; البوسنيون والقرآن.... علاقة حميمة عبر التاريخ | مجلة المجتمع

العنوان البوسنيون والقرآن.... علاقة حميمة عبر التاريخ

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1623

نشر في الصفحة 46

السبت 16-أكتوبر-2004

د. عزت تارزيتش: إيمان البوسنيين العميق بالإسلام دفعهم إلى الاهتمام بالقرآن والعناية به 

مكتبة مسجد خسرف بك يوجد بها ۸۱ مخطوطًا للقرآن الكريم

 طباعة القرآن حديثًا بدأت عام ١٩٣٥ م ولم تتوقف حتى الآن

للبوسنيين منهجية خاصة في حفظ القرآن الكريم تقوم على فكرة الدورات.. وتستغرق عملية الحفظ من 9 إلى ١٨ شهرًا

العناية بالقرآن الكريم سواء بالكتابة أو الحفظ أو غيرها من الوسائل تمثل تراثًا تاريخيًا وواقعًا حاضرًا لأبناء البوسنة لا يعرفه كثيرون من أبناء العالم الإسلامي. عدد من الباحثين البوسنويين اهتموا مؤخرا بتوثيق وتأريخ الاهتمام البوسني بالقرآن الكريم.

الدكتور عزت بن عاطف تارزيتش يرى أن: اهتمام البوسنيين بالقرآن الكريم يعود إلى «دافع الإيمان العميق بالإسلام والرغبة الصادقة في مشاركة إخوانهم في العالم الإسلامي بجهد في بقعة تعد من أطراف العالم الإسلامي النائية والمستهدفة من محيطها». أما الدكتور درويش سباهيتش فيرجع ذلك الاهتمام إلى أن «القرآن الكريم هو الكتاب الأكثر قراءة في كل الزمان، ولأنه الكتاب الموثق بأكبر عدد من النسخ المخطوطة في العالم والمطبوع بأكبر عدد من النسخ المطبوعة في العالم، والمميز بأكبر عدد من الحفاظ».

ويشير الدكتور تارزيتش إلى أنه منذ «أن دخل الإسلام البوسنة، والبوسنيون ينهلون من علومه ومعارفه وأعظمها وأجلها علوم القرآن الكريم».

مكتبة الغازي خسرف بك أحد الشواهد على هذا الاهتمام البوسنوي فهي تزخر بعدد كبير من نسخ القرآن الكريم المخطوطة ويصل عددها إلى ٨١ نسخة منها ٤٦ مصحفًا و٣٠ مجموعة أجزاء. ويلاحظ المرء عند اطلاعه على هذه المصاحف والأجزاء مدى العناية التي أولاها إياها ناسخوها ومعدوها. وقد سجل التاريخ في البوسنة أسماء ٢٥٠ من ناسخي وخطاطي القرآن الكريم البوسنيين من بينهم العلم مصطفى الكاتبي البوسنوي، والذي قال عنه الرحالة التركي أوليا جلبي: إن الدرويش مصطفى له خط جميل جدًا، ومن بين الخطاطين محمد بن أحمد تركيسي البوسنوي وكان قاضيًا وشاعرًا، وقام بنسخ تفسير البيضاوي خلال ٤٠ يومًا فقط.

ولم تتخلف النساء البوسنيات عن خدمة الكتاب العزيز، فاشتهرت في هذا الميدان أمينة بنت مصطفى جلبي وغيرها. ولم تقتصر عملية نسخ القرآن الكريم كذلك على طلبة العلم والأساتذة، بل سجلت بعض المصادر البوسنية أن أحد الأعلام في هذا المجال كان حدادًا، ومن القصص التي يرويها أهل الذكر في البوسنة أن بوسنيًّا اشترى مصحفًا بحديقة للفاكهة كان يملكها حبًا في القرآن الكريم وإجلالًا له!

طباعة القرآن الكريم

تذكر المصادر البوسنية أن طباعة القرآن الكريم في العصر الحديث تمت لأول مرة سنة ١٣٥٤ هـ ١٩٣٥ م وهي طبعة إدارة الوقف والمعارف بسراييفو، ثم توالت الطبعات منذ ذلك الوقت مع مراعاة قيام مشاهير الحفاظ بمراجعة النص القرآني المكتوب. وأشهر الذين قاموا بهذه المهمة الجليلة الشيوخ مصطفى مؤذنوفيتش، وجمال الدين حاجييا حيتش وعاصم سيرجو وإبراهيم فييتش وجمال حاجي موليتش، والحافظ فاضل بورجا والحافظ أشرف كوفا جوفيتش الذي كان يعتبر أفضل الخطاطين في منطقة البلقان «توفي سنة ١٩٩٩م».

