; حسان رائدًا في دروب الشعر | مجلة المجتمع

العنوان حسان رائدًا في دروب الشعر

الكاتب محمود عادل الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1978

مشاهدات 67

نشر في العدد 399

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 13-يونيو-1978

في طريق استعراضنا وتقويمنا لشعر عهد صدر الإسلام، يطالعنا أخيرًا من شعر حسان بن ثابت لون وجداني رهيف، يعبر عن أدق أحاسيس الشاعر وأشفها عن نفسه الملتاعة. إنه شعر وداع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد فارق الحياة بعد أن أتم مهمته، وبلغ رسالة ربه، ولعل ثقل الفاجعة المفاجئ الذي عقد ألسنة الصحابة آنذاك، وأطاش العقول، قد لف في سورته شاعر الرسول، فانطلق مستطار اللب، يرثيه بأنات باكية، وعيون مزدحمة بالدمع قد أرمضها السهاد، يقول في إحدى مرثياته له معبرًا عن فرق جزعه وتفديه له: 

ما بال عينك لا تنام كأنها ** كحلت مآقيها بكحل الأرمد 

جزعًا على المهدي أصبح ثاويًا ** يا خير من وطئ الحصا لا تبعد 

وجهي يقيك التربة لهفي ليتني ** غيبت قبلك في بقيع الغرقد 

بأبي وأمي من شهدت وفاته ** في يوم الاثنين النبي المهتدي 

فظللت بعد وفاته متبلدًا (1) ** متلددًا، يا ليتني لم أولد 

وبعد أن يثوب الشاعر قليلًا إلى رشده، يجد أن لا لقاء مع رسول الله إلا في الدار الآخرة، فيا ليتها تدنو ليتم اللقاء بأكرم خلق الله، كما يضرع إلى الله يجمعه به في فردوس جنته:

أو حل أمر الله فينا عاجلًا ** في روحة من يومنا أو في غد 

فتقوم ساعتنا فنلقى طيبًا ** محضًا ضرئبه (2) كريم المحتد 

يا رب فاجمعنا معًا ونبينا ** في جنة تثني عيون الحُسد 

في جنة الفردوس فاكتبها لنا ** يا ذا الجلال وذا العلا والسؤدد 

ثم يمضي حسان إلى تصوير فجيعة الأنصار برسول الله، لقد أبوا عليه حين فتح مكة أن يغادرهم ويقيم بين قومه فيها، أما الآن فلا حيلة لهم، قد ضاقت بهم الآفاق، وأربدت الوجوه حزنًا كظيمًا على رسول الله: 

يا ويح أنصار النبي ورهطه ** بعد المغيب في سواء الملحد 

ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحت ** سودا وجوههم كلون الإثمد 

ويبتهل قلب الشاعر إلى الله، فيتجاوب مع ابتهال الملائكة، وضراعة الأخيار أن يكلأ الله الرسول برعايته وأن يحظيه مقامه: 

صلى الإله ومن يحف بعرشه ** والطيبون على المبارك أحمد 

ولقائل أن يقول بعد هذا: هل سمت هذه المرثية إلى مقام رسول الله، وهي أجود ما قاله حسان في بكائه الرسول؟ وهل صورت الموقف العصيب الذي نزل بالمؤمنين؟ ذاك المصاب الذي لا نظير له في قديم الحياة وحديثها كما يقول حسن: 

وما فقد الماضون مثل محمد ** ولا مثله حتى القيامة يفقد 

يجيب البعض عن هذا: بأن المصيبة قد ألجمت الشعراء، فكانت أكبر من أن صورها الشعر أو تتحملها النفوس، ولعله اعتبار مقبول، ولكنه لا يفسر الموقف..

