; المجتمع الثقافي (1340) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1340)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999

مشاهدات 54

نشر في العدد 1340

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 02-مارس-1999

  • قصة قصيرة

الاستيلاء

بقلم: أسامة أحمد البدر

لم أكن أتصور أن الأستاذ «سليمان» يمكن أن يقف يومًا بانتظار حافلة متهالكة لتقله إلى ضيعته!.. حتى إذا أبصرته في ذلك اليوم هرعت إليه مادًّا ذراعي وقلبي: أستاذ سليمان! أستاذ سليمان!..

بوغت.. ثم انفرجت أساريره حين تذكرني.. آه.. أنت؟!.. أهلًا.

سحبته من ذراعه بلطف وحزم وهو يتمنع ويقول: «الضيعة.. الحافلة الأخيرة.. سوف!».

رجوته أن يقبل ضيافتي لتلك الليلة فما بي من شوق إلى استعادة أحاديثه وطريقته الشيقة في «التنظير» لا تسمح لي بأن أفلته.. غير هيئته المزرية التي لاح بها والتي نصبت السؤال أمامي عاريًا: كيف؟!

وبرغم أن بيتي ليس مترفًا، إلا أنه استجاب لطبعه في التدقيق على كل شيء.. وقال:

  • «دأب النملة.. خطوة خطوة تصل بعدها إلى شيء ما.. شيء قليل ربما لكنه- في النهاية- شيء وملموس!

الثورية

أما نحن فآمنا بالثورية أسلوبًا في التغيير.. تراكمات الفساد لم تكن تسمح لنا بالانتظار ليأخذ التطور مسيرته.. ناهيك عن تربص القوى المعادية هنا وفي الخارج.. كان البارود ردنا الذي لا يناقش.. برغم علمنا بخطورته!..

.. لكن قلنا نهدم المتخلف كخطوة أولى للبناء.. والبارود نبطله بالدهماء وأجساد الدهماء!...».

لم يكن يصرخ كثيرًا برغم أنه يدخن بشراهة ويتكلم اللهجة نفسها التي عهدناه بها يوم كان أستاذنا لمادة «الثقافة»... وما أزال أتخيله بصوته الجهوري.. وقامته الفارعة.. وذراعيه الصاعدتين الهابطتين تجاوبًا مع المعاني الحماسية الحامية التي يطرحها مثل الشلال الهادر.. «القومية.. العروبة... القوى المعادية.. بقايا الاستعمار من الجهل والمرض والتخلف.. الطفيلية البرجوازية العفنة».

ينتهز شرودي ويستعرض عناوين الكتب التي اصطفت فوق الأرفف على مدار الغرفة:

«أنتم الشباب فيكم الزخم وما يزال.. كنا نخطط لتكونوا جنودًا لثورة العقائديين.. نسلحكم بالعلم وبالعقيدة القومية السليمة وبالوعي الثوري الأصيل.. نظمنا لكم المؤسسات، خصصنا لكم من الميزانية ما يكفي.. أوفدناكم في بعثات للبلدان الصديقة، للأسف منكم من لم يعد.. ومن عاد بلعته الموجة الجديدة..».

أدركت أنني تأخرت عليه، كما أدرك أنه اقترب من الخطوط الحمراء بأكثر مما يوجبه الحذر والتلفت الذي صار سمة الجميع بعد الأحداث الأخيرة.. قمت لأحضر العشاء.. ومن نافذة المطبخ تراءت لي العاصمة كما لم تكن من قبل، بأضوائها اللامعة التي كانت تستهوي القلوب وتشد إليها رغبات الرجال.. وبصرت، وراء تلك الأبنية الشاهقة، بإضاءتها الخافتة تجمعت يومًا وجوه متجهمة.. لا يتكلمون بل يخططون ويرسمون.. ولا يناقشون بل يقررون ويقدرون مطمئنين إلى أن أحدًا لن يقترب من كتل الفولاذ الصلد التي تحرسهم عند مداخل الأبنية.. ويومًا ما فارقنا الأستاذ «سليمان» لينضم إليهم.. ترك التدريس ليمارس التخطيط.. وها هو الآن ينتظر العشاء.. ويرتجف أن يقول..

راقبته وهو يأكل ويدخن بشراهة.. لكم تأخرت عليه!.. و «الكيف» التي برزت منذ رأيته اللحظة الأولى تنتصب عملاقة تريد إجابة.. والأستاذ يجيد الإجابة الدبلوماسية.. ثم يلتفت إلي ويقول:

«ماذا تريدني أن أقول.. هل تظن أننا أغبياء؟... لقد حققنا الكثير!.. لا تضحك.. يكفي أننا صرنا وحدنا على الساحة وألغينا كل الأفكار المعادية التي خلفها الاستعمار!.. استعنا على ذلك بالديناميت... صحيح.. وهذا خطأنا الوحيد.. اعترف.. فقد خطفوا منا كل شيء.. قلنا نتحاشاهم بحماة الثورة من الطبقة الكادحة إذا رمينا إليها بما تتوق إليه.. نجعلهم متراسًا في مواجهة البارود كما تمترسنا خلفهم في محاربة القوى المعادية للثورة! حصلت أخطاء!.. أنا لا أتكلم عن النكسة.. بل عن النكسة الأعظم.. حين ركبونا وسكتنا.. هددونا وجبنا.. استغلوا الدهماء لأن جذورهم منهم فسبقونا إليهم وضربونا بهم قبل أن.. ثم.. ».