كما قامت هيئات ومراكز إسلامية بطبع معاني القرآن الكريم باللغة البوسنية ومن ذلك مركز الملك فهد لطباعة القرآن الكريم بالمدينة المنورة الذي طبع ١٠٠ ألف نسخة باللغة البوسنية، وقد قام بنقل المعاني للبوسنية بسيم كوركوت.

حفظة القرآن

حفظ القرآن في البوسنة والهرسك لقي عناية جيدة من مسلميها لأنهم فهموه كفرض كفاية، حيث أصدر علماء المجلس الإسلامي في سراييفو توصية بتشجيع المسلمين على حفظ القرآن سنة ١٣٦٠ هـ ١٩٤١م، ويقول الدكتور عزت تارزيتش، في رسالته للدكتوراه عن حفظة القرآن في البوسنة: «إن للبوسنيين مصطلحًا خاصًا يطلق على حفاظ حملة كتاب الله تعالى، وهو الشخص الذي يحفظه كاملًا ولا يطلق لقب الحافظ لمن ينقصه شيء من حفظ السور أو الآيات من القرآن، وهناك مصطلحان إضافيان وهما الحافظ القارئ، وهو الذي يحفظ القرآن مع العلم بالقراءات السبع أو العشر والحافظ القوي وهو الذي يمكنه أن يصلي الصلاة الجهرية بختمة القرآن دون أي خطأ...

منهجية الحفظ

وللبوسنيين منهجية خاصة في حفظ القرآن الكريم مأخوذة عن العثمانيين الذين أدخلوها إلى بلادهم بعد فتح البوسنة وثبت نجاحها رغم غرابتها. وتتمثل هذه الطريقة في: أن يبدأ المبتدئ بحفظ الصفحة العشرين من المصحف، وهي الصفحة الأخيرة من الجزء الأول، ثم يحفظ الصفحة العشرين من الجزء الثاني، وهي الصفحة الأربعون من المصحف الشريف، ثم يحفظ الصفحة العشرين من الجزء الثالث المطابقة للصفحة الستين من المصحف، وهكذا إلى نهاية المصحف ويكون بذلك قد حفظ ثلاثين صفحة ويسمى ذلك بالدورة الأولى، ثم بعد ذلك يبدأ بحفظ الصفحة رقم ١٩ من الجزء الأول ويراجع معها الصفحة رقم ۲۰ التي حفظها في الدورة الأولى، ثم يحفظ الصفحة ۱۹ من الجزء الثاني ويراجع معها الصفحة ٢٠ من نفس الجزء وهما الصفحتان ۳۹ و ٤٠ من المصحف، وهكذا إلى آخر المصحف ويسمى ذلك الدورة الثانية. ثم يبدأ بحفظ الصفحة ١٨ من الجزء الأول مع مراجعة الصفحتين ۱۹ و۲۰ اللتين حفظهما في الدورتين الأولى والثانية. وهكذا مع الأجزاء الأخرى حتى آخر المصحف، ويسمى هذا دورة ثالثة. وهكذا يكون حفظ الصفحات الجديدة مع مراجعة الصفحات المحفوظة من قبل حتى يصل إلى الدورة العشرين حيث يبدأ بحفظ الصفحة الأولى من الجزء الأول ومراجعة التسع عشرة صفحة الأخرى التي حفظها من قبل، ويكون هكذا قد انتهى من الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني فالثالث ثم الرابع وهكذا إلى آخر المصحف حتى يصبح حافظًا «۲۰ دورة في ٣٠ صفحة يساوي ٦٠٠ صفحة أي حفظ القرآن كاملًا».

عملية تحفيظ القرآن غالبًا ما تكون على يد محفظ -من الحفاظ المعترف بهم- والذي يساعد المبتدئ -يطلق عليه في البوسنة المرشح- على الحفظ ولكي يحصل المرشح بعد حفظ القرآن على درجة الحافظ لابد من إجازة لجنة استماع مكونة من ثلاثة حفاظ على الأقل له بمعدل تسميع عشرة أجزاء يوميًا.

