العنوان لقد صدق القدر الأول ونحن ننتظر الثاني
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997
مشاهدات 47
نشر في العدد 1237
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 04-فبراير-1997
معالم على الطريق
قد يهون العمر إلا ساعة، ويهون الزمن إلا برهة، وتهون الأرض إلا موضعًا، قد تشرق شمس يوم معين على البشرية فتسعد به إلى آخر الدهر، وتربح فيه إلى نهاية الآماد، وقد ينفلق الزمن عن لحظة تزن الأعمار والآجال، وتتخطى الحدود والقيود الأرضية والدنيوية، وقد تخرج من رحم التاريخ ليلة تحمل روح الحياة، وتشعل آفاق الدنيا وتضيء رحابة الإنسانية جمعاء، وسيظل أصدق مثال لتلك الليلة هي ليلة نزول القرآن، تلك الليلة التي جاءت في التاريخ القفر المجدب فاخصب، وفي الجاهلية العمياء فانبجس منها الضياء، وأنبتت للدنيا أزاهير الإنسانية الجميلة، حيث كانوا بشرًا، ولكنهم ملائكيو النفوس، ربانيو الأرواح، وكانوا أناسًا، دارت الأرض في عهدهم ثلاث دورات، واحدة حول الشمس، والثانية حول القرآن، والثالثة حول النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه.
ليلة أراد الله سبحانه أن ينزل فيها القرآن ليُري الإنسانية على امتدادها سر آياته في الأمم، وعظمة منهجه في الشعوب، فها هنا دنيا الصحراء التي ستلد الدنيا المتحضرة التي ستكون من ذريتها أوروبا وأمريكا، لأن القرآن والهدي النبوي سيعملان في الحياة الأرضية بنور متمم لما يعمله نور الشمس والقمر، وسيغزو المسلمون الدنيا بأسلحة العلم والهداية، وأسلحة الأطباء التي في ظاهرها أسلحة المقاتلين، حيث كانوا يحملون الكتاب والسنة ليضعوه في العقول والأفهام بلا إعنات ولا إكراه ثم يمضون إلى سبيلهم، وقد بقي الكلام من بعدهم غازيًا محاربًا في العالم كله حرب تغيير وتحويل، وسيظل إلى أن يدخل الإسلام على ما دخل عليه الليل والنهار.
وكان حقيق أن تسمى هذه الليلة بليلة القدر، وقد كانت البشرية معها على قدر وعلى ميعاد، حيث فسدت الأرض وأجدبت وانتظرت قدر الله وتدبيره ووحيه المنقذ، وهداه المنجد، وجاء اختيار الله ببدء الإنقاذ وإشراق النور في تلك الليلة العظيمة ليفيض على الإنسانية من الخير والعطاء ما يضيء جوانبها، ويفيض عليها من السكينة التي تتنزل من روح الله على الضمير والنفس البشرية، ولقد سميت تلك الليلة بالليلة المباركة في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (سورة الدخان: 3-6).