تدور عينا ضيفي في محجريهما.. هذه الــ «ثم» هي التي أموت وأعرفها.. ثم ماذا يا أستاذ؟.. لا تلتفت بالله عليك، فالدار أمان برغم كل خوفك الذي ينبع من داخلك ليس إلا.. ها.. ثم ماذا؟

يبتلع شيئًا من دخانه الكثيف.. أصبر على استنشاقه برغم أني أكرهه- الدخان- يتمتم بخفوت:

«التطهير.. بثلاثية ما خطرت على قلب بشر.. الملاحقة.. السجن.. الإبعاد.. لا تنظر إلى وتقول كل المناضلين يسجنون.. فالسجن في عهد «التطهير» ليس كما تعرفه.. سنوات بعدد الرمل.. تغييب وراء السجون ثم إعلان في الصحف وبخبر مقتضب.. توفي فلان!.. أين الرواد.. أين البناة والمؤسسون؟.. نحن لسنا جبناء.. لكن هذا كان شيئًا فوق الاحتمال.. وتنادى الرفاق «انج سعد فقد هلك سعيد!..» الأذكياء- ولم أكن منهم كما ترى!- فهموها بسرعة واستغلوا رصيدهم النضالي وخبرتهم الخطابية ونابهم شيء من كعك العيد.. هل نحن المخطئون؟!.. هل العيب كان في «المنطلقات النظرية».. أم في التطبيق.. أم في انتهاج «البارود» الذي تفجر فيما بعد فينا.. هذا ما سنتركه لكم أنتم لتحكموا فيه.. أما نحن فقد أدركنا الغروب.. وأنهكنا..».

وكان الفجر قد وافانا.. وعينا ضيفي تطفحان بإنهاك السهر ومرارة الذكرى.. على أي شيء يتأسف؟!.. إنما هم عشرات.. ذاقوا حلاوتها ثم أذاقهم الله مرارتها.. أما أولئك الآلاف.. الملايين.. الذين لم يذكرهم الأستاذ سليمان ورفاقه فماذا حل بهم؟ فقد تركني الأستاذ المناضل وحدي في هداة الليل.. أسأل عنهم.. وأؤوب.. وأنا أرقب أذان الفجر الذي لم يعد أوانه بعيدًا على أي حال..

  • اللجنة الدائمة للإفتاء تحذر من كتاب «ضبط الضوابط»

أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية بيانًا حذرت فيه من كتاب «ضبط الضوابط في الإيمان ونواقضه» لأحمد بن صالح الزهراني باعتباره يدعو إلى مذهب الإرجاء الذي لا يعتبر الأعمال الظاهرة داخلة في حقيقة الإيمان وذلك خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

وحذرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، مما احتواه الكتاب من المذهب الباطل.

بالتعاون مع جامعة الزيتونة

الإيسيسكو تنظم في تونس ندوة حول

«أدب الاختلاف في الإسلام»

أقيمت في العاصمة التونسية، أعمال الندوة العلمية حول «أدب الاختلاف في الإسلام» التي تعقدها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة- إيسيسكو- بالتعاون مع جامعة الزيتونة، وتهدف هذه الندوة إلى التقريب الفكري والروحي بين المسلمين، وإلى تبيان الإطار الشرعي للاختلاف، وتبادل الرأي الفقهي والخبرات العلمية بين العلماء والفقهاء وأولي الرأي من المفكرين في العالم الإسلامي حول موضوع الاختلاف.

وناقشت الندوة قضايا فقهية وفكرية ذات صلة بأدب الاختلاف، مثل حقيقة الاختلاف من وجهة نظر إسلامية، والاختلاف في عصر الصحابة، والاختلاف بين علماء المذاهب الفقهية، وأدب الحوار في الإسلام، ودواعي الاختلاف وأسبابه.

وشارك في هذه الندوة التي استغرقت أعمالها ثلاثة أيام: اثنا عشر عالمًا، وفقيهًا ومفكرًا من تونس، والأردن، وإيران، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، ومصر، والمغرب، وموريتانيا، واليمن.

في الختام نتمنى على الإيسيسكو أن تخصص إحدى ندواتها القادمة لمناقشة العلاقات المتوترة بين بعض الحكومات العربية وشعوبها لعلها تسهم في تأطير قواعد وآداب لحوار بناء بين القيادات السياسية والمجتمع المدني، لا أن يظل الحديث عن حلول في الخيال بينما المشكلة في الواقع.

  • «القلم العربي» تقنية جديدة لإدخال النصوص العربية إلى الحاسوب

من المقرر أن تعلن مجموعة استشارية كويتية- أردنية مشتركة في مجال برمجيات الحاسوب عن طريقة جديدة لإدخال النصوص العربية إلى الحاسوب، تعتبر أسهل وأسرع من الطريقة التقليدية بواسطة لوحة المفاتيح.

وتتمثل الطريقة الجديدة في استخدام قلم ضوئي، ولوحة رقمية متصلة بالحاسوب للكتابة عليها يدويًّا، إذ يقوم برنامج خاص في الحاسوب بتحويلها إلى نص إلكتروني يمكن التعامل معه لأغراض أخرى، ويعرف هذا المنتج باسم «القلم العربي»، ويعتبر أول منتج من نوعه من حيث سرعة تعرفه على الكتابة اليدوية العربية المتصلة، كما ينصف بدقة عالية.

ويذكر أنه توجد في الأسواق العالمية نماذج تستخدم تقنية مشابهة للكتابة اليدوية غير المتصلة «اللغات اللاتينية»، ويمكن لأي مستخدم التعامل مع «القلم العربي» دون تدريب مسبق شريطة التزام أصول وقواعد الكتابة العربية المتعارف عليها.

واحة الشعر

من القدس إلى عمر

شعر: إدريس الكنبوري- المغرب

قد نادت القدس بالتحرير يا عمر *** وأسبلت دمعة حرى لها زفر
بكت عيانًا ونادت أمة سكتت *** فما استجابوا لها صوتًا وما نصروا

يا رب مسجدي الأقصى وصومعة ***  عليهما دامس الظلماء منتشر

والناس في كمد والدين في كند ***  والأرض معروضة للبيع يا عمر

دكت صروح وقد كانت منائرها ***  صداحة، في ثراها المجد مدخر

بكى الحمام، وغيض الماء في مقل ***  والناس حارث فما الأنباء، ما الخبر؟

أنا الصلاة، وللإسراء شاهدة ***  والمعجزات التي ما ظنها بشر

فوقي مشى أحمد والحق صورته ***  فيه الهدى ناطق، بالنور منتصر

خير النبيين، خير الخلق قاطبة  *** به ترى أمة الإسلام تفتخر

فوقي مشى مع صلاح الدين جحفله ***  يناصرون الحمى إذ هاجم التتر

من خلفهم جيش صهيون يتابعهم  *** إذ صدهم عن جداري باسل حذر

حموا حياضي وردوا العار ما صبروا  *** خاضوا صراعًا مع الإشراك ما انتظروا

یا ویلتا، ما دهى أرضي بمنعزل؟ ***  قطعت يدي، والمغاني ما لها أثر

غاب الهلال الذي كم جل مطلعه  *** تحت الصليب الذي أحياه من كفروا

وأصبحت راية الحاخام «شامخة»  *** بتل أبيب، وضاع البحر والنهر

عبرية ساحتي، مستوطن كنفي  *** يهودي غاصبي بالنار مؤتزر

«بیریز» أعطى «نتنياهو» قذائفه  *** فأطلق النار في الأطفال يا عمر

تحالفت في دمي «الليكود» و «العمل» ***  وطال هذا السلام المر والضجر

بالأمس أندلس واليوم ها أنا ذا  *** أضيع من بين أيدي الناس يا عمر

ناديت والعرب غفل في مراقدهم  *** حطوا على رأسهم طيرًا وقد سخروا

قد سلموني بلا خوف ولا خجل  *** فرأسي الآن بالتقسيم منفطر

خذني من الموت، من أظفار مغتصب  *** ومن يد السطو والطاغوت يا عمر

رسالتي من دم تشدو بها لغة  *** فصيحة، من لهيب الجمر تستع

  • نافذة على لغتنا الجميلة

يقولون: «صلح فلان سيارته»، واستعمال الفعل: «صلح»، خطأ بين تأباه لغتنا العربية الفصحى، فليس لهذا الفعل ذكر في معاجمنا اللغوية، والصحيح أن يقال «أصلح فلان سيارته» أي أزال ما فيها من خراب، وجاء في محكم آيات الله قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ (الأنفال: 1).

ويرد في بعض الكتابات: «تبلغ العامل القرار»، وقولهم «تبلغ» خطأ لا تجيزه لغتنا العربية في هذا السياق، فمن معاني «تبلغ» بتشديد «اللام» اكتفى به، كان يقال تبلغ بالقليل، وتبلغ الشيء: بمعنى تكلف البلوغ إليه حتى بلغة، والصحيح أن نقول: «بلغ المدير العامل القرار» أو «بلغ العامل القرار»، قال تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (المائدة: 67).

وورد قولهم: «بقى معنا أبي أمس»، فيكتبون الفعل «بقى» مقصورًا، والأصح أن نكتبه منقوصًا بالياء فنقول: «بقي معنا أبي أمس»، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (البقرة: 278) فما أروع أن نعود إلى لغتنا الجميلة، لغة الضاد التي نزل بها كتاب الله!.

محمد شلال الحناحنة

  • إصدارات مختارة

مآسي الألبان في بلاد البلقان

هذا الكتاب قراءة سياسية لما يحدث للألبان في كوسوفا مدعمة بصور المذابح الأخيرة.

إنه قراءة حديثة لملف قديم يمتد مئات السنين ومازال مفتوحًا.. كالجرح الغائر في وجه أوروبا التي ترفع راية المدنية والحياد، وتدافع عن حقوق الإنسان والحيوان معًا.

هذا الملف القديم لم يحن بعد أوان إغلاقه ويبدو أن الوقت مازال فيه متسع حتى تستقر أوروبا على رأي واحد هل تقف مع المسلمين ضد الصرب أو تقف مع - عدوها - الآخر حتى يقضى على المسلمين.

هذه قراءة بصوت مرتفع لمن يعقل، وليست لمن يسمع فقط، تحكي قصة شعب لم تنسه مرارة الشيوعية ولا ضيق السجون والعزة أنه شعب مسلم.

إن أزمة كوسوفا تحتل مساحة إعلامية كبيرة بفضل تطور الأحداث التي ربما تمخضت عن انفجار بلقاني جديد.. وحين يتعلق الأمر بحروب على أساس عرقي أو ديني يصبح من العبث البحث عن حلول لهذه المشكلات بشكل سطحي أو هامشي لأن جذور المشكلة تبقى كما هي كالنار في الهشيم.

ولأن المشكلة عويصة وعميقة عمق تاريخ مملوء بالحقد والحرب والاضطهاد والتصفية والمكر والخداع فلابد من مراعاة العناصر التالية عند تناول هذا الموضوع:

  1. إنها ليست مشكلة إقليم ذي أغلبية ألبانية، بل هي مشكلة صراع على الأرض.
  2. ليست محصورة في الألبان الذين يعيشون في كوسوفا، بل هي مشكلة العرق الألباني المبعثر في دول البلقان المجاورة.
  3. النظر إلى البعد الديني الصراع كان وما زال وسيظل حتى يمكن للمجتمع الدولي فهم جذور المشكلة ومن ثم وضع حلول جذرية لها.
  4. من العبث حصر الصراع القائم في الإقليم على أنه ألباني صربي، بل إنه يتخطاه ليصل إلى حدود الدول المجاورة، ثم يتعداها إلى الدول الكبرى في أوروبا والعالم.

من هنا جاء تقسيم الكتاب إلى قسمين تناول الأول ألبانيا الدولة الأم والأحداث التي مرت بها وعلاقة ذلك وأثره على قضية كوسوفا، والقسم الثاني يتعلق بإقليم كوسوفا وما يتعرض له ألبان الإقليم من اضطهاد ومجازر على يد الصرب ثم يعرض للدور الأوروبي والأمريكي في الأزمة، وكذلك دور حلف الناتو وروسيا، كما يتضمن العرض رؤية المؤلف لمستقبل الإقليم.

وهذا الكتاب ليس وليد قراءات عن بعد، بل هو نتاج معايشة مستمرة منذ خمس سنوات في ألبانيا استطلع مؤلفه عن قرب الوضع السياسي لكل من ألبانيا وكوسوفا واليونان وصربيا ويتضمن خلاصة آراء العديد من المفكرين والكتاب في البلقان وبه مزيج من تاريخ يحفظه الآباء والأجداد عن بلادهم.

كما أن الكتاب محاولة باللغة العربية للاقتراب من قضية شعب مسلم قوامه سبعة ملايين نسمة كتب عليهم التشرد في أوروبا التي لا ترحم، هذه المحاولة قد تبدو متواضعة أمام كم كبير من المقالات والكتب التي تناولت الموضوع- بغير حياد- وبغير اللغة العربية.. وحتى الذين تعاطفوا مع شعب ألبانيا تعاطفوا مع مسيحيين، وكانت كتاباتهم مجرد بلاغ إلى أوروبا المسيحية لكي تنقذ ألبانيا من قبل أن تقع في أيدي المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يلفت الكاتب نظر قرائه إلى أن تعاطف المسلمين مع كوسوفا يبدو باهتًا ضعيفًا، فهم يقرؤون كل يوم مذابح جديدة، ولكنهم يطمئنون أنفسهم أن المقاومة وجيش تحرير كوسوفا يواجه بشكل جيد العدوان الصربي ويكتفون بالدعاء لهم، ناسين أنهم يقاتلون غاصبًا ينتهك الحرمات ويقتل النساء والأطفال والعجائز، وأن الحرب رجال وعتاد وذخيرة ومؤن وخبز وملح.

ثم يتساءل قائلًا: لماذا تأخر المسلمون في كوسوفا بينما بادروا إلى أفغانستان والبوسنة والشيشان؟ في إجابته عن هذا السؤال محاولة جادة لقراءة الواقع العربي والإسلامي تجاه القضايا الإسلامية الساخنة وبخاصة في أوروبا.

والآن إلى صفحات الكتاب التي بلغت 142 صفحة غطت مساحات منها الصور الكثيرة التي جسدت المأساة ورسمت معالم الحضارة التي تحتضن مثل هذه الوحشية والتي لا تخفي تعطشها إلى المزيد من دماء الأبرياء.

الكتاب: مآسي الألبان في بلاد البلقان

المؤلف: د. حمزة سعد زوبع- خبير شؤون البلقان

الناشر: مركز دراسات البلقان- الكويت- ص. ب 27410- الصفاة 

الرمز البريدي 13135

  • العالِم

وصلنا العدد الرابع من مجلة «العالم».

وأول ما يطالعنا فيه افتتاحية رئيس التحرير بعنوان «الحرب العالمية الثالثة والحكومة العالمية في روما» وفيها يناقش فكر الصهاينة، هذا الفكر الذي أدى إلى اقتطاعهم جزءًا عزيزًا من أرض العرب وإقامة دولتهم عليه بعد تشريد أصحابه العرب الفلسطينيين.

ولقد عني هذا العدد من مجلة العالم بالصحافة وأثرها على العالم العربي وإنسانه قديمًا وحديثًا، إذ نجد فيه موضوعًا عن «الصحافة العربية بين الإنجليز والفرنساوية»، سار مع الصحافة العربية من يوم أن كان الشعر هو صحافة العرب.

ثم موضوع ثان عن صحافة المرأة، وهو عبارة عن استقراء عشوائي للصحافة النسائية 22 مجلة انتهى إلى استنتاج إحصائي لا يسر من ناحية اهتماماتها.

الموضوع الثالث عن الصحافة أيضًا وهو: «مطرودة أم هاربة صحافتنا العربية في الخارج»، وهو موضوع جريء يناقش هجرة بعض الصحف العربية من أوطانها للصدور في الخارج، وما إذا كانت هذه الهجرة طلبًا لمزيد من حرية الرأي وبعدًا عن ملاحقة السلطات في أوطانها.

أما الموضوع الرابع فيناقش بموضوعية صرفة ما إذا كانت «حرب أكتوبر تحريرية أم تحريكية» وما إذا كان قد سبقها تنسيق أمريكي مصري لخلق وضع جديد في الشرق الوسط.

ثم موضوع آخر عن الجنس والرعب في الإعلام الغربي وأثر ذلك على مجتمعنا العربي المسلم إلى غير ذلك من الموضوعات الجادة والأخبار المفيدة وأولى الحلقات الرواية بعنوان «سقط الباشا قام الباشا»، بالإضافة إلى الأبواب الأخرى المتنوعة الثابتة.

