; من الحياة: ذكرى موجعة.. لكنها مبشرة ومثمرة | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة: ذكرى موجعة.. لكنها مبشرة ومثمرة

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 09-يناير-2010

مشاهدات 52

نشر في العدد 1884

نشر في الصفحة 56

السبت 09-يناير-2010

لا أقصد إعادة الآلام، ولا أريد أن نعيش ظلمة الأمس، بل أريد أن أذكر نفسي وأبناء جلدتي والعالم كله بهذه المظلمة وتلك المذبحة، وأريد أيضا أن تحيي هذه الذكرى بعزيمة الأقوياء، وهمة النشطاء، وشجاعة المتقدمين وثقة المؤمنين الراجين من ربهم العز والتمكين.

يذكرنا عدوان أبناء صهيون على أهلنا في غزة العز بالشرفاء من أمتنا ومن غير أمتنا هؤلاء الذين غاروا على الدين والأرض والعرض والقيم الإنسانية، هؤلاء الذين ثاروا ووقفوا يساندون الشرفاء بكل ما أتاهم الله من فضله.. بالدعم المادي والمعنوي... بالدعاء.. بالكلمة المسموعة.. بالكلمة المنطوقة.. تذكرنا هذه الذكرى بما صنعه الشرفاء الغرباء من أمثال النائب البرلماني البريطاني جورج جالاوي.. وغيره كثيرون هؤلاء الذين قطعوا المسافات وركبوا البحار أسابيع وشهورًا كي يكسروا هذا الحصار الظالم على أهلنا في غزة…

وإن نعجب فعجب أن نجد من الغرباء شرفاء، ثارت فيهم النخوة وغضبوا الأهلنا في غزة وطاروا بأشواقهم وأرواحهم وأجسادهم إلى غزة بينما تخلى أبناء جلدتنا عن واجبهم، بل إن المصيبة الكبرى أن بعض هؤلاء من أبناء جلدتنا عوقوا مسيرة هؤلاء الشرفاء، وبعض الفلسطينيين أنفسهم بذلوا ما في وسعهم ليحولوا بين وصول المساعدات إلى إخوانهم في الجنسية والدين، وطربوا أيما طرب لقتل الشباب والرجال والنساء والأطفال.. لم يتألموا الأرامل فقدن أزواجهن، ولم يبكوا على يتامى مازالت قسمات وجوههم تنطق بالبراءة المشوية بالأحزان والآلام، لم يتأثروا بأحزان شعب أدمت قلوبنا وألمت أرواحنا.. لم يتحركوا وقصف الأعداء يتواصل ليل نهار.. في حين وجدناهم يتحركون لأحداث تافهة، وكانت تحركاتهم رعناء غير رشيدة تشعل الفتنة لا تطفئها.

تذكرنا هذه الذكرى المؤلمة بالإبادة الجماعية التي اقترفها الصهاينة.. تذكرنا بحرق البشر والشجر تلك الحرب التي لم تبق ولم تذر.

يذكرنا هذا العدوان بشهدائنا الأحرار الذين استشهدوا دفاعًا عن الدين والوطن كان حال كل شهيد ينطق بالفخر وعز الإسلام ويشهد له بمقام المجاهدين الأبطال، يصدق في وصف حال الواحد منهم قول الشاعر أبي تمام: 

فتى مات بين الطعن والضرب ميتة *** تقوم مقام النصر إن فاته النصر 

وما مات حتى مات مضرب سيفه *** من الضرب واعتلت عليه القنا السمر

وقد كان فوت الموت سهلًا فرده *** إليه الحفاظ المر والخلق الوعر 

ونفس تخاف العار حتى كأنه *** هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر

فاثبت في مستنقع الموت رجله *** وقال لها: من تحت أخمصك الحشر

غدا غدوة والحمد نسخ ردائه *** فلم ينصرف إلا وأكفائه الأجر

تردى ثياب الموت حمرًا فما دجى *** لها الليل إلا وهي سندس خضر

فتى كان عذب الروح لا من غضاضة *** ولكن كبرا أن يقال به كبر

إذا شجرات العرف جدت أصولها *** ففي أي فرع يوجد الورق النضر

مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة *** غداة قوى إلا اشتهت أنها قبر