حسّان رائدًا في دروب الشعر

والحقيقة التي لا نريد استباقها، أن الشاعرية الإسلامية لم تكن قد نضجت بعد في نفوس الشعراء، لذا ظلت المعاني على قاعدة الفطرة والبداوة، لا تعدو البكاء الصادق، والإشادة برسول الله، فلا تريش السموة إلى مستوى التصور الإسلامي لرسول الله، والحقيقة المترجمة لرسالة السماء في الأرض، والصورة المشرقة للخلافة عن الله فيها. 

وهكذا بعد استعراضنا لشعر حسان بن ثابت، باعتباره من فحول شعراء هذا العصر، أين نضعه من شعرنا العربي؟ وكيف نقومه في نظرتنا الجديدة لشعر عصر صدر الإسلام؟ 

لعلنا نستطيع القول: إن حسانًا لم يغادر منزل الفحولة وجودة الشعر في الإسلام، بل اكتسى، على محدودية تأثره به، ألوانًا من السعة والشمول والنظرة الماورائية، كما أضفى القرآن على شعره ألوانًا جديدة من المعاني والأساليب، لم يحرزها في الجاهلية، بعد أن كان شعره فيها يجري على سنن واحد وطريقة واحدة، وقد لمحنا طرفًا من مجالي التلوين والسعة فميا مر معنا له من نصوص سابقة، ولعله قد تخطى عصره حين طرح جانبًا تقليد الوقوف على الأطلال في كثير من قصائده، هذا التقليد الذي لم يتخلص منه شعرنا العربي حتى منتصف العصر العباسي.

وأما أحكام النقاد على شعره باللين في الإسلام، ومنهم الأصمعي فينقصه اعتراف الأصمعي نفسه بأنه يروى عنه من الشعر ما ليس له وإذا أضفنا إلى ذلك بأن هذه الأحكام كانت في مطلع جمع الشعر واللغة، برز احتمال عدم اكتمال شعر الشعراء لدى هؤلاء النقاد، فجاءت أحكامهم ناقصة، إلى جانب ما يعتورها من النظرة الجزئية في النقد... 

وأمّا ما وهن من شعر حسان فله نظير عند كل شاعر، إذ قلما نعثر على اتحاد المستوى عند واحد منهم، فالساقط من شعر أبي تمام مثلًا قد أزرى به عند بعض النقاد القدامى، ولكن ظل أبو تمام عند جمهرة النقاد وفي اعتبارنا اليوم في القمة من شعرنا العربي.. 

فإذا أضفنا إلى ذلك حسانًا كان شاعرًا مطبوعًا، لا ينقح شعره ولا يحككه، شأن زهير بن أبي سلمى ومدرسته، وإنما كان يصوغ شعره عفو الخاطر، بل كثيرًا ما يرتجل الشعر ارتجالًا، وقد زاد من ارتجاله إلحاح الأحداث المتلاحقة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولعلنا نستطيع أن نميز بين شعره المرتجل الذي يبدو غالبًا مقطعات صغيرة استنطقتها الأحداث، وبين شعره الذي نال بعض العناية وهو على الغالب قصائد ومقطعات طويلة. 

ولقائل أن يقول بعد هذا: ما بال بعض القيم الجاهلية تأخذ طريقها إلى شعر حسان الإسلامي، أمّا كان أحراه أن يكون خلقًا جديدًا في الإسلام؟ 

والجواب على هذا السؤال: أن مهمة حسان التي شفى بها صدر الرسول كانت الرد على المشركين من لون قولهم، ويقتضي ذلك مخاطبة القوم بما يفهمون، وبقدر ما تطيق عقولهم، ولعله نجح في مهمته –كما حدث مع الرسول، فكان شعره أشد عليهم من نظح النبل، وذلك لأنه كان يعيرهم بأيام هزيمتهم ويطعن في أنسابهم، ولا بد له في مهمته هذه من استعادة أسلوبهم وسبيلهم. 