عنوان المجلة ص. ب 91409 الرياض 11633

المملكة العربية السعودية- فاكس 4780374 (1) 966

  • الإمام الشهيد حسن البنا.. بين السهام السوداء وعطاء الرسائل

كان القسم الأول من هذا الكتاب عرضًا موجزًا لحياة الإمام الشهيد تحت عنوان «حسن البنا في ذاكرة طفولتي» تحدث فيه المؤلف بعفوية وترسل عن لقائه الأول والأخير بالإمام الشهيد حيث كان لا يزال في المرحلة الابتدائية وصور فيه الانطباع الذي تركته في نفسه رؤيته ورؤية جنوده من جوالة الإخوان بمدينة المنزلة مسقط رأس المؤلف.

أما هذا القسم من الكتاب والذي نعرف به اليوم فقد عرض للافتراءات والأكاذيب التي كان يحارب بها الإمام الشهيد وفكره وإخوانه راجيًا أن يكون قد وفق في تغييرها والكشف عما فيها من عوار وهشاشة وسقوط وفساد.

ومن هذه الأباطيل اتهامه واتهام الجماعة بالنزعة الإرهابية بدليل وجود ما سموه «الجهاز السري» والانحراف بالدين إلى السياسة وإدارته الجماعة بدكتاتورية مطلقة، وكذلك التواري وراء غموض الأفكار والمبادئ.

وقد أفرزت المطابع في السنوات الأخيرة عشرات من الكتب والبحوث المشبوهة لا هم لها إلا تجريح مؤسس الجماعة وقادة الجماعة من بعده ومنظومة الفكر الإخواني، والمضحك المؤسف أن يشترك في هذه الهجمات الضارية بعض قيادات الأمس السابقين بإصدار كتب ضخمة مطبوعة طباعة فاخرة مع أن الواحد منهم قد يعجز عن كتابة سطر واحد مستقيم الكلمات والمعاني وهم لا يمانعون من قيام «صحفيين» بعملية الصياغة.

وقد تعامل المؤلف مع رسائل الإمام الشهيد في القسم الثاني من هذا الكتاب معتمدًا على المضمون الفكري لكل رسالة مع تطعيم هذا العرض بشرائح نصية حتى يحيط القارئ بالمحتوى دون الانفصال عن النص، ثم كان الخلوص إلى الدلالات الموضوعية والفكرية والنفسية والفنية للرسائل.

وهناك رسائل رأى المؤلف من الخير أن يسجلها بنصها لما لها من إشارات ودلالات ومنها الرسالة اللاهبة التي وجهها المرشد العام إلى الملك فاروق والتي يصور فيها السقوط اللاأخلاقي للأمة في عهده.

وقد أشار المؤلف الفاضل في بداية مقدمته للكتاب أن أصله حلقات سبع نشرت له في مجلة «المجتمع» الأعداد من 1241 – 1247، بعنوان «قراءة جديدة في رسائل الإمام حسن البنا».

الكتاب: الإمام الشهيد حسن البنا.. بين السهام السوداء وعطاء الرسائل

المؤلف: د. جابر قميحة- أستاذ الأدب العربي

الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية- القاهرة- ت 3911961 - ص. ب 1636

***

  • دور أوروبا في مستقبل العمل الإسلامي

الظروف المواتية لانتشار الإسلام في أوروبا فتحت عيني المؤلف وقلبه بنظرة تفاؤلية إلى مستقبل العمل الإسلامي ودور أوروبا فيه، ذلك أن الإسلام هو دين الله فإذا تخلى عنه أو تخلف عن أداء رسالته قوم هيأ الله أقوامًا أخرى لحمل الرسالة وتبليغ الدعوة إلى العالمين، كما حصل عندما استلمت الراية قبل أن تسقط شعوب فارس في المشرق والبرير في المغرب فكانت النتيجة وصول الإسلام إلى أقاصي المشرق... الصين وروسيا وما جاورهما.

واندفاعه في الغرب حتى أقام دولته وحضارته في قلب أوروبا أيام الأندلس، في التتار والصليبيين بعد غزوهم لبلاد الإسلام تحول الأولون إلى الإسلام وانصهروا في بوتقته ورحل الصليبيون بعد أن نقلوا معهم كل الدروس التي تعلموها جراء احتكاكهم بالأمة الإسلامية.

ينتهي المؤلف في محاضرته التي هي أصل هذا الكتاب إلى أن أوروبا يمكن أن تلعب دورًا معاصرًا في حمل رسالة الإسلام، لكنه يخشى أن يحول واقع المسلمين المتردي وخلافاتهم المستمرة دون إقبال الأوروبيين على الإسلام، وبالتالي دون تحقق هذا الحلم الكبير.. لذلك فهو يدعو المسلمين بحرقة إلى الارتفاع إلى مستوى التحدي لئلا يكونوا السد المنيع الذي يعرقل حركة الإسلام.

الكتاب: دور أوروبا في مستقبل العمل الإسلامي

المؤلف: عبد الحليم خفاجي

الناشر: مؤسسة بافاريا- ميونخ- ألمانيا

***

  • تأملات في الدين والعلم

العلم علمان: علم في القلب، فذلك العلم النافع، وعلم على اللسان فذلك حجة الله على العبد يوم القيامة، وأنفع ما يكون العلم إذا كان صادقًا، وأصدق ما يكون المرء إذا اقترن لديه العلم بالعمل.

إن أمة الإسلام تمر بمحنة شديدة، ودين الإسلام يواجه هجمة شرسة حيث يعمد بعض أصحاب الأقلام إلى التشكيك في أركان العقيدة أو تشويه معالم الدين أو تقليص شمول الرسالة أو إبراز سلبيات التاريخ أو الزراية بفريضة الجهاد، هادفين من وراء ذلك إلى إبعاد شباب الأمة عن حقيقة الإسلام وعن جدوى اتخاذه سبيلًا إلى الإصلاح السوي والتغيير النافع، إلا أن أصحاب القلوب السليمة والعقول الراشدة لا يعكر صفاء استجابتهم لله ورسوله، هذه الهوجة الإعلامية المجنونة لأنهم يدركون أن هذا الدين هو، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (الروم: 30)، وأن الله شرعه لنا عقيدة وعبادة وشرعة ومنهاجًا.

