العنوان فيما تتجه الاضطرابات السياسية نحو التصعيد.. شتاء ساخن في بنجلاديش
الكاتب عقبة عدنان الأحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 64
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
يبدو أن بنجلاديش مقبلة على شتاء ساخن وطويل بعد أن تزايدت حدة المواجهة بين المعارضة والحكومة التي تواجه أقوى تجمع للقوى المعارضة منذ استلام رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد سلطاتها الدستورية قبل عامين.
وقد اندلعت المواجهات العنيفة بين القوات الحكومية والمعارضة في بدايات هذا الشهر عندما نظم تجمع المعارضة إضرابًا عامًّا ناجحًا استمر ثلاثة أيام وتسبب في إحداث شلل بالبلاد، وحول شوارع دكا إلى ساحة حرب، وأدى إلى وقوع عشرة قتلى ومئات الجرحى في المصادمات الدموية التي استخدمت فيها الأسلحة النارية بين مؤيدي الحكومة -مدعومين بقوات الشرطة ومكافحة الشغب- ومؤيدي المعارضة.
ويضم تجمع المعارضة سبعة أحزاب هي:
1- الحزب الوطني البنجلاديشي بقيادة رئيسة الوزراء السابقة السيدة خالدة ضياء، وهو حزب المعارضة الرئيس.
2- الحزب الوطني بقيادة رئيس الجمهورية السابق حسين محمد أرشاد.
3- الجماعة الإسلامية بقيادة البروفيسور غلام أعظم.
٤- حزب جكبا.
5- حزب الشعب الوطني.
6- رابطة الديمقراطية.
7- التحالف الديمقراطي الوطني.
ويعتبر الإضراب الأخير الأقوى للمعارضة منذ استلام رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد سلطاتها الدستورية في ٢3 من يونيو ١٩٩٦م بعد فوز حزبها رابطة عوامي في الانتخابات البرلمانية وعودته للسلطة لأول مرة بعد ٢١ عامًا قضاها خارجها منذ اغتيال زعيمه قائد انفصال بنجلاديش عن باكستان الشيخ مجيب الرحمن وجميع أفراد عائلته على أيدي عسكريين في الخامس عشر من أغسطس عام ١٩٧٥م، وقد نجت حينها السيدة حسينة وأختها ريحانة من المجزرة حيث كانتا خارج البلاد.
وجاء إضراب المعارضة عشية إعلان قاضي محكمة محلية في دكا حكمه بالإعدام رميًا بالرصاص أمام الشعب على ١٥ عسكريًّا سابقًا بعد إدانتهم باغتيال مجيب الرحمن وأفراد عائلته الـ ٣٢. يذكر أن الحكم صدر بعد ١٤٩ يومًا من المداولات والسماع للقضية وبحضور ٧٣ شاهدًا في القضية وبحضور ثلاثة متهمين فقط فيما حكم على الـ١٢ الباقين غيابيًّا، وبعد صدور الحكم بساعات تم إحضار أحد المتهمين بمساعدة السلطات التايلندية، حيث كان يمضي حكمًا في السجن لدخوله تايلند بطريقة غير رسمية، وطلبت الحكومة البنجالية مساعدة الإنتربول الدولي لتسليمها المتهمين الأحد عشر المتواجدين في أوربا وأمريكا.
وكان أول تسجيل لقضية القتل قد تم في مخفر شرطة صغير في الثاني من أكتوبر 1996م عقب وصول السيدة حسينة للسلطة، أي بعد ٢١ عامًا على اغتيال والدها مجيب الرحمن، إلا أن المعارضة نفت أي علاقة لإضرابها بقرار المحكمة، وإنما هو احتجاج على الهجوم الذي تعرض له اجتماع المعارضة بقيادة السيدة خالدة ضياء من قبل أفراد الشرطة ومؤيدي الحزب الحاكم عندما قامت الشرطة بإلقاء القنابل المسيلة للدموع واستخدمت الرصاص المطاطي لتفريق الاجتماع.
وكان اجتماع المعارضة بمناسبة الاحتفال بذكرى يوم الثورة الوطني والتضامن والذي يصادف السابع من نوفمبر من كل عام، وكان اليوم المذكور عطلة رسمية في البلاد خلال ٢١ عامًا إلى أن جاءت حكومة رابطة عوامي وألغته باعتباره يوم الحداد وليس الثورة حيث قتل في هذا اليوم والأيام التي سبقته عام ١٩٧٥م أربعة من القادة الوطنيين ومن مساعدي الرئيس مجيب الرحمن في السجن المركزي في دكا.