ومنها أن طريق حسان الشعري كان يشق سبيله في مجتمع جديد يؤصل لقيم جديدة، تأخذ طريقها إلى المجتمع تدريجيًا، وكانت أبان ذلك ترتفع قيم وتنخفض أخرى في عملية تحويل لهذا المجتمع، لم تستغرق زمنًا يسيرًا، وإنما اقتطعت من عمر الزمان ثلاثا وعشرين سنة حتى اكتملت ملامح الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية، فخلال فترة الانتقال هذه لا بد من ورود مدلولات بعض القيم القديمة على الألسنة في طريقها إلى الاندثار والتصفية، ولا سيما أن الظاهرة الفنية تتأخر في الولادة والظهور عن الظاهرة الاجتماعية لأنها تحتاج إلى فترة حضانة ونضج. 

ولعلنا نستطيع أن نعرض أخيرًا لقطعة من شعر حسان الجاهلي، يترجم فيها قيم الجاهلية التي كان يعتز بها قبل الإسلام، فنقارن بذلك بين شعره الجاهلي الذي تمثله هذه القطعة وشعره الإسلامي الذي سبقت دراسته، لنميز في ذلك عند الشاعر بين أفقين وعهدين، ولنزيح عن النفوس بعض الأوهام التي علقت بها في هذا الموضوع. 

يقول حسان في جاهليته، مفتخرًا بقيم الجاهلية ومواضعاتها القبلية: 

ألا أبلغ المستمعين بوقعة ** تخف لها شمط النساء القواعد 

وظنهمُو بي أنني لعشيرتي ** على أي حال كان، حام وذائد 

فإن لم أحقق ظنهم بتيقن ** فلا سقت الأوصال مني الرواعد (3)

ويعلم أكفائي من الناس أنني ** أنا الفارس الحامي الزمار المناجد 

فإن تسألي الأقوام عني فإنني ** إلى محتد تنمي (4) إليه المحتد 

وجدي خطيب الناس يوم سميحة (6) ** وعمي ابن هند مطعم الطير خالد (7) 

لكل أناس ميسم (8) يعرفونه ** ويسنا فينا القوافي الأوابد

ولعلنا لا نغادر فيما مر من أبيات حسان، تلك الموضوعات والقيم التي عاشها في الجاهلية، من التزامه برباط العشيرة، وافتخار بذوده عنها، وتمدح بنسبه الرفيع، وبجده حكم القوة يوم سميحة، واختتامه ذلك تمدحًا بشعره وقوافيه.. وحينئذ ندرك مدى نقلة حسان الهائلة من أطراف هذه القيم الجزئية المحدودة، إلى ما مر بنا في دراستنا لشعره الإسلامي، من قيم شاملة وعالم متسع وآفاق رحيبة. 

ولعلنا في حاجة إلى القول في ختام حديثنا عن حسان: أن شعره الإسلامي لم يرق تمامًا إلى تمثيل حياة المجتمع الإسلامي في تصوره وتطلعه وآفاقه، للظروف والأسباب الآنفة، وإن كان قد أدى دورًا فنيًا خطيرًا في عصره، لقد كان بحق رائدًا في دروب الشعر وتطويعه لطريق الحياة الجديدة التي انتهجها الإسلام، ورغم بعض الاعتساف في الطريق، فسيظل له فضل الريادة في هذا الطريق المبدع، الذي لو قيض له من يتمه، لكان لهذا التيار الإسلامي في الشعر دور كبير في صياغة وجدان الأجيال القادمة، يواكب دور الفكرة والدعوة، فيحقق جماع الطاقات وازدلاف القوى وانسجام شعاب الطريق. 

1- متحيرًا ومثلها متلددًا..

2- سجاياه. 

3- لا سقى السحاب أوصالي.

4- ترتفع. 

5- جده ثابت بن المنذر وقد كان حكم القوم في يوم سميحة. 

6- يوم الحرب بين الأوس والخزرج.

7- عمه خالد بن زيد كان ينحر الإبل للأضياف فيأكل منها الناس والطير. 

8- المكواة، والمقصود به لذع الشعر. 

الرابط المختصر :