; سراب السلام ومخاطر إلغاء المقاطعة الاقتصادية للعدو الإسرائيلي | مجلة المجتمع

العنوان سراب السلام ومخاطر إلغاء المقاطعة الاقتصادية للعدو الإسرائيلي

الكاتب إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1994

مشاهدات 74

نشر في العدد 1097

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 26-أبريل-1994

سراب السلام ومخاطر إلغاء المقاطعة

في غمار الهرولة العربية نحو سراب السلام عن طريق المفاوضات مع العدو الصهيوني، تعالت أصوات الداعين إلى التطبيع، وتدفئة السلام مع إسرائيل وكثر الحديث في هذا السياق عن مشروع السوق الشرق أوسطية، وحضر وزير التجارة الأمريكي رونالد براون إلى المنطقة ليروج لفكرة قيام تعاون مشترك بين الشركات الأمريكية، وبعض الشركات العربية والشركات الإسرائيلية لتنفيذ مشروعات التنمية في غزة وأريحا، وذلك على سبيل التجربة والتمهيد لتعاون أشمل في إطار السوق الشرق أوسطية، وأبلغ الوزير الأمريكي المسؤولين العرب الذين التقاهم مطلب الحكومة الإسرائيلية إلغاء المقاطعة الاقتصادية المفروضة عليها من قبل الدول العربية لتسهيل هذا التعاون المزعوم.

هرولة الحكومات العربية

والمؤلم أن بعض الحكومات العربية كانت أسبق من الوزير الأمريكي في الهرولة على طريق التطبيع والسعي لإلغاء المقاطعة إلى الحد الذي أعلنت فيه عن خطوات عملية تم اتخاذها لتنفيذ مشروعات توصيل المياه والغاز الطبيعي، وشبكات الكهرباء وطرق المواصلات مع الكيان الصهيوني، وزاد على ذلك وطمى ما صرح به المتحدث باسم جامعة الدول العربية طلعت حامد من أن مسألة رفع المقاطعة العربية غير المباشرة لإسرائيل يمكن أن تبحث إذا قدمت إحدى الدول الأعضاء طلبًا في هذا الشأن، أي إن المسألة أصبحت محصورة في إجراء شكلي يمكن أن تقوم به دولة واحدة، حتى لو اشترط موافقة ثلثي الأعضاء، وقد جاء هذا التصريح في اليوم التالي مباشرة لتصريحات وزير التجارة الأمريكي حول ضرورة إلغاء المقاطعة (جريدة الشرق الأوسط 24 و 25/ 1 / 1994م).

جريمة الحرم الإبراهيمي

غير أن السلام الذي ظن البعض أن الهرولة إليه أفضل من المشي العادي سرعان ما جاءت الأحداث لتؤكد من جديد -وللمرة المليون- أنه سراب خادع، ولا يمكن أن تقوم له قائمة في ظل وجود الكيان الصهيوني المجرم، فبعد اتفاق غزة أريحا والتوقيع على اتفاقية القاهرة (9/2 /1994م) بين المنظمة وإسرائيل، وقع الحادث الإجرامي البشع على المصلين في الحرم الإبراهيمي، وراح ضحيته عشرات القتلى ومئات الجرحى من الأبرياء، وتوالى سقوط الشهداء من أبناء الانتفاضة الباسلة، وكان من المفروض أن ينبه هذا الحادث الغافلين وأن يوقظ النائمين، ويوقف المهرولين المخدوعين بسراب السلام مع ألد أعداء أمتنا، ليعرفوا أنهم أعداء لا يتقيدون بخلق ولا فضيلة، ولا يؤمنون بشريعة ولا قانون إلا شريعة الغاب وقانون القوة، وأنهم على سنة أسلافهم سائرون أحلاس فتنة، ومواقد شرور وناقضو عهود باعوا من قبل آيات الله بثمن قليل، ولا يزالون يبيعون الضمير والأخلاق بثمن بخس.

فهل أفاقت الحكومات العربية، واتعظ دعاة السلام والتطبيع مع العدو وحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبهم ربهم، وتحاسبهم شعوبهم على ما فرطوا في حق القضية الأولى للعرب والمسلمين جميعًا قضية فلسطين؟

المفاوضات وإلغاء المقاطعة

إننا نراهم -رغم كل هذه النذر- مصرين على الهرولة والاستجابة لرغبات ومصالح السياسة الأمريكية والأطماع الإسرائيلية سواء على مستوى استئناف المفاوضات أو المضي في إجراءات التطبيع وإلغاء المقاطعة الاقتصادية، وبالرغم من أن المفاوضات وثيقة الصلة بإلغاء المقاطعة، وتخدم إحداهما الأخرى بشكل مباشر، إلا أن جل الاهتمام -الإعلامي والسياسي- يتم تركيزه بصورة مكثفة على عملية التفاوض وماهية العقبات التي تعترضها لحل المشاكل السياسية، مع تعمد صرف الأنظار عن إجراءات التطبيع والجهود المبذولة لإنهاء المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني، وهي أمور تمثل -في نظرنا- خطرًا كبيرًا على حاضر ومستقبل قضية فلسطين بصفة خاصة، ودول العروبة والإسلام بصفة عامة وهو ما يجب أن نحذره ونحذر منه، ونعمل لمواجهته.

إن إلغاء المقاطعة الاقتصادية (المباشرة وغير المباشرة) هو هدم صارخ لإحدى ثوابت السياسة العربية -الرسمية والشعبية- تجاه العدو الصهيوني، وسوف يؤدي تلقائيًا إلى استبدالها بسياسة الباب المفتوح التي من شأنها أن تفتح الأسواق العربية أمام العدو على مصراعيها لتتحول هذه الكتل البشرية الكبيرة -المغيبة سياسيًا، والضعيفة إنتاجيًا والنشطة استهلاكيًا- إلى مجرد أيدٍ عاملة رخيصة في خدمة المشاريع الصهيونية والغربية، وسوق رائجة لمنتجاتها، ولن تتوقف مخاطر إلغاء المقاطعة عند هذا الحد بل إنها ستؤدي إلى ما هو أفدح ضررًا وأكثر فسادًا في الأجلين القريب والبعيد، ويمكن إجمال أهم هذه المخاطر في الآتي:

مخاطر إلغاء المقاطعة

1 - إزالة بقايا الحاجز النفسي والسياسي والاقتصادي بين شعوبنا العربية الإسلامية وبين اليهود الغاصبين، هذا الحاجز الذي ظل يدعم روح المقاومة والنضال لفترة طويلة من أجل تحرير الأرض والمقدسات حتى فتح السادات أول ثغرة فيه من الناحيتين النفسية والسياسية، ومن الناحية الاقتصادية بدرجة أقل، ثم توالى على إثر ذلك المزيد من الثغرات حتى جاء مؤتمر السلام في مدريد لتنطلق المفاوضات العربية الإسرائيلية، وتنطلق معها موجة جديدة من المشروعات الاقتصادية تحت شعارات «التعاون» و«السوق المشتركة» وبالتالي إلغاء المقاطعة، ومن ثم اقتلاع حجر آخر من جدار المقاومة.

إن إلغاء المقاطعة سيزيل بقايا هذا الحاجز، وفي الوقت الذي سيضعف فيه إمكانيات المقاومة والجهاد، فإنه سيعد العدو بأسباب القوة والحياة، ويسهل عليه اختراق العلاقات الاقتصادية والإنتاجية للشعوب العربية ليتحكم فيها بعد ذلك وفق نزواته وأهوائه.

2 - التمهيد لقيام السوق الشرق أوسطية، التي ستجعل -حال قيامها- من إسرائيل منطقة جذب للاستثمارات العربية والأجنبية وبؤرة للنمو الاقتصادي بشكل يرسخ الوجود الصهيوني في فلسطين ويحقق مشروعه العدواني التوسعي من أجل الهيمنة الاقتصادية والعسكرية على شعوب أمتنا العربية والإسلامية.

إن بقاء المقاطعة سارية المفعول يعني استحالة قيام السوق الشرق أوسطية، ومن ثم حرمان إسرائيل من منافعها، واستمرار محاصرتها اقتصاديًا في المحيط العربي ومن ثم دعم إرادة التحدي والجهاد، أما إلغاؤها فإنه يمهد الطريق تلقائيًا لهذه السوق التي لن تتوقف أضرارها على الجوانب الاقتصادية فحسب، وإنما ستؤدي إلى مزيد من الأضرار السياسية والاجتماعية والثقافية وتعميق انقسام وتفتت البلدان العربية وإهدار هويتها الواحدة بجعل بعضها شرق أوسطي، وبعضها الآخر غير شرق أوسطي.

3- مضاعفة قدرة إسرائيل على استيعاب أعداد متزايدة من المهاجرين وذلك بفضل الرواج الاقتصادي الذي ستحققه بإلغاء المقاطعة، مع ما يصاحب هذا الإلغاء من شعور بالأمن والاستقرار نتيجة لتكثيف التعاملات الاقتصادية المتبادلة مع البلدان العربية.

وستؤدي زيادة أعداد المهاجرين إلى زيادات مطردة في قوات جيش الاحتلال الأمر الذي يزيد من القدرة العسكرية العدوانية للكيان الصهيوني، وكمثال على ذلك فإن حصول إسرائيل على ما تريده من مياه النيل -عبر ترعة السلام- سوف يزيد قدرتها على زراعة 2.16 مليون دونم من الأرض وهذا سوف يرفع من إمكانيتها لاستيعاب 1.6 مليون مهاجر جديد من دون ضغط إضافي على مواردها، فإذا وضعنا في الاعتبار معدلات التعبئة العامة العالية في إسرائيل، وهي من أعلى المعدلات في العالم (11.8% من عدد السكان) فإن هذه الكميات المتواضعة من المياه ستمكن إسرائيل من حشد جيش من مليون جندي عام 2000، ولن تقنع إسرائيل حينئذ بكميات متواضعة، لأنها ستكون في وضع يمكنها من أخذ ما تريد وإلغاء المقاطعة ليس إلا خطوة ضرورية في هذا الطريق لتحقيق خططها.

4 - إن إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل سوف يفتح الباب أيضًا لإلغاء كافة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بخصوص حقوق الشعب الفلسطيني مثل حقه في تقرير مصيره، وإنشاء دولته المستقلة، وعودة اللاجئين إلى ديارهم، وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي المحتلة، إذ سيضاف قرار إلغاء المقاطعة -إذا صدر- إلى سابقة أخرى حققتها إسرائيل هي إلغاء قرار الأمم المتحدة الخاص باعتبار الصهيونية مبدأ هدامًا وحركة عنصرية عدوانية، ومن ثم تقوي حجتها للمطالبة بإلغاء بقية قرارات الأمم المتحدة وفي مقدمتها قرارا مجلس الأمن 242، 338 وتسقط بذلك آخر ورقة تنسب إلى الشرعية الدولية بخصوص الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

تلك هي أهم المخاطر التي ينطوي عليها إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل، فما الذي يمكن عمله إذا ألغتها حكومات ودول الجامعة العربية؟

إن احتمال إلغاء المقاطعة بات وشيكًا بالرغم من المخاطر الهائلة التي أشرنا إليها. وأحاديث المسؤولين العرب والأمريكيين والإسرائيليين لا تتوقف عن المناداة بإلغائها وتهيئة المناخ لما بعدها، ولكن هل معنى ذلك أن الساحة قد خلت لأعداء الأمة الخارجيين والداخليين ليفعلوا ما بدا لهم؟

دعوة شيخ الأزهر لاستمرار المقاطعة

كلا.. فإن علماء الأمة، وقادة الحركات الإسلامية والوطنية يواصلون رفضهم لهذه السياسات الهزيلة الذليلة، ويدعون للاستمرار في الجهاد والمقاطعة بكافة أشكالها، وفي هذا السياق أكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر على ضرورة بقاء كل أنواع وأشكال المقاطعة العربية الاقتصادية لإسرائيل حتى تنسحب من جميع الأراضي العربية المحتلة، وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى، وأكد أيضًا على أن المطالبة بإلغاء المقاطعة أمر لا يجوز، ولا يليق، بل هو خطأ كبير (صحيفة الأهرام 14/2/ 1994م).

هيئة شعبية للمقاطعة الشاملة

إن مهمة الشعوب العربية والإسلامية أكبر وأعظم من المسؤولية الملقاة على عاتق زعمائها ومنظماتها الحكومية، وخاصة إذا كان الزعماء في مقدمة المهرولين نحو سراب السلام وفك قيود المقاطعة والتطبيع مع العدو، ولذلك فإن المطلوب هو إنشاء هيئة شعبية اقتصادية لتنظيم المقاطعة، ومواصلة حصار اليهود والصهاينة والمتعاملين معهم ومقاطعة كافة بضائعهم ومنتجاتهم وأعمالهم مقاطعة شاملة، على أن تشارك في هذه الهيئة الشعبية -غير الحكومية- كافة القوى والهيئات والتجمعات الوطنية في كل بلد عربي أو إسلامي، وفي مقدمتها: العلماء العاملون والجماعات الإسلامية، والنقابات المهنية والاتحادات الطلابية، وأساتذة الجامعات ومراكز البحوث والأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية، ورجال الأعمال الوطنيون والفنانون الشرفاء والمفكرون والكتاب والصحفيون والعمال والتجار والأندية الرياضية.

وستكون مهمة هذه الهيئة المقترحة هي تخطيط وتنظيم ومتابعة عملية المقاطعة على كافة المستويات، وفضح الذين يتعاملون مع العدو ومعاقبتهم على خرقهم لهذا الإجماع الوطني، والهيئة في نشاطها هذا إنما تساعد على تنفيذ وتطبيق المقاطعة التي فرضتها الجامعة العربية منذ قيام إسرائيل فإذا ما ألغيت المقاطعة رسميًا تحملت الهيئة الشعبية مسؤوليتها في متابعة أداء هذه المهمة الكبيرة حتى لا تمكن اليهود من ترويج مصنوعاتهم في بيوتنا ومرافقنا وأسواقنا ولا نسمح لهم بالانتفاع في صناعاتهم من موادنا الأولية أو بأي قرش في أيدينا ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:105) وسنصل بإذن الله، وإن النصر مع الصبر.

(*) ماجستير في العلوم السياسية -جامعة القاهرة وباحث بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية -مصر.

 

الرابط المختصر :