توى في الثرى من كان يحيا به الثرى *** ويغمر صرف الدهر نائله الغمر

عليك سلام الله وقفا فإنني *** رأيت الكريم الحر ليس له عمر 

وبرغم عربدة الصهاينة، وقوة الترسانة الحربية لديهم، وطغيان شهوة القتل لديهم وصمت العالم - سوى الشرفاء - وخذلان الأخ والجار لأهلنا في غزة، إلا أن النصر كان حليف الرجال ذوي العقيدة والعزيمة، ولقد أثمرت الموقعة ثمرات طيبات، ولا تزال تثمر حتى يومنا هذا.. ولعلي في السطور القليلة الباقية أشير إلى بعض هذه الثمار.

ثمرات الموقعة

أولًا: انتصار العقيدة والعزائم:

لقد صمدت المقاومة، وأعلنت عن ميلاد غزة جديدة تحطمت أمامها أهداف الأعداء، فلم يستطع الأعداء تحرير الجندي الأسير شاليط .. وكان ذلك من أهدافهم... ولم يستطيعوا احتلال غزة، ولم يجرؤوا على مواجهة المجاهدين الأبطال فاكتفوا بالقصف الجوي المكثف والولوج إلى غزة في حذر ووجل وجين وخوار، يقدمون رجلا ويؤخرون الأخرى، وتغيرت أهدافهم واضطربوا، فأرادوا إيلام غزة دون مواجهات ولا احتلال، وتلك - من الأعداء بلسان الحال والمقال - تعد شهادة ميلاد المقاومة فلسطينية ذات شوكة قوية لا يجرؤ أحد أن يجهضها أو يقضي عليها.

ثانيًا: تطور قدرات غزة: 

فما عادت غزة تحسب حسابًا للقوة الصهيونية، ولا عادت تخشى ترسانتها العسكرية، فقد كانت الموقعة تجربة ميدانية الصمود غزة وقدرات الأعداء، فنجح الصمود. وخفت بريق القدرات الصهيونية، وتلاشت ومحيت أسطورة الجيش الذي لا يقهر للمرة الثالثة في العقود القليلة الماضية بعد أن محاها جيش مصر العظيم في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر ۱۹۷۳م. كما محبت مرة ثانية على يد أشقائنا من شعب لبنان الحبيب. 

ثالثًا: ابتلاع الأعداء السنة التهديد: 

لقد كانت السنة الصهاينة قبل الموقعة تهدد وتتوعد وتحشد قواتها على غزة، أما الآن.. فقد ينسوا لما أدركوا أن ذلك لا يؤثر على المجاهدين الموحدين، فلم تعد تسمع تلك التهديدات، وهكذا أسكنت هذه المقاومة العظيمة تلك الألسن الجعجاعة، واضطر الأعداء إلى أن يبلعوا السنة التهديد والوعيد التي طالما هددونا بها.

رابعًا: الكشاف حقيقة المجرمين:

لقد حرص الصهاينة - برغم جرائمهم - على أن يظهروا أمام العالم أنهم مظلومون ومضطهدون وتطالهم يد التطرف والإرهاب وأنهم مقصودون للقضاء عليهم، أما الآن وبعد موقعة غزة فقد انكشف أمرهم، وأبرز ما يدل على ذلك تقرير جولدستون .. وكذلك توقف المفاوضات العينية التي شكلت غطاء سياسيا للقتلة، ولقادة الكيان الذين أدمنوا خداع العرب والمسلمين والعالم وما أمر اعتقال المجرمة ليفني وزيرة كيان الإجرام السابقة منا ببعيد، وهذا دليل آخر على انكشاف حقيقتهم.

خامسًا: انتهاء فكرة القضاء على المقاومة:

فالأحداث تؤكد ذلك، وخاصة بعد فشل الأعداء في السيطرة العسكرية على غزة، وصارت المقاومة الفلسطينية ندا قويا وشرسا للعدو، وانتهت للأبد فكرة القضاء على المقاومة.

