العنوان اليسار العربي بين نشأته ولعبة الديمقراطية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مارس-1981
مشاهدات 56
نشر في العدد 519
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 10-مارس-1981
الفكر اليساري فكر دخيل ورجاله لبسوا المسوح العربي زمن عبد الناصر
ما الخطوط الفارقة بين طبيعة اليسار العربي واليسار اليهودي.؟
اليساريون العرب لعبوا بالديمقراطية كما يشاءون حتى وصلوا إلى سدة الحكم.
اليسار الحاكم أدخل الديمقراطية إلى السجن لأنها تعطي غيره حق المعارضة.
اليساريون مع الديمقراطية عندما يكونون خارج الحكم.. وهم ضدها عندما يحكمون!
أصبح من المألوف تقسيم التكتلات العربية إلى يمين ويسار تمشيًا مع التقسيمات الفكرية السائدة في عالم اليوم، أو ربما لعدم وجود تسميات أخرى تكون أكثر اتفاقًا مع الحقيقة، وكثيرًا ما يحسب أهل اليسار ما يطلق عليهم من نعوت وأسماء مختلفة من قبيل الذم.. بشكل يدعو اليساري أحيانًا إلى التواري خلف صفة أخرى جديدة هي صفة التقدم. ليوصف بعد ذلك «بالتقدمية». تلك اللفظة التي جعلته يصف من لا يواكب فكره «بالرجعية». لتصبح الإنسانية في نظر أهل اليسار مقسومة إلى قسمين رجعي تجب محاربته. وتقدمي يملك القدرة على حكم الناس وتوجيههم.. وقد يطلق أهل اليسار على تكتلاتهم لفظًا صار قديمًا، ولم يكن من مصطلحات معجمهم السياسي من ذي قبل، ألا وهو لفظ «الوطنية».. وقد بدأنا نسمع بهذا المصطلح من جديد، حيث صار أهل اليسار في بعض بلداننا يسمون أنفسهم بـ«التجمع الوطني». ولا ندري إن كانوا يعتقدون أن التجمعات السياسية الأخرى ليست تجمعات وطنية!! فأهل اليسار هم -كما يزعمون- أهل الوحدة والحرية والاشتراكية التي هي مقومات وطنيتهم كما يحسبون.. وهنا يجدر بنا أن نقف على الخطوط العامة.. والظروف العربية التي رافقت نشوء اليسار العربي.
مولد اليسار العربي:
يرى أحد المفكرين الإسلاميين أن فهم وجود اليسار بأشكاله المختلفة على الساحة العربية يحيج للرجوع عكس التيار، كي يصل إلى الجذور والظروف التاريخية التي أدت إلى انتعاشه، وهنا يشير المفكر إلى العوامل التي أدت إلى وجوده، ومن ذلك أن الشعوب العربية تعرضت بعد الحرب العالمية الثانية لرياح التغيير التي هبت على العالم وقامت تسعى لاستكمال سيادتها واستقلالها من المستعمر القديم، وكان طبيعيًا أن تحاول الكتل المتنافسة مع دول الاستعمار القديم أن تدخل إلى المنطقة من باب تقديم العون، ولما كانت الشعوب العربية محدودة الخبرة وليس لديها المناعة الذاتية، فقد هيأ هذا الاتصال بدول الكتلة الشيوعية إلى إيجاد رجال سلموا بكل شيء لتلك الدول وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي.. فكانوا بالتالي هم العملاء الجدد للفكر الوافد الجديد، وللسياسة التي أوجدت فيما بعد تيار أهل اليسار، ولما بحث أهل اليسار عن المنهج الفكري الذي سيقدمونه بديلًا عن تراث الأمة للشعوب العربية، لم يجدوا غير العودة إلى ما كان الصليبيون في سوريا ولبنان قد كتبوه عن الشيوعية والاشتراكية، وعلى رأس هؤلاء ميشال عفلق والنصيري زكي الأرسوزي، لتأتي فيما بعد مسألة تنظيم هذا الفكر الوافد وإلباسه المسوح العربي زمن عبد الناصر وعبد الكريم قاسم وخلط أوراق الشيوعية والاشتراكية بالقومية والإسلامية في عصر القذافي.
