; التواضع ولين الجناح | مجلة المجتمع

العنوان التواضع ولين الجناح

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر الجمعة 18-مايو-2012

مشاهدات 68

نشر في العدد 2002

نشر في الصفحة 54

الجمعة 18-مايو-2012

من حقوق الأخوة وأدبياتها أن يكون المسلم متواضعًا، لين الجانب خافض الجناح، هين الموقف منقادًا للحق في علاقاته مع إخوانه، وقدوتنا وأسوتنا إلى يوم الدين أشرف الخلق أجمعين رسول الله ﷺ الذي علمه الله سبحانه وتعالى درسًا عظيمًا في خلق التواضع، قال تعالى: ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (الشعراء: 215)، فتجلى هذا التوجيه الرباني في شخصيته ﷺ، فكان لين الخلق كريم الطبع جميل العشرة طلق الوجه، بسامًا، متواضعًا من غير ذلة، جوادًا وأجود ما يكون في رمضان، رقيق القلب مرهف الحس رحيمًا بالضعفاء، خافض الجناح لأتباعه، لين الجانب لهم.

وقد سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: «يخضع للحق وينقاد له، ويقبله ممن قاله»، وقال الجنيد بن محمد: «هو خفض الجناح، ولين الجانب»، فما أبغض أن يكابر الإنسان، ويصبح من ذوي النفوس الجاحدة والقلوب الغليظة، والأرواح الشريرة، والأفكار الفاسدة، والمواقف القاسية، وما أفظ أن يستكبر على غيره بعلم أو نسب أو مال أو جاه أو سلطان، والحقيقة التي لا مراء فيها أن شيئًا من ذلك لن ينفعه في الدنيا والآخرة ولن يجلب عليه إلا الندم يوم لا يجدي ذلك.

إن الواجب على كل مسلم أن يخفض جناحه للمؤمنين مهما علا شأنه وعز جاهه وارتفعت مكانته ليس خوفًا منهم، ولا طمعًا فيما عندهم، ولكن لله عز وجل، وفي قوله ﷺ خير عظة وعبرة: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل»، فاللهم اجعلنا من هؤلاء.

إن الإنسان إذا تحيز لنفسه الأمارة بالسوء، ووقع في حبائلها، وقابل السيئة بمثلها، ولم يعف ولم يصفح، ولم يغفر ولم يسامح، ولم يحنُ ولم يعطف، وتحوصل في ذاته، وتحيز الهواء، وسيطر الغيظ وقرًا على نفسه وشواظًا يلفح قلبه، ودخانًا يغشى ضميره، أصبح إنسانًا معزولًا منبوذًا، فائر الدم، سيئ الصيت والسمعة، مكروه العشرة.

أما حين يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، ويقابل السيئة بالحسنة، ويكظم غيظه وانفعاله البشري، فقد امتلك نفسًا عالية وقوة روحية هائلة تسمو به إلى أفق أعلى وأرحب، واحتل مكانة رفيعة بين إخوانه، وحين تصفح نفسه، ويعفو قلبه، يعود ذلك بردًا وسلامًا عليه ويصبح إنسانًا طيب العشرة سوي الطوية، محبوبًا في مجتمعه.

وهذا بالطبع، يقود إلى تكوين جماعة يحبها الله، وتحب الله، وتشيع في أوساطها السماحة واليسر، والطلاقة من الإحن والأضغان، وتكون جماعة متضامنة متآخية قوية مستقيمة تمثل في مسيرتها رسالة خير أمة أخرجت للناس، ويلتقي فيها الأخ مع أخيه قلبًا وروحًا، عقيدة ومنهجًا حبًّا وعاطفة، ويخفض جناحه، ويحنو ويعطف إذا زلّت بأخيه قدم، أو استحوذ عليه هوى، وحري بالمؤمنين أن تكون تلك العلاقة بينهم، وحينئذ تصبح النفوس كالمرايا المتقابلة وتتعقد أقوى الوشائج، وأدومها بين أفراد اختلفت أجناسهم، وتباينت لهجاتهم وتباعدت ديارهم وتصبح الحال كما روي عن النبي ﷺ: «المؤمن مرأة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه».

إنه في مقابل الدعوات الهدامة، والدخيلة على مجتمعاتنا، التي لا هم لها إلا زرع الأحقاد، وتدمير الأمم، وبث العداوة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وإثارة الفتن تأتي الأخوة الإسلامية سياجًا إيمانيًّا يجعل المسلم نظيف الوجدان طاهر النفس عالي الحسن عفيف اللسان نقي الجنان، قويم الجوارح والأركان، بل وتنعكس هذه الأخوة عطاء في كل صورها وأشكالها، وأول من يستفيد من هذا العطاء هو الأخ الذي يؤدي هذه الحقوق.

انظر - عزيزي القارئ - إلى سوء عاقبة الشحناء، فيما يرويه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا»، فهلا تحلينا بالتسامح والتغافر وعدم الهجران.

وتأمل قول النبي ﷺ: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»، وقوله ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».. فكن ممن وقر الإيمان في قلوبهم، ومن زادهم الله رفعة ومكانة، ومن سيطر الفقه على عقولهم وصدقت ذلك جوارحك قولًا وسلوكًا فتحركت بين الناس داعية أمن وسلام ذليلًا على أخيك المؤمن، رحيمًا معه، عزيزًا وشديدًا على غيره قال تعالى: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾ (الفتح: 29)، والله نسأل أن يرزقنا خلق التواضع، وخفض الجناح ولين الجانب، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الرابط المختصر :