; الشاب التونسي الذي قتل خطيبته الفرنسية.. قضية عربية أمام القانون الفرنسي | مجلة المجتمع

العنوان الشاب التونسي الذي قتل خطيبته الفرنسية.. قضية عربية أمام القانون الفرنسي

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989

مشاهدات 64

نشر في العدد 905

نشر في الصفحة 57

السبت 18-فبراير-1989

*المحكمة الفرنسية ضربت بالقاعدة القانونية التي تقول إن الشك يفسر لصالح المتهم.

  هناك قضية أمام القضاء الفرنسي تتعلق باتهام شاب تونسي بقتل خطيبته الفرنسية، وملخص القضية أنه بتاريخ ٢٢ أكتوبر ١٩٨٦م في وقت الفجر بينما كان أحد القطارات يدخل المحطة لمح السائق جسمًا لا يتحرك فوق السكة الحديدية، فحاول أن يوقف القطار ولكن العربة دهست الجسم، وتبين أنه للشابة الفرنسية لورانس فونتر خطيبة الطالب التونسي حسن ساسي، وبعد خمسة أيام من الحادث تقدم الطالب التونسي، وكشف للمحققين أنه في ليلة ٢١ اكتوبر التي سبقت الحادث كان معها في إحدى النوادي الليلة في المدينة انتظمت فيها أمسية طلابية، فاشتبهت الشرطة بأنه هو المتهم بقتلها، ثم وجهت إليه تهمة القتل، ووضع في السجن التحفظي رهن التحقيق بمجرد عملية تركيب صور تبرز بقعة زرقاء بقبضة اليد، أوضح حسن ساسي أنها نتيجة ضربة للباب، وأثبته بالشهود، وقد رفض المحققون اعتماد هذه الرواية رغم الأدلة التي تثبت آثار الضربة على الباب، ورغم أن المتهم أثبت غيابه عن مكان حصول الحادث، وعدم وجود أي دافع وراء اقترافه لهذه الجريمة، كما أن هناك شاهدًا شاهد لورانس فونتر وهو عامل بريد يذهب كل صباح إلى عمله في الساعة الخامسة ،والذي أكد أنه رأها وحدها على مقعد عمومي، وكانت تضع رأسها بين يديها ومنكبيها وعلى ركبتيها، واعتقد حينئذ أن أبويها طرداها من المنزل، وقد كان آخر من شاهد الفناة على قيد الحياة على بعد بضع أمتار من المكان الذي عثر فيه على جسمها المبتور بفعل مرور القطار.

  والخبراء الذين قاموا بتشريح جثة الفتاة لم يتوصلوا بشكل دقيق بخصوص الظروف التي أحاطت بالمأساة، إلا أنه من الثابت للجميع أن الوفاة كانت نتيجة مرور عجلات القطار على الجسم، وقد اشتد الجدل بين الأطباء الشرعيين بعد الفحوص المتكررة.

  والقاعدة القانونية تقول إن الشك يفسر لصالح المتهم، والمفروض هنا أن ترجح كفة استفادة المتهم من الشك، إلا أن المدعي العام طالب بإنزال أقصى العقوبة على المتهم، وهي الأشغال الشاقة مدى الحياة، مع أن هناك طبيبين أخصائيين قاما بالمعاينة في مكان الحادث، أكدا أن جروح الوجه يمكن أن تكون بسبب الإصطدام بحجارة الأرضية؛ لأن الجسم لا بد وأنه ارتج عند مرور القطار، وقال محامي الدفاع بأنه يزعجه جدًا استناد قرار الاتهام إلى تقارير خبراء يحدث نقضها باستمرار، ومع هذا حكمت المحكمة على المتهم الطالب حسن ساسي بالأشغال الشاقة لمدة عشرين سنة، وقد أدت هذه القضية إلى استياء الرأي العام التونسي للظروف التي أحاطت بمحاكمة هذا الطالب.

  ونلاحظ هنا أن المحكمة قد ضربت بالقاعدة القانونية التي تقول إن الشك يفسر لصالح المتهم عرض الحائط، فالمتهم لم يعترف، وليس هناك شهود ولا أدلة قوية تدين المتهم، وكل ما في الأمر أنها استنتاجات لا تعتمد على أدلة صحيحة، وفي كون أن المتهم تونسي اعتبر ذلك قرينة لاتهامه.

  ماذا يقول المعجبون بالقضاء الفرنسي في هذا والذين فضلوا القانون الفرنسي على الشريعة الإسلامية، التي يتساوى أمامها الناس، فلا تكون هناك أدلة خاصة بالأوروبيين، فيادنون إذا أريد إدانتهم، ولا أدلة خاصة بالمسلمين يبرئون إذا أريد براءتهم، وإنما الناس أمامها سواء كأسنان المشط، والمتهم فيها بريء حتى تثبت إدانته، ولا يترك الأمر للقاضي ليدين جنسًا دون جنس بحجة اقتناعه بالدليل الذي استنتج منه الأدلة، إنما الحاكم كما يقول ابن القيم -رحمه الله- يحكم بالحجة التي ترجح الحق إذا لم يعارضها مثلها، والمطلوب منه ومن كل من يحكم بين اثنين أن يعلم ما يقع، ثم يحكم فيه بما يجب، فالأول مداره على الصدق، والثاني مداره على العدل، والشريعة الإسلامية لا تلغي القرائن والإمارات، ودلائل الأحوال، ولكنها لا تجعل كون الشخص من جنسية معينة قرينة لإدانته، ويشدد الإسلام على التثبت من الإدانة حتى في حالة الأعداء، وليس أدل على ذلك من قضية الأبيرق الذي سرق من بيت يهودي طعامًا وسلاحًا، وقام قومه يدافعون عنه أمام النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى كاد يميل إليهم على اعتبار أن من اتهمه لا بينة له، وقد أراد السارق أن يلصق التهمة برجل آخر فأنزل الله قوله -تعالى-:

﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١٠٥: ١١٤).

  فقد دفعت العصبية القبلية قبيلة السارق أن يقوموا معه ضد غريمه اليهودي، ولكن الإسلام الذي لا يفرق بين اليهودي والمسلم في الحق وضع الأمر في نصابه، وكشف المنافق العربي الذي يتستر بالإسلام فيحق الله الحق، ويبطل الباطل، وهذا هو العدل الإسلامي، ولكن المعجبين بالغرب يصرون على تفضيل القوانين الوضعية بقوتها في بلاد المسلمين الذين عندهم ما يغنيهم عنها، وقد لا يعملون أن هذه مشاقة لله ورسوله من بعد ما تبين لهم الحق، فهل يفيق العرب والمسلمون، ويتقون الله في أنفسهم وشريعتهم؟

الرابط المختصر :