سادسًا: اكتساب حماس قوة إلى شرعيتها:

لقد خرجت حماس من العدوان كالذهب يخرج من النار، أقوى شكيمة وأصلب عودًا، وأعظم بريقًا، وأصفى معدنًا وهكذا رأيناها تجير الأعداء إجبارًا على أن يفاوضوهم، وفاوضت، حماس، ونجحت وأجادت وأثبتت لكل الفلسطينيين والعرب والمسلمين أنها الأجدر بذلك، وليس هؤلاء الذين ظلوا عقودًا من الزمان يفاوضون وهم لا يحرصون إلا على مصالحهم الشخصية ويأكلون ويسكنون ويلبسون ويسيحون على حساب حقوق شعبهم.

نجحت حماس في الصفقة الأولى الخاصة بشاليط حيث أخرجت الأسرى مقابل إظهار شريط فيديو لمدة دقيقة ونصف فقط أو أقل، كي يطمئن العدو على أن أسيره لا يزال حيًا فهل تعلم من ضيعونا وضيعوا مقدساتنا؟! إنهم الذين يزعمون أنهم أساطين السياسة وقادتها ومخضرموها، وأن حماس هؤلاء مجموعة من المشايخ الدراويش الذين لا يعرفون إلا الخطب والدروس؟!! فما أعظم تلك التهم، ولكن في نجاح ، حماس، في المفاوضات أبلغ رد على هؤلاء الأدعياء.. وفي الصفقة الثانية التي لا تزال قائمة تأكيد لنجاح حماس في هذا المضمار. 

سابعًا: تقهقر مصداقية العاجزين المخادعين:

لقد ظلت السلطة غير الشرعية تخادع أبناء شعبها وأمتها، وحاولوا التضييق على حماس حتى وصل أمرهم في ذلك إلى مساعدة الأعداء للقضاء على حماس ... ولم يبالوا بأبناء فلسطين ولا نسائهم ولا أطفالهم ولا رجالهم ولا وطنهم. فالكل في أعين السلطة المزيفة غير الشرعية يهون مادام الأمر سيؤول إلى القضاء على حماس ... بل جندوا أنفسهم للتحريض على غزة بعد أن فشلوا في مواجهة حماس، ولكن هيهات... ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١)، أني لهم أن يبدلوا وعد الله لعباده؟! معاذ الله فقد وعد الله عباده المؤمنين الصالحين العز والنصر والتمكين والأمن يقول سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥). 

يقول فايز أبو شمالة، والجديد انتهاء التهديد الصهيوني باستعادة الأسير الصهيوني شاليط بالقوة والبدء بمفاوضات جادة لإطلاق سراحه. 

والجديد - أيضًا - أن كل أولئك الذين حلموا بعودة عباس، رئيسًا على غزة قد أدركوا أن غزة صارت نجمة في السماء تهدهد قلب العائدين، ومن أراد العودة إلى غزة عليه أن يكون قمرًا يضيء درب المقاومة ...

ثامنًا: مزيد من الإيمان والثبات:

لقد فتح الله لأهل غزة أبواب الخير ورقق قلوب الأحرار الشرفاء على أهلها، فلا تكاد تخلو دولة أو مدينة أو قرية أو شارع أو حي إلا وفيه المناصرون المخلصون من أهل الخير الداعمون لإخوانهم وأهلهم في غزة العزة ورأينا أهل غزة كلما حوصروا وضيق عليهم فتح الله لهم أبوابا لم تكن في الحسبان!!

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)﴾ (الطلاق).

وذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٦).

فيا غزة العز يا من تقومين بواجب المسلمين والعرب في آفاق الدنيا، نسأل الله لك مزيدا من الفتح والبركات والنصر والتمكين والثمرات نسأل الله لأهلك عزاء ولأبنائك نصرًا، ولجميع أهلك أمنا، زادك الله ثباتًا وإقدامًا وإيمانًا، ولا نامت أعين الجبناء وهلك الأشرار المعتدون المجرمون سفاكو الدماء ومرملو النساء، وميتمو الأطفال ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: ٥٢).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1320

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق