.
15- الاستهانة بالدماء والأرواح، وبروز القضاء العسكري في محاكمة المدنيين بغية تنفيذ إرادة السلطة في تصفية الخصوم، وقمع المناوئين والخارجين عليها، خاصة تلك الكوادر المهيأة حاليًا أو مستقبلًا والمرشحة لتكون بديلًا مقبولًا في الحكم، من أساتذة الجامعات وعناصر الخدمة الوطنية والمعلمين والمهندسين والأطباء والصحفيين والكتاب وأصحاب الفكر، ومن يثق الشعب فيهم، أو لهم شعبية في الأمة، ويقومون بخدمات جليلة وفاعلة في شعوبهم، أو يظهر لهم إبداعات معينة.
ولقد تجاوزت عمليات القتل والإبادة في بلد مثل الجزائر كل حد يمكن تصوره، بل وطأت كثيرًا من هؤلاء الذين حاولوا إيقاف معصرة الدم في الجزائر، حتى وصل الأمر إلى حد أن الرئيس الجزائري السابق «محمد بوضياف» الذي تصدى للمواجهة بعد إلغاء الانتخابات التي فاز فيها الإسلاميون، ثم اكتشف بعد معاناة أن الضرورات القومية تتطلب حلًّا وسطًا، لم يلبث أن قضت عليه السلطة العسكرية ورتبت اغتياله أمام الجميع؛ لأنه تردد في منتصف الطريق عن التصفيات التي تطلب منه.
والواقع المر بعد هذا الاستعراض الموجز كان في حال البلاد العربية التي عانت من هذه الأوضاع المأساوية بمعنى الكلمة، والمؤلم والماحق لتلك الشعوب التي تحتاج إلى عشرات السنين، أو مئات الأعوام حتى تتعافى وتنهض وتلحق بركب الأمم بعد أن تتبدل نفسيات الناس وتندمل الجراح وتزول المرارة بين الأسر والعائلات والتوجهات المختلفة، وتتخلص البلاد من الديون، وتبني قاعدتها الزراعية والصناعية والاجتماعية التي أصبحت مهترئة، وتبحث لها عن كوادر قادرة على رفع المعاناة، واختيار الطريق الصحيح للسير بالأمة إلى شاطئ الأمان، وكسب ثقة الجماهير للمشاركة بفاعلية في المسيرة الصعبة.
وبعد.. هل استطاعت الأمة تجاوز ذلك، أم أنها وقعت في عسكرية أخرى باسم الديموقراطية، تفتقد هي الأخرى إلى الشرعية، وتؤدي في النهاية إلى عنف سياسي لا يعلم مداه إلى الله؟ نسأل الله السلامة.. آمين.