; المجتمع الثقافي | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 16-فبراير-1992

مشاهدات 51

نشر في العدد 989

نشر في الصفحة 42

الأحد 16-فبراير-1992

شروط النصر

بقلم: محمد الجاهوش

سأل هرقل أصحابه.. بعدما هزموا في اليرموك.. ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرًا مثلكم قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر أضعافًا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونرتكب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهي عما يرضي الله ونفسد في الأرض. 

فقال هرقل: أنت صدقتني.

(البداية والنهاية حـ ٧ ص ١٦)

لقد هال عظيم الروم- هرقل- اندحار جيشه أمام القوة الجديدة التي بدأت تتبوأ مكانها وتفرض وجودها ولا يقف في طريقها سلاح ولا قوة وعهد الروم بالعرب.. إنهم قبائل متفرقة لا يجمعها أمير ولا تخضع لقانون فرقتهم الحروب الداخلية وأرهقهم وضعهم الاقتصادي في جزيرتهم القاحلة حتى قتلوا بنيهم ووأدوا بناتهم من الإملاق فما الذي جد في حياتهم وبدل حالهم فغدوا وكأنهم خلق جديد لا عهد للدنيا بمثله من قبل!

وسأل أصحابه مستغربًا عن سر هزيمتهم أمام أناس مثلهم من البشر، أقل منهم عددًا وأدنى عدة وعتادًا وكثرة العدد وجودة العدة- عند هرقل وأمثاله- مصدر قوة الجيش وسبب نصره وتفوقه ونسي أو غاب عنه أن للنصر أسبابًا غير التي ظنها، وأن الكثرة كثيرًا ما تهزم أمام العدد القليل ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة:249) وأن تفوق السلاح لا يحسم المعركة مادام في أيد ملوثة تحمله لغايات دنيئة وأهداف وضيعة ولم تطل حيرة هرقل فقد جاء الجواب من أحد قادته واضحًا جليًّا اضطره أن يعترف بصدقه ويقر بصوابه أنهم ينتصرون من أجل أنهم:

1- يقومون الليل: وكم تحت ظلمة الليل للناس من أحوال! أما هؤلاء فعافوا المتعة والمنام وقاموا يناجون ربهم فارتبطت قلوبهم وأرواحهم بخالقها وانزاحت الحجب أمام دعواتهم وضراعاتهم تجلى عليهم ربهم باسمه العزيز فهم عزيزون غالبون لا تطيش سهامهم ولا يخطئون أهدافهم.

2- ويصومون النهار: فيتركون شهواتهم لله- عز وجل- يناجون ربهم وريح أفواههم أطيب من المسك تركوا لله كل شهوة.. أفتراه يتخلى عنهم ويتركهم نهبة لعدوهم! معاذ الله.. إنه تعالى قطع على نفسه عهدًا أن يكون مع من أطاعه واتقاه وسلك النهج القويم ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُون﴾ (النحل:128) ومن كان الله معه فلن يغلب ولن يقهر.

3- ويوفون بالعهد: وهذه من صفات المؤمنين فهم يحفظون عهد الله ولا ينقضون ميثاقه فلا يري منهم سبحانه إلا طاعة واستجابة؛ أوفياء بالعهد فيما بينهم فلا خلف ولا خديعة؛ أوفياء بالعهد مع أعدائهم فلا غدر ولا خيانة سلمًا كانوا أو محاربين ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال:58).

4- ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: وهذه ميزة الأمة المسلمة الأمة التي تستحق وراثة الأرض والتمكن فيها فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- أي فلاح الأمة وأصل قوتها وسر بقائها عزيزة مرهوبة الجانب ﴿وَلتَكُن مِّنكُم أُمَّة يَدعُونَ إِلَى ٱلخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ﴾ (آل عمران:104).

5- ويتناصفون فيما بينهم: فلا يضيع حق ضعيف أو مسكين ولا يسمح لذوي الجاه والسلطان أن يتجاوزوا حدهم أو ينالوا من غيرهم فالكل في الحقوق والواجبات سواء إخوة في الله خلقوا من التراب وإليه يعودون معيارهم في التفاضل ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:13) يستوي في ذلك أمير المؤمنين وحاجبه وقائد الجيش وسائس خيله، أفتغلب أمة أعطت الحق من نفسها وأنصفت أبناءها وسوت بينهم فيما لهم وما عليهم؟!

لقد أدرك صاحب هرقل سر تفوق المسلمين على الروم وذكر في المقابل أسباب ضعف قومه وهزيمتهم وحصرها في مخالفة أمر الله عز وجل والخروج عن الفطرة التي فطر الناس عليها فهم يشربون الخمر ويزنون وينقضون العهد ويغصبون ويظلمون ويرتكبون الحرام ويأمرون بالسخط وينهون عما يرضى الله ويفسدون في الأرض.

يا لها من جرائم تستوجب مقت الله وغضبه لو تفشت واحدة منها في أمة لكانت سبب هلاكها؛ فكيف بها مجتمعة؟!