العرب بين اليسار الدولي واليسار اليهودي:
كان اليسار الدولي. وبالتحديد الدول الشيوعية هي المهيأة لاستغلال إيجاد اليسار في العالم العربي وتحويل تطلعات الشعوب العربية بعد التحرر من الاستعمار القديم إلى جزء من تيار دولي مشتبك في معركة خاصة مع العالم الرأسمالي، ومن المؤسف أن الأمة العربية تورطت عبر زعامات برزت على السطح بانقلابات عسكرية روجت لاتساع قواعد اليسار في صفوف الأمة مستخدمة بعض الشعارات البراقة. مستفيدة من الظلم الذي كانت تمارسه الأنظمة الملكية السابقة.. مصورة أن الاشتراكية هي مخلص الشعوب. وأن دول الكتلة الشيوعية هي باب الإنقاذ من بوتقة الإمبريالية، وهذا أدى بالتالي إلى أن تفقد الأمة شخصيتها. وتفقد استقلالها الوطني من جديد، ولعل في هذا الموضع يكمن فارق أساسي مهم بين اليسار العربي واليسار اليهودي، بين أمة أخليت من أفكارها الأصلية حتى تفرقت بها الأهداف والغايات وأصبحت سوقًا حرًا لكل فكر وافد ومبدأ غريب، وبين حركة استيطانية استعمارية تنبثق عن عقيدة وتتحرك نحو هدف وتستفيد من كل فرصة سانحة، وفي هذه المقارنة العابرة تكمن محنة اليسار العربي ومحنة اليمين العربي بل مأساة الأمة العربية بأسرها في أعظم اختبار تاريخي تتعرض له في تاريخها الطويل. على أن تيارات دولية عديدة منها الصهيونية دون شك لعبت دورًا كبيرًا في الترويج لهذه الأفكار لأسباب مختلفة وهي مؤامرة لم تعد في نطاق الحدس والتخمين لأن ملامحها لا تزال تظهر بوضوع كل يوم، أما الغاية الأساسية منها فهي تحويل الصراع القائم من أجل الوحدة والتلاحم وصفاء الفكرة ووضوح الأهداف والغايات، إلى صراع طبقي داخلي يأكل نسيج الأمة ويبدد طاقاتها. وهو صراع دائم متجدد بطبيعته ومفاهيمه ولا يمكن أن يقف عند نهاية سواء في مجال العلاقات بين الدول المتجاورة، وفي الحالة التي يعيشها العالم العربي منذ افتتح حسني الزعيم سجل الانقلابات العسكرية ما يغني عن كل شرح أو إفاضة.
الفكر اليهودي والاشتراكية:
يعفينا من الإيغال في التاريخ القديم أن نبدأ مع عصر النهضة في أوروبا وبداية الثورة الصناعية لنجد أن الاضطهاد الذي نزل باليهود كرد فعل محتوم على حقدهم وجشعهم وتآمرهم قد دفعهم بالتالي -شأن كل الأقليات المضطهدة- إلى المشاركة في تدمير الأنظمة القائمة التي تستند على الأغلبية وتمثل مصالحها وتقاليدها، واستبدال الولاء الديني أو الوطني إلى ولاءات يمكن المشاركة فيها بل التحكم في تياراتها، وقد تفتق الذهن الذكي عن ابتكار الولاء للطبقة أو الحرفة، وقد دفع اليهود للدخول في هذا التيار ظروف خاصة بهم أهمها أن تلك المرحلة كانت تشهد نهاية الرأسمالي والمرابي اليهودي التقليدي حتى أصبحت الغالبية منهم من العمال وأصحاب الحرف الذين يعنيهم توزيع الثروة وتحقيق المزيد من المميزات للطبقات العاملة، في هذه التربة نبتت الأفكار الاشتراكية ووجدت أكبر مبشريها ودعاتها من اليهود. يقول إبرام شاسار في كتابه تاريخ اليهود «في جميع الحركات الثورية لعب اليهود دورًا بارزًا لأن عوامل كثيرة تكاتفت لتدفعهم في هذا الاتجاه، إن الرجعية السوداء في كل بلد دفعتهم إلى صفوف أولئك الذين يحاربون النظام القائم»، ويقول نفس الكاتب اليهودي في موضع آخر «لقد أدرك اليهود أن الحقوق المكفولة بالورق لا تعني شيئًا دون القوة الاقتصادية، وتلك القوة يستطيع اليهود التحكم فيها في دولة حرة تهيمن عليها الطبقة الوسطى» وفي تحليل شخصية كارل ماركس يقول نكولس برديف في كتابه معنى التاريخ «أنه ينتمي إلى سلالة طويلة من أجداده الكهنة اليهود وأن هذا الانتماء ترك طابعه العميق في تفكيره، وأهم الجوانب في هذا التفكير هو أن العقل اليهودي لا يتجه للعالم الآخر كما نفهمه وإنما يعمل على إيجاد عالم يخيم عليه السعادة في هذه الدنيا» وهي السعادة التي يفهمها اليهود وتحقق أغراضهم، ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يكون أكثر الدعاة الاشتراكيين حتى اليوم هم من اليهود وأن يكون الأب الروحي للأحزاب الشيوعية في أوروبا هو اليهودي الألماني فردناد لاسال.
أما تحويل ولاء المواطن من الدين أو الأرض نحو الطبقة فهو أحد المظاهر الثابتة في الفكر الاشتراكي فقد أوضح ماركس صراحة «أن العامل لا وطن له لأنه ينتمي إلى طبقة وليس لأرض»، وقد غالى القادة الاشتراكيون في هذا الاتجاه إلى درجة امتداح الحرب الطبقية باعتبارها أمرًا ضروريًا لبلورة الطبقة العاملة وصياغة وجودها المستقل حتى اعتبر لينين الحرب الأهلية أعلى مراتب الصراع الطبقي «لأنها تنسف في الهواء جميع العلائق المعنوية بين الطبقات المتحاربة»، على حد قوله.
ولذلك كان خروشوف منسجمًا مع الخط الاشتراكي تمامًا حين نصح جمال عبد الناصر -على ما ذكرته الصحف المصرية في حينها- بأن تكون الاشتراكية هي أساس الوحدة العربية وليس القومية ومع أنه لم يحدث تطبيق كلى لهذه النصيحة في مجملها إلا أن حركة الوحدة العربية قد تعثرت ولا تزال حين اضطرب الأساس القومي لهذه الوحدة وبدأت التصنيفات المعلومة خاضعين بسبب الأنظمة الحاكمة لقبول البعض ورفض البعض تبعًا للأنظمة والمذاهب الاجتماعية المختلفة..
اليسار الاشتراكي والاستعمار الجديد:
ومن الحجج التي يسوقها دعاة الاشتراكية العربية والتي أخذها بعض الناس مأخذ الجد لبعض الوقت أن الاشتراكية يمكن أن تشكل سدًا أمام الزحف الشيوعي لأنها تحقق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة الوطنية، وبذلك تشد البساط من تحت أقدام الشيوعيين وتسلبهم أهم أسلحتهم بين الجماهير، وفي هذا المنطق يختلط الكثير من الخلط والتقدير الخاطئ ومع تسليمنا المطلق بأن العدالة الاجتماعية يمكن أن تقدم هذه المناعة أمام الاستعمار الجديد التي تعتبر الفكرة الشيوعية إحدى أدواته الحاسمة، إلا أن الدعوة الاشتراكية بما فيها الاشتراكية العربية لا تملك -حتى لو أرادت غير ذلك- إلا أن تكون جزءًا من التيار العالمي المرتبط بموسكو وبكين وغيرها من مراكز هذه الفكرة من المحتوى العقائدي الذي يمنحها المناعة أمام الإغراء والانحراف، ولقد رأينا في كثير من الدول الأوروبية، على التفاوت الواسع في الظروف والملابسات، كيف كانت الاشتراكية الوطنية هي منطقة الوثوب الأخيرة مرورًا باليمين المتميع والبرجوازية الوطنية والجبهات القومية مما دفع ونستن تشرشل للقول في خضم الحرب الباردة بأن الاشتراكية في الواقع أضعف أنواع الدفاع ضد الشيوعية، ثم قال إن الاشتراكيين لا يفعلون شيئًا سوى قيادة الجماهير حتى حافة الهاوية ثم يستديرون في ارتباك ليقولوا، نحن آسفون، لأننا لم نكن ننوي الوصول لهذا المدى، لكن الوقت يكون متأخرًا جدًا للاعتذار والعلاج».