اتفاق على الانفصاليين
حالة العنف السياسي الجديدة لم تكن وليدة الساعة فلها إرهاصاتها التي سبقتها، فبعد تولي رئيسة الوزراء مقاليد الحكم في الثاني من ديسمبر عام ١٩٩٧م وقعت الحكومة معاهدة سلام مع الانفصاليين في منطقة تلال شيتاجونخ «تراکت» المتاخمة للحدود مع الهند وبورما لإنهاء ٢٥ عامًا من الحرب الأهلية، ويسكن هذه المنطقة غالبية من البوذيين والهندوس الذين لا يتكلمون اللغة البنجالية الوطنية، وتتهم المعارضة الحكومة بتوقيع معاهدة غير شرعية في نيودلهي مع منظمة تحرير شيتاجونج البوذية أنها معاهدة ضد البنجاليين وضد وحدة التراب البنجالي، وتنص المعاهدة على تمتع أهل المنطقة بالحكم الذاتي، وتشير المعارضة إلى أن هناك التزامات شفهية أعطيت من قبل الحكومة لتلك المنظمة بعدم إدخال أو إسكان الناطقين باللغة البنجالية أو المسلمين إلى تلك المنطقة، والتي تعتبر على حد تعبير المعارضة خيانة وطنية.
كما وقعت الحكومة اتفاق لتقاسم مياه الأنهار مع الهند والتي اعتبرته المعارضة كذلك اتفاقًا مجحفًا، كما أكدت أنه بالرغم من هذا الاتفاق فإن الحكومة الهندية لا تلتزم بما ورد فيه وتستمر في فتح مياه الأنهار على بنجلاديش، مما يسبب ازديادًا في الفيضانات التي تجتاح البلاد كل عام.
ويتهم بعض قادة المعارضة السيدة حسينة بميولها إلى الهند، مما قد يؤثر على السياسة الوطنية.
وإضافة إلى ذلك تنهم المعارضة الحكومة بالفساد الإداري وتفشي الرشوة، والتسبب في تزايد حدة الأزمة الاقتصادية، مما أدى إلى تعويم العملة أمام الدولار وانخفاض سعرها، وأدى ذلك إلى تدهور المعيشة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية الرئيسة، كما تتهم المعارضة الحكومة بسوء توزيع المواد الإغاثية على منكوبي الفيضانات الذين لم تنته مشكلتهم إلى الآن.
وتطالب المعارضة الحكومة بالاستقالة الفورية وتشكيل حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات العامة، في حين تتهم الحكومة المعارضة وبخاصة خالدة ضياء بالتعاون مع الإرهابيين والعناصر التي لا تؤيد الاستقلال على حد تعبير الحكومة واتهامها بإخفاء الحقائق حول قتلة زعيم الانفصال.
إسقاط الحكومة
كما توجه الحكومة للمعارضة اتهامات بالسعي لإسقاطها قبل صدور الحكم النهائي على المتهمين في قتل الشيخ مجيب الرحمن، ليتسنى للمعارضة إنقاذ المتهمين وإغلاق ملف القضية.
ومن المعروف أن الحكم بالإعدام على قتلة الشيخ مجيب لن ينفذ حتى تقره المحكمة العليا والتي يسمح للمتهمين بالمرافعة أمامها ضد قرار المحكمة الأول، وتستغرق هذه المرافعة -كما قال محامي الدفاع- ثمانية أشهر على الأقل.
وترى الحكومة أن المعارضة تسعى خلال هذه الفترة إلى خلق نوع من عدم الاستقرار في الشارع حتى تسقط الحكومة وتستطيع بعدها المعارضة إيقاف تنفيذ الحكم.
وتتهم الحكومة الرئيس السابق وزعيم الحزب الوطني حسين أرشاد بأن له يدًا في اغتيال الشيخ مجيب، ويطالب أعضاء في الحكومة بمحاكمته لضلوعه بالمذبحة التي ارتكبها العسكريون في مدينة شيتاجونج ثاني المدن البنجالية عام ١٩٨٨م، إلا أن الأخير ينفي هذه الاتهامات.
يذكر هنا أن المعارضة كانت قد أوقفت برامجها في المظاهرات والاحتجاجات لإسقاط الحكومة في أغسطس الماضي بعد أن اجتاحت الفيضانات المدمرة بنجلاديش في أسوأ كارثة تشهدها منذ مائة عام والتي ما زال السكان يعانون ويلاتها، وقد أعلنت المعارضة أنها مستمرة في برنامجها لإسقاط الحكومة، وأنها ستكثف من احتجاجاتها خلال الأيام القادمة.
من ناحية أخرى -وفي بادرة لتخفيف حدة الأزمة- أعلنت رئيسة الوزراء السيدة حسينة خلال جلسة البرلمان أنها ستدعو إلى انتخابات مبكرة في إبريل ١٩٩٩م -أي قبل سنة من موعدها المحدد ٢٠٠٠- إلا أن المعارضة ضربت بهذا الاقتراح عرض الحائط وطالبت الحكومة بالاستقالة الفورية وتشكيل حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات العامة، مما يزيد من حدة الأزمة في ظل التهديدات المعارضة بأنها سترد بقوة فيما لو تعرضت احتجاجاتها السلمية إلى هجمات الشرطة، مما يجعل شتاء العام في بنجلاديش ساخنًا، وربما لا ينجلي حتى يحدث تغييرًا سياسيًّا في بنجلاديش.
الأيام القادمة ستخبرنا المزيد.