ثم إنه مهما بدت الغاية بعيدة، ومهما بدا المد الغربي والتيار العلماني التابع له قويًا، ومهما طال أمد الصراع الحضاري فإن الذين يحبون العلم النافع ويؤمنون بدين الحق لا يیأسون عن متابعة الطريق لأنهم يعلمون ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (يوسف: 87).

والذين أوتوا العلم والإيمان يحيون بما أوتوا ويهديهم ربهم بإيمانهم ولا تزال طائفة من الأمة الإسلامية ظاهرين على الحق ينعش قلوبهم الأمل ويشغلهم صالح العمل ولا يضرهم من خذلهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، هذه الخواطر الواعية والهادية نجدها مبثوثة في طيات هذا الكتاب الذي بلغت صفحاته 272 صفحة.

الكتاب: تأملات في الدين والعلم

المؤلف: المستشار عثمان حسين عبد الله

  • الشيخ محمد الغزالي شاعرًا

القاهرة: محمود خليل

  • ديوان «الحياة الأولى» أخرجه وهو طالب بالصف الرابع الثانوي بمعهد الإسكندرية الديني عام 1936 م.
  • يمتاز شعره بالثورة العاصفة، والإنسانية المشفقة، والتأمل العميق.

سيظل الشيخ الراحل محمد الغزالي واحدًا ممن ستحتفظ الدعوة الإسلامية بكلماتهم في أنصع صفحاتها، ذلك أنه- رحمة الله عليه- قد أتاه الله بصرًا وحكمة وإخلاصًا لم يتوافر إلا للقلائل.

تربى رحمة الله عليه في مهد الحركة الإسلامية، وظل واحدًا من أماراتها، ورائدًا من روادها حتى النفس الأخير من حياته المباركة..

طوفت كتبه الخمسون حول قضايا الدعوة وهموم الإسلام والمسلمين.

ولقد عرف الناس عن الشيخ الغزالي مواهبه الجمة.. ولكن لم يعرف عنه إلا القليل، أنه شاعر إسلامي رصين، ذو موهبة مبكرة، ونفس شعري فياض.

ولقد سعدت المكتبة الإسلامية مؤخرًا بإعادة إصدار ديوانه «الحياة الأولى» الذي يحمل باقة طيبة من الشعر الإسلامي كتبه الشيخ الغزالي في فترة مبكرة من حياته.. وأقلع عنه أيضًا مبكرًا.

صدر الديوان أول مرة عام (1354 هــ- 1936 م) والشيخ الغزالي طالب بالفرقة الرابعة الثانوية بمعهد الإسكندرية الديني، وعمره إذ ذاك ثماني عشرة سنة.

يقدم الشيخ الغزالي نفسه إلى قرائه في قصيدته «الحياة الأولى» أو إلى المجد فيقول:

ثماني عشرة مرت سهادا  *** أردت على المنام ولن أرادا

فكانت يقظة المضني بنائي ***  كرى النوام أن يغفوا تنادا

وكانت في سبيل المجد تسعى  *** تغالبه ولا تألو اطرادا

إلى أن أشرقت هديًا بروحي ***  شموس الصحو، في أفقي تهادى

إنها الحكمة اليانعة في هذا السن الباكر، وهو اللجوء الضارع إلى المولي عز وجل.

واصلاتي حينما يرفعنني ***  من حدود للحياة الظاهرة

واصلاتي بكنوز النور أن ***  يقطع الجسم الأثيم الآخرة

 مذكراتي أبدأ بالصحو إن  *** عام أفقي فتعالت باهرة

كالحصانات تقيني سوء ما  *** يبتغيني من دنايا قاسرة

ومن الزهرات الأوائل في كلمه وبيانه.. نرى شیخنا الغزالي يتحدث أو يقرض أو يخطب، وخارطة الدنيا مفتوحة أمام ناظريه ومستقبل الإسلام والمسلمين يرسم أمامه خطوط السير ومعالم الطريق.. هاتفًا.. الطريق من هنا.. لذا.. فقد اتسم شعره الدافق هذا.. بسماته نفسها التي كانت ترسم اللوحة الأولى في ميدان الدعوة والهداية.

ويمكننا- بغير كبير جهد- أن نضع أبصارنا وبصائرنا على أهم السمات والملامح الشعرية له.. ذلك لأن نفسه الشعري ظل في صدر شبابه- وكالعهد به دائمًا- يتردد بين الحكمة والموعظة الحسنة، وبين الثورة المتأججة، وهو شاعر إنساني إلى حد بعيد، تراه يرثي لشيخ كبير وجده يبكي، ويذوب جلده لطفلة وجدها تسأل رجلًا غليظ القلب أن يعطيها شيئًا، كما يأسى للشريد والضائع، ويبكي لموت طفل أو مرضه، ويسخر سخريته المرة من جهالة فاضحة، أو حضارة حديثة جامحة... تمامًا كما يتمزق فؤاده حسرة وغيظًا من أحوال أمته التي طال استرسالها في هذا الثبات الوبيل.

ومن ثم فإن أهم السمات الشعرية للشاعر ذي الثماني عشرة سنة.. هي:

إن ميدان التصوف ليس بعيدًا عن الشيخ الغزالي.. ذلك التصوف الرائق الذي يقوم على المجاهدة والتزكية والترقية والتحلية والتخلية.. ولعله معلومًا لدى الكثيرين منا أنه قضى أمدًا طويلًا في صدر شبابه، يوقع مقالاته باسم «أبو حامد الغزالي» تيمنًا بحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (450- 505 هــ- 1058- 1111 م)، ولقد أسماه أبوه «محمد الغزالي»- اسمًا مركبًا- من باب اليمن نفسه، الأمر الذي ترك نداه الوضاء على صفحات وكلمات الشيخ الغزالي.. ولم تكن جسارة الشيخ الغزالي طوال حياته، إلا انطلاقًا من مدارج السالكين ومنازل العارفين.

وثمة كلمة يجب أن نشهد بها بخصوص صوفية شيخنا الغزالي.. إنها صوفية المصافاة والصفاء، إنها صوفية الوسطية المضبوطة بالكتاب والسنة.. والتي تقوم على التربية والسلوك، لا ما نرى ونسمع ممن يمرقون من إسلامهم بالنوم المميت، أو التفسخ المقيت- إن صوفية الغزالي، تمامًا كمدارج ابن القيم، وسياحة العز ابن عبد السلام.

الثورة المتأججة

إن الشجاعة قد تكلف صاحبها فقدان حياته، فهل الجبن يقي صاحبه شر المهالك؟ كلا.. فالذين يموتون في ميادين الحياة وهم يولون الأدبار أضعاف الذين يموتون وهم يقتحمون الأخطار.

والذين يحسبون الموت في سبيل الله تضحية تستحق العزاء هم قوم ليسوا من الإسلام في شيء، ولا من الدنيا في شيء، وحق على هؤلاء أن يدفنوا وهم أحياء، وأن يرقدوا في مهاد الذل.

بهذه الكلمات قدم الغزالي رؤيته، حين يدفع المسلم ثمنًا واحدًا، لبضائع مختلفة: الحياة والحرية والكرامة.. والجنة وهي سلعة الله الغالية.

لذا فإن الثورة والنزوع إلى الحرية، والنظر إلى ما عند الله وحده، كان من المفاتيح الأساسية لشخصية الشيخ الغزالي ومن المكونات الفطرية لنفسيته وثقافته، انظر إليه حين يهدر في قصيدته «عوائق» فيقول:

يا قيودي تحطمي ***  عند مثواك فأرتمي

قد تأبيت ذلة  *** في تباريح أدهم

وتمردت كلما  *** توثقيني بمحكم

فإذا شئت رفعة  *** كنت أغلال مرغم

فأنا الآن مطلق ***  لست للذل انتمي

كيف يرضى سقوطها ***  مستطيع التسنم

أسكون يروضني  *** فيه تخضيع مسلم

فاستقري مهينة  *** عند أدنى القدم

أو ما ترى الثورة تلفح من الوزن الشعري، والروي، والمعاني، بل إنه وهو الشاب المتنسم عبير شواطئ الإسكندرية في صدر الشباب.. ليرمي بذلك كله خلف ظهره.. ويرى في الإسكندرية ذكرى ضربها من الأعداء، فيصل حزنه بحزنها، ويبث من ثورته في عروقها قائلًا:

دهى الكنانة ما قد راع عزمتها  *** هوى بها في حضيض الذل طغيان

وصار كل خئون غادر عضدًا *** للمعتدي النذل ينزو وهو جذلان
مصر العزيزة أدناها وصفدها  *** في محكم الأسر غدار وخوان

حتى يقول:

يا مصر ل شمسك الحسناء مسفرة ***  ولا نباتك حالي العود ريان

حتى يزول قتام لا يزال قذى  *** وتمحي من قيود الأسر أرسان

إنها الثورة التعبوية التي تموج بالإباء المستعلي على كل عوامل الضعف والهوان.. ولقد أحسن الغزالي في صوره المتتابعة، التي خرجت دونما فاعلية، لأن من عرف الشيخ.. عرف أن هذه هي نفسه الأبية إباء الفرسان النبلاء.

ألا تسمعه وهو يقول في قصيدته «إلى الأمة الكريمة»:

دعوت للثورة الكبرى تؤج دمًا ***  يأبي الحديد ويأبى النار شطآنا

دعوت للثورة الكبرى إلى غرض ***  ينفي السكون إذا ما سيم إذعانا

لقد كان الشيخ الغزالي- شابًا وشيخًا- واحدًا ممن يحسنون التأمل في الدين والحياة، يوقن بذلك كل من سمعه خطيبًا أو جالسه محاضرًا، أو قرأ له بحثًا أو رسالة، لقد أتاه الله عز وجل هذه الثلاثية المتضافرة: سلاسة البيان، وقوة البرهان، وعمق الإيمان، ومن ثم فقد كانت كلماته جميعًا.. عصارة من عصارة.. فلم يكن أبدًا رجلًا من أصحاب النفوس المحدودة، أو المواهب المعتادة.

يقول رحمه الله: «حاولت أن أمزج بعض حقائق الدين والتاريخ بلون من الأدب التوجيهي، يعين على خلق وعي حر، وجيل حي، وأمة تفقه دينها ودنياها».

لذا.. فقد حفل ديوانه بوقفات تأملية عميقة مع النفس والكون والحياة والإنسان..

ولقد أراحنا هو- رحمه الله عليه- من عناء البحث عن نبعة الإلهام في نفسه الفوارة الموارة فقال:

نفسي هواها الخير فهي غريبة ***  عن سوء ما يهوي إليه سافل

صفحات ما خطت نصاعتها سوى ***  خطرات قلب بالعلا هو حافل

تدري النفوس الملهمات طريقها ***  بين الأباطيل التي تتخاذل

وأدركت نفس شاعرنا الملهمة طريقها منذ بواكير عمره، حين حفظ الله له نفسه مما يشينها، وطوى له صفحات من العلم والحكمة، فكان كبيرًا منذ أيامه الأولى، يحب من الأمور معاليها ويكره سفاسفها.