يقول الحافظ سناهد زعيموفيتش: «لقد حفظت القرآن بهذا الأسلوب -الدورات- خلال تسعة أشهر فقط رغم انشغالي بالدراسة في مدرستي في سراييفو ورغم ذلك تفوقت في دراستي ولله الحمد، ولم يكن الحفظ عائقًا أمام تفوقي، بل كان دافعًا».

ويضيف زعيموفيتش أن الوقت الطبيعي الذي يحتاجه المرشح الآن ما بين 9 إلى ١٨ شهرًا تقريبًا..

حفظة بارزون

وصل عدد حفظة القرآن الكريم في البوسنة حتى عام ١٩٤٢م في سراييفو وحدها إلى ٦٣ حافظًا.

ومن الحفظة الذين تركوا بصماتهم على هذا العلم في البوسنة على سبيل المثال عبد الله كاؤكجيا الذي كان إمامًا وخطيبًا بمسجد فرحات بك في سراييفو وأعدمه الاحتلال النمساوي رميًا بالرصاص لمشاركته بك توفي سنة ۱۸۸۰م. والشيخ الحافظ في المقاومة والشيخ الحافظ سيف الله صبر حافوفيتش وكان إمامًا لمسجد غازي خسرف صالح لا ييتوفيتش المعروف بحاجي لويو والذي شارك في مقاومة الاحتلال النمساوي وتوفي في الطائف سنة ۱۸۸۷م، والشيخ الحافظ أحمد كوستورا، والشيخ الحافظ حسن ثنايا حاجي ياحيتش والشيخ الحافظ كامل بينيو وتوفي في الحج عام ١٩٠٠م بالمدينة المنورة عن ٣٥ عامًا.

وتوالت أجيال القراء والحفظة إلى يومنا هذا ومنهم الشيخ عصمت سباهيتش نائب رئيس هيئة العلماء والدكتور مصطفى تسيريتش مفتي البوسنة، وغالبًا ما يعمل الحفاظ بالإمامة والتدريس والقضاء، إضافة إلى العديد من المهنيين كالأطباء والتجار والموظفين وضباط الجيش والمزارعين وغيرهم الذين حفظوا القرآن الكريم كاملًا.

القراءات والتجويد

القراءة التي دخلت الأراضي البوسنية كما يؤكد الدكتور عزت بن عاطف تارزيتش البوسنوي هي قراءة عاصم برواية حفص وهي التي كانت معتادة عند العثمانيين الذين نشروا الإسلام في أوروبا، أما القراءات الأخرى فقد كانت تدرس في المدارس ونسخت في الكتب الكثيرة المتعلقة بهذا الموضوع. ويشير الدكتور تارزيتش إلى أن العوام من مسلمي البوسنة تعلموا وطبقوا قراءة واحدة هي قراءة عاصم برواية حفص أما المتخصصون فقد تعلموا وتعرفوا على القراءات الأخرى.

ومن أشهر علماء القراءات في التاريخ البوسني الحافظ علي توربو الذي كان عالمًا بالقراءات العشر، والحافظ ويصل بينو، وهو من علماء القراءات العشر أيضًا ومثله الحافظ علي بايراموش الشهير بدوره الدعوي بين أبناء البوسنة في أربعينيات القرن العشرين الميلادي والحافظ إبراهيم محمد تريبينياتس صاحب المؤلفات في علم التجويد منها أحكام التجويد، والحافظ مصطفى ساحاجيتش، والحافظ فاضل فاضليتش وغيرهم كثير.

رمضان.. اهتمام خاص

يهتم البوسنيون كذلك بتلاوة ورد قرآني يوميًّا وفي كل مناسباتهم وفي رمضان بالأخص، وشهر رمضان في البوسنة كما هو في بقية العالم الإسلامي هو شهر القرآن يصومون يومه، ويقيمون ليله. ويقرا البوسنيون في شهر رمضان جزءًا واحدًا كل يوم حتى يختم القرآن في آخر الشهر المبارك ويقضي البوسنيون مدة الاعتكاف في المساجد في الذكر وقراءة القرآن، وفي بعض وسائل الإعلام المسموعة والمرئية التي يملكها بعض المسلمين يتم بث القرآن الكريم كاملًا في رمضان ويتم استضافة العلماء والدعاة الشرح وتفسير القرآن الكريم.

الرابط المختصر :