وماذا عسانا نقول اليوم وحالنا كما نرى أمتنا مفرقة الأهواء؛ في كل قطر أمير للمؤمنين ومنبر ثقافتنا مستوردة كطعامنا ولباسنا، أرضنا يستنسر فيها البغاث ويحتلها حثالة البشر، جيوشنا منهزمة في كل معركة، عادت حياتنا كجاهلية العرب الأولى يأكل بعضنا بعضًا:

وأحيانًا على بكر أخينا

إذا ما لم نجد إلا أخانا

فهل من علاج لهذه الأدواء القديمة الجديدة؟

إنه لا دواء إلا بالعودة لما كان عليه سلف الأمة.. لقد أدرك هذا صاحب هرقل فكيف يغيب عنا؟

يوم الزينة

شعر: يحيي بشير حاج يحيي 

إلى الطواغيت كلهم الذين سقطوا والذين هم واقفون على حافة السقوط.

يخاف من قصيدة

تخيفه القوافي

وثورة المنافي ووثبة الشباب

هو ظالم ومدع وكاذب مرتاب

من دمعة اليتامى وآهة السجين

من غصة وحسرة ولذعة الأنين 

قد رصعوا تيجانه

ودبجوا قصائد المديح

إن نام قالوا: ساهر

عيناه لا تنام

أو غاب قالوا: حاضر

يبحث عن يتيم

هو ظالم ومدع وكاذب لئيم

لديه ألف جوقة

وشاعر وزامر ومادح كذاب

يخاف من مروءة

تبدو على الرجال

ومن بزوغ نجمة

تهدي من الضلال

فجمع الأوشاب

وجاد بالألقاب

وصار كل مدع

يقول ما يريد

ينال ما يريد!

وصار كل خائن

في ذلة العبيد

يقول ما يريد

 ينال ما يريد 

وصار كل تافه

 يهز بالسنان

 يدعو إلى الطعان

 وصار كل جاهل 

وحامل «رويبضة»

يقول للناس: اخرسوا

فيخرسوا!

وصفقوا وطبلوا وزمروا

ومن شراب الذل هيا احتسوا 

فيحتسوا 

وسيقت الجموع لتعلن الولاء

وإنها الفداء

ويضحك الأتباع 

ويعلمون أنه ليس سوى النفاق

وأنها ليست سوى البضاعة

التي يجيدها الرعاع

لكنهم راضون قانعون

مادام هذا الدور رغم بؤسه

یرضی به

فلينتظر كل الذين أودعوا السجون..

كل الذين شردوا 

فساعة الخسف التي ترقبها

بالصبر والمصابرة 

بالسر والمجاهدة

هي قادمة.. هي قادمة

قصة رمزية
مالك الحزين.. وتعليق الأحذية

بقلم: أبو حفص المالكي

رفرف مالك الحزين بجناحيه وحط على شجرة مطلة على ملعب الغابة ليشاهد المباراة النهائية في لعبة تعليق الأحذية التي تقام بين فريق غابة مالك الحزين وفريق الغابة المجاورة وريثما تبدأ المباراة أخذ يتذكر بأسى كيف انتشرت لعبة تعليق الأحذية في الغابة وكيف أصبحت هي الشغل الشاغل لقطعان الغابة وكيف أفرط الجميع في الاهتمام بهذه اللعبة وأصبح لا هم لهم إلا متابعتها والحديث عنها.

وتذكر بأسي كيف صرفت أجزاء كبيرة من موارد الغابة على فريق الغابة في لعبة تعليق الأحذية، وبينما هو في ذكرياته إذ أفاق على صافرة البدء لقد بدأت مباراة تعليق الأحذية وأخذ مالك الحزين يشاهد بعجب تلك القطعان الهائلة التي أخذت تشجع بحرارة فريق غابتها.. وانتهت المباراة بفوز فريق غابة مالك الحزين حيث استطاع أن يعلق ٤٠ حذاء على شجرة الفريق الآخر مقابل ۲۰ حذاء علقت على شجرته، وما إن انتهت المباراة حتى التهيت الحناجر والصوافر بالهتاف والضرب على الأرض تشجيعًا لفريق الغابة وانطلقت القطعان في أرجاء الغابة ترقص وتغني فرحًا بالفوز الحضاري المتميز وانهالت الجوائز على فريق الغابة لقاء الإنجاز الحضاري الذي حققوه للغابة فقد تبرع «سيد قشطة» بزريبة لكل عضو من الفريق وتبرع القرد بعلف ممتاز لمدة سنة لكل عضو إلى غير ذلك من الهدايا التي تفوق الحصر...

وقف مالك الحزين يتأمل تلك المأساة بألم لقد كان يتابع الأحداث منذ البداية ولكن لم يكن يتأملها ليرى الفائز بل ليحدد عمق المأساة التي تعيشها غابته لقد وجد أن موارد الغابة التي أهدرت على لعبة تعليق الأحذية كانت تكفي لبناء عشرات المرافق التي تخدم قطعان الغابة، ووجد أن الأوقات التي ضيعت في متابعة لعبة تعليق الأحذية كانت تكفي لتدريب شباب الغابة وإعدادهم لأوقات الأزمات وبنائهم بناء قويًّا... ووجد... ووجد... أشياء كثيرة ولكنه ازداد ألمًا وحسرة عندما جال بخاطره أن هذه الموارد التي أنفقت هي لبطولة واحدة فقط؛ فكيف الحال والغابة لا تنتهي فيها بطولة إلا والبطولة الأخرى على الأبواب.

أطلق مالك الحزين صيحات حزينة ثم رفرف بجناحيه محلقًا في السماء؛ لقد حان وقت عمله.

الرابط المختصر :