وقد انعكس ذلك كله على أدبه ودعوته وشخصيته، وتنداح رحلة تأملاته مختلطة بأمشاج الكون.. حيث في الصباح الولود نصرًا لبشائر النور على جحافل الظلام، فيقول في قصيدته «الأمل»:

أيها الصبح إذا كان ظلام *** لا وقوف في الزمان السائر
مذكري بالنصر إن كان صدام *** في دجى الضعف البؤوس الخائر

ويرى في النجوم لآلئ مزهرة، تهديه بعدما أوقدها الله فتوهجت، وهداها من حيرتها في أفاق الفضاء البعيد.. ومن قصيدته «النجوم» تتواصل رحلة التأمل العميق:

لآلئ الليل في ديجوره الطامي  *** كجوهر- قذف الأصداف- بسام

طرائق النور تزجي الهدى وسوسة ***  رصينة كالسكون الهادئ النامي

ويناجي «الشمس» طهرًا وضيئًا، يميت اليأس، ويحيي النفوس وتعلو به رايات الحرية مجلجلة على جبين الضحي العريض:

أشرقي في الوجود طهرًا وضيئًا  *** وأنيري السبيل من ظلمات

وأميتي اليأس المعذب مواتًا ***  بدلیه تيقظًا من سبات

النزعة الإنسانية

قدم الشيخ الغزالي نفسه يومًا فقال: «إنني شعبي في تصرفاتي، ولو كنت ملكًا لأبيت إلا الانتظام في سلك الأخوة المطلقة مع الجماهير الدنيا، أخدمهم ويخدمونني على سواء».

لقد كان الغزالي الجليل قلبًا حيًّا نابضًا بحرارة الإيمان، في عاطفة صادقة لم يؤتها إلى أقل القليل ممن استقامت قلوبهم حين استقام إيمانهم، فاستقامت ألسنتهم كاستقامة النور الماضي إلى طريقه يقطر يسرًا ومرحمة، ويفيض ندى على العالمين.. فهو يرثي «لموت الأطفال» ويأسى لمفارقة بين «سري وثري» ويبكي مع «الشيخ الباكي» ويتحسس الخطى مع «الأعمى» ويطارد الأفق البعيد مع «الطريد».

مع بكاء الشيخ يقول:

ألا ليت هذا الشيخ لم يبك إنني ***  أحس لهيبًا في فؤادي من النكر

ويرى الأعمى فيصل روحه بروحه، بعيدًا عن سجن الجسد:

فالجسم سجن شنيع الضيق مضطرب ***  وراءه الروح في أسمى معاني

ويرى طفلة تسأل واحدًا من أصحاب القلوب الغليظة.. فيحيا مشاعرها المذبوحة المستميتة.. ويردد في قصيدة إيقاعها كأنه جلد الضمير المتواصل، أو قرع الملمة المتلاحق

سألته قطعة  *** سؤل ولهي وأمقـه

لم يجبها فأجالت ***  نظرت حانقة

ورنو مستفيض الر ***  کغبات الصادقة

ومن عرف شيخنا الغزالي عن قرب.. يعرف أن هذا «المفتاح» كان هو المدخل الأساسي لتكوينه الإيماني والفكري والسلوكي.. حتى إنه تخيل يومًا في بواكير شبابه أنه سيصدر مشروعًا «للقانون الإسلامي رقم 1» فكان مقاله «من أحلام المصلحين»، الذي يتعلق بتحرير رقيق الأرض، وتنظيم الملكيات، ووضع كوادر الإصلاح والمساواة للعمال والكادحين، ومما يعزز هذه النظرة، أن كتب الشيخ الأولى كانت عن الإسلام والأوضاع الاقتصادية، والإسلام والأوضاع السياسية، بل إن نفسه الإنسانية الشفوق ترى أن لغة الكون كله- إنما هي هذه اللغة- العادلة، فيقول في قصيدته «النفس والكون»:

نحن أصداء ما حوى من معانٍ ***  حافلات بالسعد أو بالشكاية

تكفهر الأجواء والنفس ***  ضلالًا وتستنير هداية

رددتها الأرواح ثم أفاضت ***  ما أحست به على الكون غاية

والقارئ لديوان شيخنا الشاب محمد الغزالي «الحياة الأولى» يجدر به أن يتوقف أمام ملاحظتين:

أولاهما: أن الغزالي وهو النصير الأول- طوال حياته- للمرأة في قضاياها ومشكلاتها، قد خلا ديوانه من أي إشارة قريبة أو بعيدة، تلميحًا أو تصريحًا، لموضوع المرأة.. ربما لأنه كان ما يزال عزبًا، يدرج على أعتاب الفضيلة ويرقى منازل الخلق والسلوك.

ثانيهما: رغم أن المديح والتغني به، يشغل القسم الأكبر من ديوان أدبنا العربي القديم والحديث. فقد نجا الغزالي من هذا المنزلق الخطير، وكان شعره للحق، والحق وحده..

وأخيرًا.. ورغم توفيق الشيخ الغزالي في صوره الشعرية، وموضوعاته الإبداعية، وشغفه بالحكمة الرصينة، واشتغاله بالبناء اللغوي المتين، إلا أننا نضم صوتنا إلى صوت الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة الذي قدم للديوان بدراسته القيمة، في أن الديوان قد حفل بهنات عروضية، وهفوات أسلوبية، ومعاضلات لفظية.. وليس هذا بمستغرب على شاعر شاب.. ما يزال في المرحلة الثانوية.

ونحن نرى أن القيمة الأكبر لهذا الديوان.. إنما تكمن في استكمال ملامح الشخصية الغزالية الفريدة.. التي حفظ الزمان مكانها في صفحات الضياء.

الرابط المختصر :