وكان من فضل هذه الليلة التي كان لها من الأثر في التاريخ ما لها في الإنسانية ما هزها وجعلها تحدث أخبارها أن ربك أوحى لها، كان من أثرها وفضلها ما استحقت إشادة الله بها والإشارة إليها، واحتفال الملائكة والملأ الأعلى بجلالها وأثرها: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾ (القدر: 4-5) وليس هناك شيء أفضل من الهدايات ولا أكثر خيرًا من توفيق الله سبحانه للأفراد والأمم، ولهذا يعرف فضل هذه الليلة الملائكة والمقربون والصالحون من عباد الله الذين يحيونها بالعبادة والشكر بما يليق بها من أعمال البر والخير والفضل، ولهذا يضاعف الله فيها الخير والثواب لهؤلاء الفاقهين لهذا الخير العميم: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3﴾ (القدر: 3)، لما فُرِق فيها من كل أمر حكيم، ووُضِع فيها من قيم وأسس وموازين، وقُدِّر فيها من أقدار للأمم والشعوب، وللأفهام والقلوب، في الدنيا والآخرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ »(البخاري:1901) تقديرًا لهذه الليلة المجيدة السعيدة التي ظهرت آثارها متطاولة في مراحل الزمان، وفي واقع الأرض، وفي تصورات القلوب والأفهام والعقول، فكم من الخسارة تعود على الناس بتجاهلهم لهذه الليلة، وكم من عماية تصيب الإنسانية ببعدها عن هدايتها وعطائها الغامر، ولقد يغفل كثير من البشر لجهلهم ونكدهم عن هداية الله ووحيه، وعن قَدْر ليلة القدر، وعن حقيقة ما فيها من خير وما أتت به من بركات وتعاليم، وعن أسرار ذلك الحدث العظيم وعظمة هذا الأمر الجليل، وهي بهذا قد تنكبت طريقها، وخسرت السعادة والسلام والأمن الحقيقي، سلام الضمير وسلام البيت والمجتمع، ولم يعوضها عن ذلك كثرة المخترعات، وتنوع الآلات، وبهرج المدنيات، وشقيت نفسًا، وضلت خلقًا، وتمزقت عنصرًا على الرغم من الرخاء وكثرة الإنتاج، وبراعة الاختراعات، ولئن تغيرت لغة الحقيقة فضاعت معالم العدالة، وتبدلت مسارات المعروف، وتوحلت دروب الهداية، فإن الآمال مازالت تراود المخلصين في أوبة كريمة إلى منابع الخير والبركات.
ولئن كان النور الجميل قد انطفأ في دنيا التيه، وانطمست الفرحة الوضيئة التي كانت تصل النفوس بالملأ الأعلى، وغاب السلام والأمن عن الأرواح والقلوب الوالهة المحبة إلى الخير والأمن والاستقرار، فإن العزائم القوية والأرواح المشوقة إلى الطيبات مازال يداعبها خيال تلك الليالي، ومازال أريجها العاطر في تضاعيف النفوس المؤمنة يؤرقها، ومازالت ليلة القدر تنادي جمهورها الحبيب تارة بلغة الإشارة وتارة بمفهوم العبارة، وكلٌ يحن إلى أخيه ويدمع ويسعى إليه، ويخشع ويهتف به في سهاد، ويذكره في شجو وهيام، في أطياف الخيال تارة، وفي تضاعيف الحقيقة تارة أخرى بلغات مختلفة، وأحاديث متعددة، قد تكون مفهومة أو غير مفهومة في زماننا هذا، ولكن للحقيقة كل يعرف الآخر ولابد أن يتلاقى معه لتحصل الشرارة الإيمانية المطلوبة للسير على الطريق:
رُبّ ورقاء هُتوف في الضحى *** ذات شجو صَدحَتْ في فننِ
ذكرت إلفًا ودهرًا صالحًا *** وبكت حزنًا فهاجت حزني
فبكائي ربما أرْقها *** وبكاها ربما أرْقني
ولقد أشكو فما أفهمها *** ولقد تشكو فما تفهمني
غير أني بالجوي أعرفها *** وهي أيضًا بالجوي تعرفني
فيا ليت القدر.. هل تصيري قدري وقدر أمتي، وهل أفهمك وتفهمين ما أشكوه وأعانيه.. إن ليلة القدر اليوم تعاني جاهلية ثانية كما عانت جاهلية أولى، ولكن قدرها الأول قد تغلب، فهل يتغلب قدرها الثاني؟ هل يتغلب كما تغلب على أبي جهل وأبي لهب، واستطاع هدم هُبل ودحر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، إن قدر الليلة مازال غضًا طريًّا وهو القرآن، وقد استطاع هذا القرآن إخراج العالم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، والذي أؤكده وتؤكده السنن والنواميس والآيات أن قدر القرآن باقٍ وآتٍ لا ريب فيه، وسينادي من جديد ذلك النداء الحبيب: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء:81) ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (سورة الإسراء: 51)، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل