العنوان تأملات تاريخية.. رغبوا بما عند الله فرغب الحكام بهم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1986
مشاهدات 99
نشر في العدد 764
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 22-أبريل-1986
لما فرغ سليمان بن عبد الملك من استقبال المرحبين به، بعد وصوله المدينة
المنورة قادمًا من عاصمة ملكه دمشق، قال لبعض جلسائه:
"إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن، إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد
الفينة ويجلو عنها صدأها، فهل في المدينة من نلقاه ونستمع إليه؟"
فقالوا: سلمة بن دينار عالم المدينة وإمامها وتابعي أدرك عددًا من الصحابة.
فأشار سليمان بإحضاره، فحضر، فقال سليمان معاتبًا: "ما هذا الجفاء يا
أبا حازم؟" قال ابن دينار: "وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟"
قال سليمان: "زارني وجوه الناس ولم تزرني!"
قال: "إنما يكون الجفاء بعد المعرفة، وأنت ما عرفتني قبل اليوم، ولا
أنا رأيتك، فأي جفاء وقع مني؟"
فجعل سليمان يسأل أبا حازم، وأبو حازم يجيبه بصراحة الواثق المؤمن. ومن
جملة ما سأله سليمان: "يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟"
فقال أبو حازم: "لأننا عمرنا دنيانا وخربنا آخرتنا، فنكره الخروج من
البناء إلى الخراب!"
قال سليمان: "من أكيس الناس يا أبا حازم؟"
فقال: "رجل ظفر بطاعة الله تعالى فعمل بها، ثم دل الناس عليها."
فقال الخليفة: "فمن أحمق الناس؟"
فقال: "رجل انساق مع هوى صاحبه، وصاحبه ظالم، فباع آخرته بدنيا
غيره."
وبعد سؤال وجواب، وكلمات صادقة تخرج من القلب، تفجرت دموع الخليفة. انصرف
أبو حازم إلى بيته وهو ملء عين سليمان. فأتبعه بصرة فيها مال يطلب منه أن ينفقها،
وله مثلها. فردها أبو حازم وكتب إلى الخليفة يقول: "يا أمير المؤمنين، أعوذ
بالله أن يكون سؤالك إياي هزلًا، وردي عليك باطلًا. فوالله ما أرضى ذلك لك، فكيف
أرضاه لنفسي؟
يا أمير المؤمنين، إن كانت هذه الدنانير لقاء حديثي الذي حدثتك به، فالميتة
ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل منها. وإن كانت حقًا لي في بيت مال المسلمين،
فهل سويت بيني وبين الناس جميعًا في هذا الحق؟"
رحم الله أبا حازم، فقد امتلأت عين الخليفة منه هيبة وإجلالًا، وحبًا
وإقبالًا. وبمثل هذه المواقف اعتدل خط سير سليمان، وأنس إلى العلماء وعظم مكانتهم
لما عظموا العلم. فكانت وصيته لعمر بن عبد العزيز بالخلافة بإشارة من رجاء بن حيوة
العالم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل