العنوان مقتطفات من المؤتمر الآسيوي الإسلامي الأول
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1978
مشاهدات 72
نشر في العدد 406
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 01-أغسطس-1978
كلمة الأستاذ طفيل محمد (أمير الجماعة الإسلامية في باكستان)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد،
إخواني الأفاضل،
نجتاز اليوم مرحلة هامة من مراحل التطور في التاريخ، وقد التقى اليوم زعماء الشعوب المسلمة الآسيوية وروادها ليتفكروا: فيماذا عسى أن يكون من الحلول والتدابير لمواجهة التحديات التي يقابلها المسلمون في هذه المرحلة.
ومن هنا فإن اللقاء الخارجي العظيم فرصة تاريخية ومفاجأة كبرى بالنسبة لمسلمي باكستان بصفة عامة ولرجال الحركة الإسلامية بصفة خاصة.
وإنه لموضع اعتزازنا ومبعث افتخارنا بأن باكستان تتشرف باستضافة هذا المؤتمر التاريخي العظيم، وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكتب للمشتركين في المؤتمر من رجال العلم والفكر والدعوة كل النجاح والتوفيق في توجيه المسلمين إلى طريق السداد والرشاد.
إخواني وأخواتي في الإسلام.
من الظاهر البيّن أن جميع المسلمين اليوم يعانون مشكلات وأزمات في كل قطر من أقطارهم، وذلك على رغم أن عددهم يبلغ تسعمائة مليون نسمة، وأن لهم في العالم خمسًا و أربعين دولة مستقلة وأنهم من الناحية الاقتصادية في غنى كبير، وبيدهم ميزان القوة الاقتصادية؛ لا هذا فحسب، بل من الناحية السياسية كذلك يبلغون من القوة حيث تُسمع كلمتهم عند القوى الكبرى. ومع ذلك -وبالأسف- إنهم في ضعف وتخلف وخضوع للنفوذ الأجنبي، الأمر الذي يجعل استقلالهم وحريتهم موضع الارتياب ومجال الشك.
ومن الواقع الذي لا يكابر فيه أحد أننا لا نزال نرزح تحت عبودية الغرب من النواحي الفكرية والحضارية الاقتصادية، ولو صرنا - فيما يبدو- من الناحية السياسية، ومما لاشك فيه، كذلك أننا خضنا حروبًا ضارية للتحرر من احتلال الغرب السياسي. ولكننا قبلنا -ولا نزال- طائعين أو مكرهين، تبعية الغرب الثقافية، والحضارية والاقتصادية، ونتيجة لذلك، جعلنا نعمق مخالب النظام الاستعماري في أشكاله الجديدة من الغزو الفكري والسيطرة الاقتصادية والظواهر الثقافية والمناورات السياسية، وكل ذلك باسم التقدم والتطور.
وأن القارة الآسيوية فيها اليوم أكثر من عشرين دولة مسلمة، كما أن المسلمين في كل قطر من أقطارها يملكون رصيدًا كبيرًا من العوطف والمشاعر الإسلامية، ولذلك نقول: إنه قد حان الوقت لأن يشعر المسلمون في القارة الآسيوية بما هي المقتضيات التي يتطلبها منهم الإسلام، هل أن الإسلام يقصر توجيهاته على إقامة الصلوات وتعمير المساجد؟ ومما لا يختلف فيه اثنان أن إقامة الصلوات والصيام وما إلى ذلك من العبادات هي أركان الإسلام وأجزاء غير منفكة منه ولها أهمية أساسية في الدين.
ولكن ما هي -يا ترى- الغايات الرئيسية التي يعدنا الإسلام لتحقيقها وإبرازها إلى حيز الوجود من خلال تلك العبادات، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: 29).
وإن الرسالة التي أخرج الله لها الأمة المسلمة هي دعوة الناس إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. كما نوضح إلى ذلك الآية الكريمة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾ (آل عمران: 110).
وتبعًا لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله غايتنا الوحيدة في الحياة ومناط جميع مساعينا في الدنيا ليس إلا إقامة النظام الإسلامي وإظهار دين الله على جميع الأديان والنظم أي إقامة نفس النظام الذي أقامه الرسول -عليه الصلوات والتسليم- أولًا في المدينة المنورة ثم شمل به سائر الجزيرة العربية، بل سائر العالم.
وإلى ذلك يشير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح: 18).
إخواني وأخواتي في الإسلام.
إن التحدي الكبير الذي يواجهه اليوم المسلمون يتلخص في أنهم مدعوون بدون ما تأخير، إلى إنشاء مجتمعاتهم وإقامة دولهم على مبادئ الإسلام الاجتماعي في بلدانهم، ولكن اليوم، وقد أكرمهم الله بنعمة الاستقلال والحرية من الناحية السياسية يناديهم واجبهم بأن يتقدموا إلى الغاية التي أخرجهم الله لأجل تحقيقها.
والخطوات التي يجب اتخاذها لتحقيق هذه الغاية،كمايلي:
1- أن تشرح بوضوح، المبادئ والأسس التي وضعها الإسلام للحياة الإنسانية الفردية والاجتماعية حتى يتم بناء المجتمعات وتطويرها في ضوء تلك المبادئ والأسس.
2- أن يوضع من جديد نظم للتعليم والتربية والبحث والتخطيط حتى يتخرج في هذه المجالات أشخاص يكونون على معرفة شاملة بتعاليم الإسلام ويستطيعون على ضوئها تسيير شؤون الحكم وفقًا للمقتضيات العصرية ومبادئ الإسلام الخالدة.
3- أن تبذل جهود شاملة منسقة في تدوين القوانين الإسلامية وتطبيقها وتكوين المؤسسات الإسلامية لهذا الغرض حتى نتمكن من تنظيم كل شعبة من شُعب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكل مجال من المجالات القومية والدولية على ما يريده منا الإسلام وعلى ما يحقق العدالة الإسلامية بين الجماعات البشرية.
4- أن تنسق الجهود والنشاطات في نشر الدعوة الإسلامية، وتتطور وتتضاعف لكي تصبح مجتمعاتنا أفرادًا وجماعات، على أهبة الاستعداد لتطبيق النظام الإسلامي للحياة بأسرع وقت وأقرب فرصة.
5- وأن تبرز في مختلف شُعب الحياة الاجتماعية أو التعليمية أو السياسية أو الاقتصادية في كل قُطر قيادات تؤمن بتعاليم الإسلام ومبادئه كل الإيمان، وتكون حياتها الشخصية ترجمة حية لتوجيهات الإسلام، وتكون متعودة على الإجتهاد والكفاح وتحمل المشاق وتتمتع بالمواهب والكفاءات اللازمة لتطبيق الإسلام في الحياة.
ونحن إذا اتخذنا هذه التدابير وسلكنا هذا الطريق نستطيع أن نستقطب جميع إمكانيات الدولة ووسائلها لخدمة الإسلام وترويجه وتغليبه، ونستطيع كذلك بهذه التدابير وغيرها من الوسائل أن نفرغ مجتمعاتنا في قوالب التصورات والتوجيهات الإسلامية. ثم بفضل تعميق الوعي الإسلامي في أذهان الجماهير المسلمة، والاستعانة بحماسها الديني القاهر، وبإنشاء المنظمة القومية لمتابعة الأمور التي أشرنا إليها أننا نستطيع أن نقترن بالنجاح الكامل في إقامة النظام الإسلامي الخاص الشامل وجلب البشرية إلى عهد جديد من السعادة والرحمة.
وقد أسست باكستان في منطقة من مناطق شرق آسيا لتحقيق نفس الغاية المشار إليها، وأن مسلمي باكستان لا يزالون على نفس العزيمة الصارمة لتجسيدها، ولا يزالون يكافحون في هذا السبيل، كما أن جميع ما تبذله الجماعة الإسلامية من جهود ومساعٍ تستهدف نفس البداية ولا تدور إلا حولها، وأخيرًا أحب أن أتحدث قليلًا إلى الأقليات المسلمة فأقول:
إن مسؤولية إقامة النظام الإسلامي على كواهل جميع المسلمين من جميع الأجناس والدول سواء يشكلون في بلدانهم أغلبية أو أقلية، إذ إن الأقلية أو الأغلبية قضية عددية بينما الميزة المميزة للمسلمين في العالم ليس في عددهم بل في سلوكهم الذي ميزهم عن غيرهم، إن الأمة المسلمة هي أمة عقائدية، أمة ذات دعوة ومهمة أمة تملك رسالة لجميع البشر ولما بدأ محمد -صلى الله عليه وسلم- دعوته ما كان إلا فردًا واحدًا، ثم إن الدعوة التى جاء بها لم تكن مختصة بقُطر دون قُطر وشعب دون شعب، بل شملت جميع الناس، وعمت جميع الأقطار، وحوت جميع العصور. ولأجل ذلك فإن جميع المسلمين حيثما كانوا يجب عليهم أن ينظموا حياتهم الفردية والاجتماعية على ما لديهم من نظام للحياة، وأن يجعلوا من سلوكهم نموذجًا للأخوة والعقيدة الإسلاميتين أمام جميع شعوب العالم ولا يعني ذلك أن يتخلوا عما عليهم من واجبات أو مالهم من حقوق في ميادين الاقتصاد والتعليم والسياسة بل عليهم عكس ذلك أن يلعبوا دورهم في كل مجال للحياة أكثر من غيرهم، ولكن بشكل يلمح منه كل إنسان من أن الإسلام هو دين رحمة وسعادة لا للأمة المسلمة فحسب، بل للبشرية جمعاء، هذا واجب ديني على جميع المسلمين ولا يستطيعون أن يتبرأوا من مسؤولياتهم أمام الله إلا بالقيام بهذا الواجب، وفي ذلك يقول الله، عز وجل: ﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ﴾ (الحج: 78).
أما المسلمون الذين يعيشون في دول مسلمة ويشكلون فيها أغلبية ويتمتعون بالقوة الاقتصادية والسياسة فواجبهم أن يمدوا أيديهم إلى إخوانهم من الأقليات، حتى يتمكنوا في بلدنهم من القيام بواجبهم الديني على أكمل وجه.
فالمسلمون أسرة واحدة وشبههم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجسد الواحد، وقال: «إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، ولا تستريح إلا بعد أن يستريح هذا العضو.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالوحدة والتضامن في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا» (آل عمران: 103).
وأخيرًا أدعو الله سبحانه وتعالى أن يشد أزرنا ويوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.