اليسار العربي ولعبة الديمقراطية:
ولعل هذه أبرز نقاط البحث. ذلك أن أهل اليسار اليوم يكثرون من إعلاء يافطة الديمقراطية، مطالبين حكوماتهم غير اليسارية بحكم ديمقراطي يقوم على العدل. ويبدو أن مصطلح الديمقراطية على ألسنة أهل اليسار العربي يستخدم بشكل عجيب، فهو يستخدم في كل مرة على شاكلة مختلفة.
فالمطالب الديمقراطية لأهل اليسار اليوم تختلف كل الاختلاف عن موقف هؤلاء أنفسهم من الديمقراطية وطبيعتها وشكلها وأهدافها في المجتمع العربي عندما ثار الانقلابيون على الأشكال الحاكمة القديمة في القاهرة وبغداد ودمشق وطرابلس وعدن. ولو عدنا بالذاكرة إلى عهد عبد الناصر وعبد الكريم قاسم مثلًا، لوجدنا أن المطلب الديمقراطي مر مع هؤلاء في مرحلتين أساسيتين، علمًا بأن هذين الحاكمين هما من كبار مروجي فكرة اليسار العربي بين صفوف الأمة.
أما المرحلة الأولى: فكانت محصورة في فترات الترويج للعمل الانقلابي.. الذي سن فيما بعد سياسة أعطت العسكر حق احتضان فكرة اليسار وتنفيذها والمناداة بها وفرضها بالانقلابات العسكرية كما جرت العادة.
وكانت الديمقراطية في منظور هؤلاء هي الوسيلة السياسية الأولى التي انقلبوا بواسطتها على عهود الظلم الملكية. حتى أن السنة الأولى لحكم عبد الناصر كانت مشبعة بشعارات الديمقراطية والمساواة بين أفراد الشعب وطوائفه وأحزابه. وإسناد مهمة اختيار ممثلي الشعب إلى الشعب. وكأن الديمقراطية هي الوسيلة لإيجاد استقرار الحاكم على كرسيه في البدء.
وأما المرحلة الثانية: فهي التي دخلت فيها لفظة الديمقراطية إلى السجون. وصارت في منظور حكام اليسار مفهومًا يتنافى مع وجود السلطة العسكرية على رأس الحكم. ومن ثم انكشف زيف أولئك الديمقراطيين من أهل اليسار وعرف الشعب أن الديمقراطية في منظور أهل اليسار إنما هي لعبة للوصول إلى سدة الحكم فحسب. وهكذا غابت الديمقراطية عن حكم أهل اليسار!!
ثم ماذا.. لقد دخلت هذه اللفطة إلى السجن.. ودخل معها كل من نادى بها على اختلاف اتجاهه. ليتحول أهل اليسار زمن عبد الناصر وأضرابه في المنطقة العربية إلى ديكتاتورية يحكمون الشعوب بالحديد والنار، وطريقة الحكم هذه لا تختلف بشكل من الأشكال عن الطريقة السائدة في حكم البلدان الشيوعية.
فالحزب الحاكم واحد والعسكر هم حماة الحكم والنظام، وممثلو الشعب الحقيقيون في السجون والمعتقلات، كان هذا في عصر عبد الناصر. وعبد الكريم قاسم، وهو الآن جار في عهد حافظ أسد ومعمر القذافي وحكام عدن الشيوعيين، من هنا لا بد للمراقب المسلم من القول:
إن الديمقراطية في مفهوم اليسار وسيلة من وسائل إقناع الشعب وتوسيع القواعد للانقضاض على الخصم أيًا كان.
وهي وسيلة وصول بعد ذلك -في البلدان الديمقراطية- إلى مراكز القوى ووضع اليسار في موضع القيادة.
وهي غائبة تمامًا من قاموس الحياة السياسية خلال الفترات التي يصل فيها أهل اليسار إلى سدة الحكم.
وهكذا. فإن أهل اليسار ديمقراطيون عندما يكونون خارج الحكم، وديكتاتوريون عندما تسنح لهم فرصة الحكم، حيث لا يرغبون بوجود أحد غيرهم على الساحة مهما كان مذهبه واتجاهه.